صدى آلكون ............................................................................ إدارة و إشراف : عزيز آلخزرجي
Thursday, January 02, 2025
هذا ما شاهدته في إيران - القسم الثاني :
هذا ما شاهدته في ايران عام 1995 (القسم الثاني)
هذا ما شاهدته في ايران عام 1995 (القسم الثاني) بقلم د. رضا العطار
حينما كنت مقيما في واشنطن عام 1995 وانا في سبعينيات العمر، تلقيت من ادارة مستشفى العراقيين في ايران دعوة للقدوم الى طهران لأستلام عيادتها الخارجية لطبابة العيون. وعندما وصلت علمت بان داري سيكون في منطقة سعادت آباد، ارقى المناطق السكنية في مصايف الشمرانات المعروفة بهوائها العذب، والتي تفترش مساحات شاسعة من سفوح جبال الأرز المكسوة قممها بالثلوج طيلة ايام السنة.
بدأت بالعمل، فكنت بحكم مهنتي على تماس مع مختلف افراد المجتمع، عراقيين وايرانيين على حد سواء، وقد خطف انتباهي عن طريق الصدفة رجل كهل في سنه لكنه كان فاضلا في اخلاقه، استاذ جامعة متقاعد، رفيع القدر، فأعجبني شخصه واتخذته صديقا لي، وعندما لمست انه يرنو اليً بكثير من اللطف والمودة، رفعتُ العلاقة بيننا الى مستوى الحميمية. وفي احد الايام اخبرني باننا مدعوين الى حفل زفاف مكتظ بالمفاجآت، فسرني ذالك كثيرا .
وفي مساء اليوم التالي والوقت المعلن اصطحبني بسيارته متجها الى احدى ضواحي العاصمة طهران، واستمر في سياقته الى ان دخلنا منطقة، ترائت لنا انها منطقة معزولة ان لم تكن مقفلة، فقد كانت الشوارع فيها تفتقد للأنارة، لكننا رغم ذالك واصلنا السير لدقائق عدة حتى لاح لنا شبح مسلحين يقفان على جانبي باب حديدي لبناية كبيرة يحرسانه.
وعندما دلفنا داخلا بعد ان ابرزنا بطاقة الدعوة وجدنا انفسنا في عالم آخر، ان ما رأيناه كاد ان لا يصدق: فقد كان الاحتفال بحفل الزواج يجري على النمط الاوربي، كان المشهد يسطع بالانوار ويتألق بعشرات النساء السافرات وقد حفلن بأجمل الازياء وبآخر موضة، حتى ان بعضهن في ثيابهن كن اقرب الى الخلاعة منها الى الحشمة. وقد انتظمن مع ازواجهن في فعاليات فنية متعددة، كان الرقص الغربي اكثرها شيوعا، انهم كانو يمارسونه بمهارة و حذاقة. كانت انغام رقصة التانكو للفرقة الموسيقية قد استهوتهم لحد كبير، فأخذوا بجمالية الالحان حتى ذابوا بفيض عواطفها.
اما عن حرية الانسان التي احسوا بروعتها، فكانت في كامل انطلاقها، هذه الحرية وهي اللحن الاصيل الذي يترنم به كل عاشق قد احتلت مداها الى اقصى حد. فكان فرحي لفرحهم عظيما
اما المتسامرون الذين لم يشاركوا اخوانهم عروضهم الفنية فقد احتشدوا حول الموائد المستديرة للقاعة مبتهجين يتحدثون بما طاب لهم من حلو الحديث.
كانت الاجواء تسطع بالافراح، واما المحتفلون فحانوا في جذل وحبور، يستمتعون بالحياة الحرة داخل نطاق قاعتهم على نحو قاطع لا تشبه تلك التي تمارس داخل المجتمع الايراني، انها كانت فرصة ذهبية اتاحت للمشاركين التحرر الكامل من عاداتهم المحافظة وتقاليدهم البالية ومن معتقداتهم الجامدة والتوجهات السياسية الصارمة التي لا تجعل من المجتمع الانساني مجتمعا خلابا.
لم تكن الخمرة مسموح بها في العلن، لكن ان ما اعلمه علم اليقين بان معظم المتسامرين كان قد احتساها في السر.
وقبل ان يصل الليل الى منتصفه، وبعد ان اشرفت الفعاليات الفنية على نهايتها دُعي الضيوف الى مائدة العشاء . . . كانت سفرة العشاء لتلك الليلة سفرة خرافية، كانت مائدة الطعام قد اخذت من القاعة الواسعة اقصى مداها. وتميزت باحتوائها على مشاعل تستعر فيها النيران، يتوسطها عدد من الخرفان المحشية، وفي فم كل واحد منها الحشيش الأخضر، شارة نوروز.
لا يخفى على القارئ الكريم بان من عادة الأيرانيين ان يُتوًجوا مناسبات افراحهم سواء أكانت اعياد اوحفلات اعراس فخمة بمشاعل النار، تبقى مشتعلة طوال ساعات الليل، فللنار عندهم مكانة تاريخية موغلة في القدم، تدخل في صلب تقاليدهم الفارسية.
تعتبر النار في العقيدة الزرادشتية مقدسة، بينما هي في الديانة المجوسية معبودة، وهي الرمز القومي للحضارة الساسانية منذ ايام ملكهم كسرا
وفي ختام الاحتفال سألني صاحبي رأي بما شاهدت، فقلت : عجب العجاب
واضفت : كيف يمكن ان يحدث كل هذا ونحن نرتمي في احضان الجمهورية الاسلامية ؟
فاوضح لي صاحبي قائلا : في ماضي الزمان كانت آلاف العوائل الايرانية تنقل مناسباتها الاجتماعية الى الدول الاوربية كل عام، بهدف الاستفادة من اجوائها الحرة، تكلفها مبالغ مالية جسيمة. وتلافيا لهذه الخسائر المادية، اقدمت الدولة على معالجة هذه الظاهرة عن طريق تهيئت الظروف المشابهة للحياة في الغرب من وسائل وادوات ترف داخل البلاد كي تمكن النخب من ممارسة فعالياتها الاجتماعية بحرية كاملة وحسبما تشاء مقابل مبلغ معلوم.
فكانت حماية المحتفلين بالقوة العسكرية تحسبا من هجوم المتعصبين ضمن خدماتها.
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment