Thursday, January 02, 2025

هذا ما شاهدته في إيران عام 1995م - القسم الأول :

هذا ما شاهدته في ايران عام 1995 (القسم الاول) هذا ما شاهدته في ايران عام 1995 (القسم الاول) بقلم د. رضا العطار حينما كنت مقيما في واشنطن عام 1995 وانا في حالة تقاعد، تلقيت من ادارة مستشفى العراقيين في ايران دعوة للقدوم الى طهران لأستلام عيادتها الخارجية لطبابة العيون. وعندما قدمت علمت بان داري سيكون في منطقة سعادت آباد، وهي من ارقى المناطق السكنية في مصايف الشمرانات الكائنة شمال العاصمة، المتميزة بهوائها العذب، والتي تفترش مساحة واسعة من سفوح جبال الأرز المكسوة قممها بالثلوج طيلة ايام السنة. كان لي جار يدعى مهدي سقطجي وكان في حينه رئيسا لغرفة تجارة السجاد في ايران، وسرعان ما ارتبطت به بصداقة، انه كان على جانب كبير من اللطف والمودة، مما رفع العلاقة معه الى مستوى الحميمية . كان من عادته ان ينهض من فراشه وقت السحر ايام الجمعة إسوة بألاف الرجال من سكنة طهران ليتجهوا صوب الجبال الكائنة شمال مدينتهم، كان هدفهم ممارسة رياضة التسلق، وقد اعجبني ان اشارك هوايتهم هذه كسبا للمعرفة. كانت الرياضة في ذلك الوقت المبكر من النهار تلهم اجسادهم نشاطا وارواحهم بهجة ونورا، كانت الوريقات الرقيقة لزهيرات الطريق في تلك اللحظات لا زالت ندية، تزين جمال الارض، وتنشر عطرها الفواح في الارجاء، كان الجو في ذلك النهار صافيا رائعا، فشعرنا بالسرور والمزاج الرائق، كانت نزهتنا مفعمة باحاديث مشوقة مطعمة بالنوادر والنكت، ناهيك انها كانت تتيح للمشاركين فيها فرصة المعاشرة الأجتماعية والتعرف على الاخرين. ومما خطف انتباهي ان صديقي مهدي كان اثناء سيره متحمسا في التقاط احطاب الطريق، وهي قطع خشبيه صغيرة تناثرت بفعل العواصف و الرياح . . . كان الطريق طويلا، فكنا نتوقف بين الفينة والاخرى لاخذ قسط من الراحة، كانت علامات الفرح والابتهاج مرتسمة على الوجوه، واصلنا السير حتى بلغنا الذروة، كان الجو في الاعالي رائقا و الهواء منعشا وطريا، فكانت غبطتنا عارمة، ولم يدر في خلد احدنا بان مهدي سوف يخرج من تحت الصخور ابريقا مسودا ثم يملئه بالماء ويشعل تحته النار. وعندما اصبح الشاي جاهزا، تناولنا فطورنا مع الاشعاعات الاولى لنور الصباح، وابتهجنا في رؤية شروق الشمس. كان منظر الطبيعة من ذلك الارتفاع الشاهق في غاية الجاذبية والروعة. وترائت لنا الدنيا من حولنا ضاحكة تنبض بالحياة والحركة واحسست وكأن الكائنات في حالة تسبًيح وتهليل، ورحت في تأملات، ووقفت ازاء عظمة الكوبن وجمال الخالق خاشعا، واستقبلت الحياة التي وسعت علي كل شيئ، حامدا شاكرا، ويقيني بانني عايش، واني جزء من هذا الوجود، يملئان قلبي فرحا، وان كياني يطفح حبا وحنانا للارض وما عليها من مخلوقات، فأنا اعشق جنس البشر، فآليت على نفسي ان اكون مع الانسان اكثر رقة وتعاطفا، ومع السائل اوفر عطاء، وبالحيوان اكثر رأفة، وبالنبات اسبغ رعاية. وتمنيت ان يعيش البشر ـ كل البشر ـ في سلام ووئام هذا في الوقت الذي لم اكن انظر بعين الرضا ان يكون جزءا كبيرا من الشعب الايراني بعد عمر الشباب يتعرضون الى حالة الحزن وما يعقبها من بكاء في اغلب الاحيان. ونحن نعلم جيدا ما تحمله كلمة الحزن من المشاعر النفسية الضارة كالآسى والياس والتشائم، فاذا ما تغلغلت هذه الظاهرة في ثنايا روح الحزين، اصبحت بمرور الزمن عادة اجتماعية مألوفة. فالحزن والبكاء حالتان سلبيتان تعكران صفو الحياة. والغريب حقا ان تقوم الجمهورية الاسلامية بدعم هذه الحالة النفسية، والاغرب من ذلك ان يوجه اية االله الخميني دعوته للمؤمنيين بأن يستفيدوا من (بركة) البكاء وما تستدر من ثواب فهو الوسيلة الوحيدة لأستجابة الدعاء. فالحزن المزمن في نظر الشخص المؤمن هو القدح المعلى، يكسبه المهابة والوقار. في اعقاب ثورة اية الله الخميني عام 1979 تبدلت اسماء معظم المستشفيات في ايران. فلو كان الاسم (مستشفى الشفاء) مثلا، تغير الى (مستشفى الشهيد . . . ) ومن المحقق ان نفسية المريض تتأثر سلبا او ايجابا بعنوان تلك المستشفى، فلو كان العنوان (الشفاء) تفائل خيرا، اما اذا كان الاسم (الشهيد)، سيطرت عليه الهواجس. في تسعينيات القرن الماضي سكن بقربي طبيب ايراني قدم الى امريكا للدخول في دورة تخصصية، وبعد ان تم التعارف بيننا طلب مني مساعدته في اعمال الترجمة، فأنجزت له ذلك. وعند الأنتهاء من مهمته، دعاني الى داره للعشاء، فقبلت دعوته شاكرا و ذهبت اليه، وتبين لي بان الرجل كان مسلما متدينا لحد التزمت. كان برفقة زوجته التي لم اراها قط، فلم تظهر وهي المحجبة لترحب، ولا دنت من مائدة الطعام لتشارك، انما مكثت قابعة في المطبخ، عازلة نفسها عزلة تامة، وتأخر موعد العشاء حتى اخذ الجوع مني مأخذا، لكن عندما حان وقت شرب الشاي، لم يكن يجول في خاطري ابدا بان الزوج سوف يقدم على فتح جهاز المسجل دون ان يأخذ برأي، فأسائني ذالك كثيرا وكنت على وشك ان اشيح عنه واغادر، لكنني بقيت على مضض، استمع الى الصوت العالي لأحداث شهر محرم الدامية وانا غير راغب ان اسمع، وعندما جاء على ذكر عاشوراء قام الرجل بأطفاء النور، وبعد صمت قليل، تعالى صوت البكاء من وراء الستار. إن الغلو في ممارسة الطقوس المذهبية عند المتديين الايرانيين يعد احدى تجلياتهم. سمتها الحزن و البكاء. اما عن الحالة النفسية لبقية افراد الشعب فعلمه عند الله. وفي هذا المجال يسرني ان يستعلم القارئ الكريم بان الحسين بن علي الملقب بسيد الشهداء يحظى لدى الايرانيين بأعلى درجات التقديس، فقلوبهم تخفق له حبا، فالحسين صهرهم وهو زوج شهربانو بنت الملك يزدجرد. وهو في الوقت نفسه ابن فاطمة الزهراء، بنت الرسول. استدراك : عندما غزا الخليفة عمر بن الخطاب بلاد فارس عام 43 للهجرة، وساق ابناء ملكها يزدجرد سبايا الى جزيرة العرب ايغالا في الاذلال وبيعه اياهم في سوق النخاسة كانت شهربانو ضمن قافلة السبايا. لم يغفر الفرس العرب على فعلتهم التاريخية هذه، فظهرت اولى بوادر الكراهية بينهما منذ ذلك الحين و استمرت الى يومنا هذا. .

No comments:

Post a Comment