Thursday, January 08, 2026

عملية كاركاس:

عملية كاراكاس الفرطوسي ما جرى في كاراكاس لا يمكن وصفه بحدث سياسي، ولا حتى بعملية أمنية خارقة. ما جرى أقرب إلى عرض مسرحي عبثي، نسخة لاتينية متأخرة من نصوص صامويل بيكيت، حيث الشخصيات تختفي بلا ضجيج، والسلطة تنتقل بلا دم، والجمهور يُترك حائراً: هل انتهى العرض أم لم يبدأ أصلًا؟ اختطاف رئيس دولة وزوجته، بهذه السهولة، بهذا الصمت، وبهذا الهدوء الذي أعقب الصدمة، لا يحدث حتى في جمهوريات الموز التي نُكثر السخرية منها. فالرؤساء لا يُختطفون هكذا، إلا إذا كانوا قد أنهوا أدوارهم، ووقّعوا – أو فُرض عليهم التوقيع – على الخروج من المشهد. لا سيارات مفخخة، لا شوارع مشتعلة، لا انقلاباً يُشبه الانقلابات. فقط رئيس اختفى، وسلطة انتقلت، ومدينة واصلت يومها كأن شيئاً لم يكن. وهذا بالضبط ما يفضح القصة كلها. فالسياسة حين تُدار بالعنف الحقيقي تترك فوضى، أما حين تُدار بالتفاهمات، فإنها تترك هدوءاً مريباً… هدوءاً يشبه ما بعد إطفاء أنوار المسرح. الرواية الجاهزة تقول: مخدرات، كارتلات، خطر على الأمن القومي الأمريكي. رواية محفوظة في درج قديم، تُستخرج كلما لزم الأمر. لكن لو كان الكوكايين سبباً كافياً لاختطاف الرؤساء، لكانت أمريكا قد اختطفت نصف قادة الكوكب، وربما اختطفت نفسها أولًا. الحقيقة أقل شاعرية وأكثر فجاجة: النفط. رقم ثقيل، صلد، لا يحتاج إلى استعارة. احتياطي فنزويلا النفطي ليس ثروة، بل إغراء تاريخي، إغراء لا تقاومه إمبراطورية تشعر بأن الزمن يعمل ضدها. حين يخرج رئيس الولايات المتحدة ليتحدث عن النفط الفنزويلي كما يتحدث سمسار عقارات عن قطعة أرض شاغرة، فاعلم أن اللغة الدبلوماسية قد ماتت رسمياً. هذا ليس تدخلًا، ولا وصاية، ولا حتى احتلالًا مقنّعاً. هذا إعلان ملكية مؤقتة في عالم لم يعد يسأل عن الشرعية، بل عن ميزان القوة. الأدهى أن العالم كله يعرف ذلك، ويتصرف على هذا الأساس. روسيا تُدين، الصين تُعرب عن القلق، الأمم المتحدة تستحضر القاموس الأخلاقي القديم، ثم يعود الجميع إلى حساباتهم الباردة. فبكين مشغولة ببحارها وجزرها، وموسكو غارقة في نزيفها الخاص، ولا أحد مستعد لخوض حرب من أجل رئيس اختفى بهدوء. أما الداخل الأمريكي نفسه، فليس لوحة متجانسة كما يُراد له أن يبدو. هناك من يرى في ما جرى صفعة لفكرة “أمريكا الديمقراطية”، وانتهاكاً فجاً لكل ما تبقى من أساطير القانون الدولي. لكن هذه الأصوات، مهما ارتفعت، تخفت سريعاً حين يدخل النفط إلى الغرفة. فالبراغماتية، حين تجوع، تأكل المبادئ بلا تردد. المفارقة أن كل هذا يحدث في زمن يصرّ فيه دونالد ترامب على القول إنه رجل السلام، وأنه أوقف الحروب، وأنه أعاد لأمريكا هيبتها. لكنه سلام يُعلن بالكلمات ويُنقض بالأفعال، وهيبة تُبنى على مشاهد تشبه البلطجة أكثر مما تشبه القيادة. العالم لم يعد يثق، لا لأن ترامب يكذب، بل لأن الكذب لم يعد ضرورياً أصلًا. الحقيقة تُقال عارية، ومن يعترض يُقال له ببساطة: هذا هو الواقع. فنزويلا ليست القصة، بل الإشارة. ليست الهدف، بل المثال. ما جرى فيها يقول بوضوح إننا دخلنا زمناً جديداً، زمناً لا تُدار فيه الدول بالقوانين، بل بالتفاهمات الخفية، ولا تُسقط فيه الأنظمة بالدبابات، بل بتوقيع غير مرئي على نهاية الدور. في هذا الزمن، قد يُختطف رئيس، وقد تُدار دولة من خارجها، وقد يُباع نفطها على الطاولة ذاتها التي يُتبادل فوقها الصمت. أما الشعوب، فتُترك في مقاعد المتفرجين، تُصفق أحياناً، وتحتج أحياناً، لكنها في النهاية لا تقرر متى يبدأ العرض… ولا متى يُسدل الستار. إنه مسرح، نعم. لكن المشكلة أنه بلا كاتب أخلاقي، وبلا نهاية واضحة.

No comments:

Post a Comment