Thursday, January 08, 2026

بين قصور الرواتب ومنافي الاستقطاع (حكاية الموظف العراقي) المقدمة في مشهدٍ يختزل التناقضات الاجتماعية والاقتصادية، يجتمع رئيس وزراء يتقاضى راتباً يبلغ خمسةً وعشرين مليوناً مع وزيرٍ راتبه عشرة ملايين، ومستشارٍ راتبه خمسة ملايين، ليتداولوا في شؤون الدولة. لكن خلف هذه الأرقام الفلكية، يقف موظف بسيط براتب لا يتجاوز ستمائة أو سبعمائة ألف دينار، يواجه الاستقطاع والاقتطاع من قوت يومه، وكأن العدالة الاجتماعية قد غابت عن مائدة القرار. هذه المفارقة ليست مجرد أرقام، بل هي صورة مكثفة لواقعٍ يئن تحت وطأة التفاوت الطبقي والاقتصادي، حيث تُبنى القصور في القمة بينما تُقام المنافي في القاعدة. #نص المقال حين نتأمل في طبيعة الرواتب العليا، ندرك أنها ليست مجرد مكافآت مالية، بل هي انعكاس لسلطةٍ ومكانةٍ اجتماعية تمنح أصحابها امتيازات واسعة. رئيس الوزراء الذي يتقاضى خمسةً وعشرين مليوناً، والوزير بعشرة ملايين، والمستشار بخمسة ملايين، يعيشون في فضاءٍ اقتصادي يتيح لهم رفاهية العيش، والقدرة على تجاوز الأزمات، بل وربما الترف في الإنفاق. لكن في المقابل، الموظف البسيط الذي يتقاضى راتباً لا يتجاوز بضع مئات من الآلاف، يجد نفسه محاصراً بالاستقطاع، وكأن الدولة لا ترى فيه سوى رقماً يُقتطع منه لسد عجزٍ أو لتوازنٍ مالي لا يلمسه في حياته اليومية. إن المفارقة هنا ليست في الأرقام وحدها، بل في الرمزية التي تحملها. فاجتماع أصحاب الرواتب العليا يعكس صورة (القصور) حيث تُدار القرارات من موقعٍ مريحٍ ومحصّن، بينما الموظف البسيط يعيش في (المنافي)، حيث يُقتطع من راتبه القليل أصلاً، ليزداد ضيقاً على ضيق. هذه المفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل العدالة الاجتماعية مجرد شعار يُرفع، أم هي ممارسة فعلية تُترجم في السياسات الاقتصادية؟ الاستقطاع من راتب الموظف البسيط لا يُنظر إليه كإجراء مالي فحسب، بل هو فعلٌ رمزي يكرّس الفجوة بين الطبقات. فحين يُقتطع من راتب الستّمائة ألف أو السبعمائة ألف، يُقتطع في الحقيقة من حياةٍ يومية مليئة بالاحتياجات الأساسية: الغذاء، السكن، التعليم، الصحة. الكهرباء و والخ؛ بينما أصحاب الرواتب العليا لا يشعرون بثقل هذه الإجراءات، بل قد لا يلتفتون إليها أصلاً، لأن الفارق بين ما يُقتطع وما يبقى لديهم لا يمسّ رفاهيتهم أو استقرارهم. إن هذه الصورة تكشف عن خللٍ عميق في بنية النظام الاقتصادي والاجتماعي، حيث تُحمّل الطبقات الدنيا أعباء الإصلاح المالي، بينما تُترك الطبقات العليا في مأمنٍ من أي مساسٍ بامتيازاتها. وهنا يظهر البعد الأخلاقي للقضية: فكيف يمكن أن تُبنى دولة على أساس العدالة، إذا كان الموظف البسيط هو من يدفع الثمن دائماً؟ التحليل السردي لهذه المفارقة يقودنا إلى رؤية أوسع: إن قصور الرواتب ليست مجرد مبانٍ شاهقة أو أرقام ضخمة، بل هي منظومة كاملة من الامتيازات التي تحصّن أصحابها من الأزمات. أما منافي الاستقطاع فهي ليست مجرد اقتطاع مالي، بل هي واقع يومي يعيشه الموظف البسيط، حيث يُحرم من أبسط حقوقه في العيش الكريم. وبين القصور والمنافي، تتجسد حكاية الموظف العراقي، الذي يقف شاهداً على التفاوت الصارخ بين من يملك القرار ومن يدفع الثمن. #ختاما إن قضية الرواتب والاستقطاع ليست مجرد مسألة مالية، بل هي قضية عدالة اجتماعية تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن. فحين تُبنى القصور في القمة، وتُقام المنافي في القاعدة، يصبح الموظف البسيط رمزاً لمعاناةٍ أوسع، ومعياراً لمدى صدق الشعارات التي تُرفع باسم العدالة والمساواة. إن حكاية الموظف العراقي ليست حكاية فردٍ بعينه، بل هي حكاية مجتمعٍ بأكمله، يطالب بأن تُعاد صياغة المعادلة، بحيث لا تكون العدالة شعاراً فارغاً، بل ممارسةً حقيقية تُنصف الجميع. FacebookTwitterWhatsAppTelegramViberSnapchatXMessengerShare

No comments:

Post a Comment