Saturday, September 28, 2019


ألأسفار آلكونيّة - ألمدينة آلخامسة
ألوادي الخامس من المحطات الكونيّة – (الإستغناء)(1) puzzling
ألأستغناء أو (ألزّهد) يعني أنك تمتلك المال والمقام والجاه وهي طوع يديك لكنك لم تتعلق بها وإستغنيت عنها و ما سكنت قلبك, ولا تعني فقدانك لها وإدّعائك الأستغناء عنها أمام الناس بلا مصداقية و كما يدعيّ الكثير ممّن يأكلون الدّنيا بآلدِّين(2), وهذه آلمرحلة حسّاسة في (الأسفار) لأحتوائها إمتحانات معقدة تتعلق بآلنوايا, حيث تتشابك المعاملات وتنقلب الموازيين و المصالح التي آمن بها الناس كغرائز و ملذّات سبّبت مسخهم.
فتابعوا معنا حقيقة الأمر بإختصار مفيد في هذه المدينة الفاضلة.


إنّ تحقّق (ألتّوحيد)(3) في وجود ألمُسافر ألمُكافح هي المرحلة ألأساسيّة ألتي سبقتْ وادي(الإستغناء)؛ ويحتاج للأخلاص و تمتد لعقود من السّنين وربما لآخر العمر, ولذا من الطبيعي أن يَمُرّ بآلكثير من التجارب والهنّات والمصاعب ومقاومة مغريات الدُّنيا لا إرتكاب الحرام فقط .. لأنّ مُجرّد ظن سلبيّ من الزّاهد يُعتبر ذنباً لأنّهُ يعرف يقيناً بأنّ الله يرقب أنفاسه لحظة بلحظة, لأمتلاكه ألمعرفة و سرّ الوجود(4) لهذا إستغنى وزهد في كل شيئ, و كما حدث مع إمبراطور خراسان في بلخ (إبراهيم بن ألأدهم)(5).

بعد رسوخ مفهوم التوحيد كما الطلب والعشق والمعرفة في قلوبنا عبر رؤية كونيّة شاملة, مُمْتدّة من أعماق القلب حتى آلمطلق الكونيّ ألّلانهائي؛
يصرّ (ألمُوحّد) المُضيّ قُدماً في عالم الحقيقة و الصّفاء وآلمحبّة رغم الصعوبات في طريق المحطات الأربعة السّابقة وكما أثبتنا خصوصاً في وادي (التوحيد), لوصول ألمدينة الخامسة التي فيها يستغني ألسالك عن كل أموال و سلطان و ملذّات الدّنيا بعد ما مَلَكها, لأنّ الذي يجد الله .. ماذا يُريد بعده .. و ماذا يُمكن أن يفقد معهُ؟ خصوصاً حين يكون (ألمسافر) كالله تعالى في القدرة والمعرفة والحلم وآلرّحمة والغنى بإستثناء (الصّفات ألذّاتيّة) بعد طي مرحلة العبادة اليقينيّة - لا التلقينيّة التكراريّة التي يؤديها الناس, وكذلك التسلح بآلمعرفة والتّشيع للمحبة ليكون كما بيّنَ الحديث القدسيّ: [ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه].

فماذا يُمكن أنْ يفعل الأنسان حين يصل هذه الدرجة من آلغنى و القوة و السّمو و الرفعة غير (الأستغناء) و الأستمرار في البحث للأندماج والحلول بآلخالق المعشوق, ليعيش حياة لا يتذوق فيها طعم الراحة وآلأمن واللذة والمحبة إلّا معه, بحيث لا يهدأ له بال سوى بذكر الله: [أ لا بذكر الله تظمئن القلوب] و [أنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ألذين آمنوا وكانوا يتّقون](6) ليرى نفسه شيئا فشيئاً على أبواب مدينة (الحيرة) وهو الوادي السّادس, وسنبيّن ملامحها و خصائصها في الحلقة القادمة إن شاء الله.
ألفيلسوف الكوني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (ألأستغناء): المرحلة الخامسة من ألأسفار الكونيّة التي تضم 7 محطات, هي بآلترتيب:
.Poverty and the Yard  /7الفقر و الفناء Dispense /6ألأستغناء puzzling  /5ألحيرة Unity  /4ألتوحيد Knowledge  /3ألمعرفة Love /2ألعشق Demand1ألطلب
(2) عاصرت الكثير من مدّعيّ آلدين بكونهم حسب ألظاهر زهاد لا يمتلكون شخصياً بيتا أو موائد أو ملذات أو لباس فاخر و هم صادقون بمظهرهم الخادع المتواضع أمام الناس بعد ما تعدّى عمره الـ 70 و 80؛ لكن هذا المدّعي للدين فعل ما لم يفعله كل عتاة التأريخ و مجرميه؛ حين حوّل أموال المسلمين لبنوك الغرب و جعلها بإسماء أصهاره و أبنائه و أحفاده.
(3)
ألتّوحيد في فلسفتنا كما بيّنا هو: [رؤية الله و معرفته في كلّ الأحوال كقدرة مهيمنة و فاعلة قبل و بعد و مع كلّ ألمخلوقات والأحداث].
ألتوحيد ألعمليّ لا يتحقّق في وجود ألمؤمن حتى لو كان عالماً يهوديّاً أو مسيحيّاً أو صابئيّاً أو مسلماً أو أيّ دين .. ما لم يجعل التفكير مسلكاً لتجسيد عظمة الله على الدّوام حتى في خلوته, بحيث يصبح الباري تعالى معيّته وفي قلبه بل كمثله(3), و يتحقق هذا بعد معرفته ألأجوبة ألشافية للأسئلة المصيرية التي طُرحت في مباحث المحطات السّابقة خصوصاً (الثالثة) و المختصة بـ(المعرفة) وأوّلها معرفة النفس, وبغيرها لا تتحقق الغاية من الخلق مهما بلغ ألسّالك آلعارف آلتّبحر في العلوم و الفقه و الأصول؛ مالم يُطبق الشّرع بآلمعرفة الكونيّة – أي معرفة ما وراء الأحكام من مغزى, لأنّ المعارف والمسائل الفقهية المُحدّدة التي وردت في الرسائل العملية(العبادات والمعاملات) وحدها لا تكفي لتوحيد الله تعالى(4), رغم أنّها حُدّدَت قبل ألف عام وتتكرّر (تُستنسخ) كل فترة, إنّها مقدّمات واجبة لخوض غمار الأسفار الكونيّة لتعميق مفهوم توحيدي للعالم في قلوبنا عبر رؤية كونيّة عميقة شاملة و فاعلة تبدأ من القلب و تنتهي بآلمطلق ألكونيّ ألّلانهائي.

(4)
عارف بغدادي قدير من أصل إيراني شهد له ملائكة السماء بآلأيمان قبل أهل الأرض دخل المسجد ليصلي و بينما كان راكعاً مرّ أمامه فقير يسأله العطاء؛
فقال مع نفسه: [لو سعى هذا الفقير للعمل بقوة عضلاته المفتولة لكان أفضل له بكثير من الأستجداء]!؟

وحين غشاه المحبة ورحل لعالم الخيال الخصب وهو يقظ تماماً؛ جاءه الخبر من الغيب معاتباً إياه: [لماذا إستغبتَ عبدي الفقير الذي سألك لتعطيه حين كنت تصلي]؟
أجاب: [يا إلهي أنا فقط تفكّرت و تقولتُ مع نفسي في أمره و لم أستغبه بشيئ أمام أحد].
فردّ الوحي الإلهي: [أ لستَ تدري بأنّ مجرّد تفكّر العارف سلباً بحقّ أحد يُعتبر غيبة؟].
و (الغيبة كما تعلم؛ أشد من القتل و من الزنا و و هو ظلم بحق العباد لا يغفره لك حتى الله تعالى لانه عادل).
من كتاب: أسفارٌ في أسرار الوجود/ ج4. للكاتب.
(5) "إبراهيم بن الأدهم".. لقّب بسلطان الزاهدين: شخصيّة مركـّبة شغلت الباحثين والمؤرخين على مرّ السنين وبقيت حاضرة في أذهان الجميع, خصوصاً في (خراسان) و أهالي مدينة "جبلة" التي ارتبط اسم مدينتهم باسم صاحب الشخصية التي أقر بأهميتها كبار رجال العلم و الدّين، صاحبها ترك المـُلك وآلسّلطان واختار الفقر فأغناه الله زهداً وعبادة وورعاً حتى لقب بسلطان الزاهدين لأنهُ ترك حتى تاج الملوكية وآلسّلطنة, عمل في كل شيئ و رفض الكشف عن شخصيته في معظم المواقف حتى إنه كان إذا عُرف في مكان رحل عنه، أحبّه الناس واقتدوا به بعد موته لدرجة أنهم صاروا يقيمون الأفراح والموالد ويزكون وينفقون على اسمه إعجاباً واحتراماً ويقيناً بكراماته التي وصفها الباحثون بأنها لا تعد ولا تحصى, و الفضل لأستاذه الأمام الصادق(ع) الذي درس عنده فترة من الزمن.
ولد السلطان "إبراهيم بن الأدهم" في "بلخ" عاصمة "خراسان" وخرج منها زاهداً و تتلمذ فترة عند الامام الصادق(ع) ليعيش آخر عمره في مدينة "جبلة" ويدفن فيها، لتبدأ بعدها رحلات المؤرخين والباحثين في الكشف والتنقيب عن شخصيته التي كانت محط إعجاب وتقدير كل من قرأ وكتب عنها، بحسب ما حدثنا به الباحث المختص بالشؤون التاريخية الأستاذ "طه الزوزو" وأضاف قائلاً: «منذ القرن الحادي عشر الميلادي أخذ الكتاب يجمعون القصص والروايات عن "إبراهيم بن الأدهم"، ومنهم "ياقوت الحموي، السلمي، القشيري، أبو الفداء، ابن الوردي، اليافعي، ابن بطوطة، الشعراني، والمناوي" وغيرهم من المؤرخين العرب، إضافة لدراسات المستشرقين، ومن أحدث الدراسات عن المتصوف "إبراهيم بن الأدهم" دراسة للعالم الإيراني "فتح الله مجتبائي" المنشورة في "الموسوعة الإسلامية الكبرى" الصادرة في "طهران".
واستناداً لهذه الدراسة فإن "إبراهيم بن الأدهم" هو: اسحق ابراهيم بن أدهم العجلي" كان والده من ملوك خراسان التي كانت عاصمتها مدينة "بلخ" التي هي اليوم مدينة تابعة لـ "أفغانستان" بعد إنفصالها عن إيران، تزوج والده أدهم من ابنة سلطان "بلخ" التي كانت تنفر من الأمراء وتحب الرجال الأتقياء وكان "إبراهيم" من ثمرة هذا الزواج".
ولد "إبراهيم [100 – 165هـ]  وبعد وفاة والده ترعرع في بلاط "بلخ" واستلم الإمارة بعد وفاة جده لأمه و والده، وحسب السيرة فإن "إبراهيم" بعد استلامه مقاليد الحكم سمع نداءآت خفيّة تحضّه على التخلي عن العرش والانصراف عن الدنيا وتكريس نفسه لحياة الزهد والاعتكاف، وتقول إحدى الروايات إنه بينما كان مستغرقاً في نومه في أعلى القصر الملكي سمع وقع خطا فوق سطح القصر، وعندما سأل أصحاب الخطا عن غايتهم قالوا: نحن نبحث عن جـِمالٍ شاردةٍ عائدة لنا، عندها اعتبرهم "إبراهيم" مجانين! ثمّ أجابوه: بأنه أكثر جنوناً منهم وتابعوا القول: [ها أنت تجلس على سرير من ذهب وتلبس ثياباً حريرية وتتوهم أنك تستطيع من فوق كرسي الملك أن تصل إلى الله]، استيقظ "إبراهيم" وقد أخذ به الاضطراب وأمضى ليلته في الصلاة والتعبد، وعند ظهيرة ذلك اليوم وبينما كان "إبراهيم" جالساً على كرسي العرش اقترب منه رجل, فسأله إبراهيم" عن حاجته, أجاب الرجل بأنه مسافر غريب ويريد أن يستريح في الخان- مشيراً إلى القصر!
 اندهش "إبراهيم" وقال له: إن ما أشرت إليه ليس بخان فهو قصري، فسأله الرجل: ولمن كان من قبلك؟ أجاب "إبراهيم": لوالدي، ثم سأله الرجل: ولمن كان قبل والدك؟ قال: لجدي، فسأله الرجل: أين والدك وأجدادك الآن؟ فأجابه: قضوا نحبهم، عندها شرح له الرجل الغريب أنه لم يكن مخطئاً حين سماه الخان، فاستحلفه "إبراهيم" أن يخبره عن حقيقة شخصيته؟ فكشف الرجل الزائر المجهول عن هويته .. فإذا هو "الخضر" عليه السلام وهو الذي سماه الله في القرآن الكريم "عبداً من عبادنا" (سورة الكهف آية "64" وما يليها)، هذه إحدى الروايات العديدة التي تنسب لفكرة الزهد عند "إبراهيم", كما أن هناك روايات أخرى تلتقي كلها بفكرة أن "إبراهيم" تخلى عن كل شيء وساح في الدنيا مرتدياً الملابس الخشنة، حافي القدمين، متخلياً عن عرشه وقصره وأمواله وحلّ أخيراً في مدينة "جبلة"، ومات ودفن فيها بعد أن لحقت به أمه وسعت لإقناعه بالعودة, إلا أنه رفض، وبعد يوم من وصولها إليه توفي فأقامت له والدته مقاماً ومسجداً وتكية وحماماً من أموالها الكثيرة، ثم اشترت قرى عديدة أوقفتها لمقامه وبعد سنين من وفاة "إبراهيم" غادرت أمه "جبلة" إلى "اللاذقية" وأقامت وتوفيت فيها ودفنت بقرب العين التي سميت باسمها "عين أم إبراهيم" تقديراً لزاهد "إبراهيم".
روايات عديدة وقصص بعضها محض خيال وبعضها حقيقي عن السلطان "ابن الأدهم" ومنها رواية يتناقلها كل أهالي المنطقة وهي أن "إبراهيم" كان يخيط ثيابه على الشط عندما أتت والدته، هو عرفها قبل أن تعرفه فتقدم لها وقبل يدها، فقالت له: يا ولدي تركت الملك والجاه وأتيت لتعيش هنا فوقعت من يده الإبرة في البحر وانغرزت في عين سمكة، وعندما سحبها ورأى السمكة أعادها إلى البحر لتعيش فيه وتنتشر بعدها الأسماك التي ترى بعين واحدة وتسمى "سمك السلطان إبراهيم".

لقد أضاف الباحثون التاريخيون والعمرانيون كمحمد خير حلبي؛ أضاف عليها حوادث عديدة وقصصاً ومعلومات فقال: «تتلمذ السلطان على يد الصادق ثم التابع "سفيان الثوري" الذي يقول في شخص السلطان: "إبراهيم بن الأدهم: كان يشبه "إبراهيم خليل الرحمن" ولو كان في أصحاب رسول الله لكان رجلاً فاضلاً"، وأخذ "ابراهيم" عنه علم الحديث والقرآن ليعيش فترة في "الكوفة" ثم في "دمشق" ليستقر في آخر الأمر على الساحل السوري ما بين "مرسين" و"حيفا" وصادف أنه كانت تلك فترة الفتوحات الإسلامية، وكانت هناك غزوات على الساحل من قبل الروم البيزنطيين فتولى هو قيادة الحملة البحرية الدفاعية عن الشاطئ السوري، وقاد معارك عديدة واشتهر بالزهد والورع والحكمة، وبأنه لم يكن يأخذ حصته من غنائم الحرب بل كان يوزعها على الفقراء، وعند سؤاله عن السبب أجاب: لكي يكون جهادي خالصاً في سبيل الله، هذه الصفات التي تمتع بها دفعت الأمويين حينها ليعرضوا عليه عدة مناصب، لكنه رفضها، وقال: أفضّل أن أكون زاهداً".
ويضيف "حلبي": «كان له عدة أدعية واشتهر بحبه للعمل، وفي إحدى الحوادث التي تدل على دعوته إلى الاهتمام بالعمل (أنه كان لديه صاحب ودّعه في الليل وسافر صاحبه للقيام بعمل، وبقي السلطان ليفاجأ به وقد عاد مبكراً دون إتمام العمل، فسأله عن السبب، فأجابه صاحبه: تأخرت في الليل فعرجت على إحدى المغارات فوجدت غراباً أعمى وكسيحاً، فتساءلت من يطعم هذا الغراب؟ فوجدت غراباً آخر يطعمه ويسقيه، فقلت في نفسي: بما أن الرزق مكتوب عند الله فلماذا أسافر؟ فقال له السلطان: رضيت أن تكون الغراب الكسيح بدل أن تكون الغراب المطعم؟
وفي حادثة أخرى "أنه كان حارساً في أحد البساتين قرب "مرسين" فجاءه صاحب البستان وطلب منه أن يطعمه رمانة من البستان ففعل، وأكل منها صاحب البستان فكانت حامضة، فقال له: ويحك تطعمني الحامض وتأكل الحلو، فقال له السلطان: والله ما أكلت سابقاً حتى أعرف الحلو من الحامض، فقال له: لا يفعل هذا إلا "إبراهيم بن الأدهم"، وعندما عرف "إبراهيم" غيّر المكان, لأنه كان لا يحب أن يعرف في المكان الذي يتواجد فيه، وظلّ هكذا حتى توفي في معركة بحرية عام " 161 بالقرب من مدينة "جبلة" ودفن فيها ولقب بسلطان الزاهدين، هذا اللقب الذي اتفق عليه الجميع
", ويقول "محمد بن أحمد الذهبي" في "إبراهيم": [إنه الإمام القدرة العارف سيّد الزهاد أبو إسحاق],  كما يروي (سهل بن إبراهيم) قصة عن كرمه ويقول: [صحبتُ (إبراهيم بن أدهم) فمرضت فأنفق عليّ نفقته، فاشتهيت شهوة فباع حماره، وأنفق عليّ ثمنه، فلما تماثلت قلت يا (إبراهيم) أين الحمار؟ قال بعناه، فقلت: على ماذا أركب؟ فقال يا أخي على عنقي فحملني ثلاث منازل], وعن حب السلطان للشام يقول (خير حلبي): [سأل شقيق بن إبراهيم البلخي السلطان): (لماذا تركت خراسان؟ فأجابه: ما تهنيت بالعيش إلا بالشام افرّ بديني من شاهق إلى شاهق فمن رآني يقول: موسوس، ومن رآني يقول: حمال يا شقيق لم ينبل عندنا من نبل بالحج وبالجهاد إنما ينبل من كان يدخل في جوفه من جلّه)].
شخصية السلطان (إبراهيم) كانت ملأى بالحكم والمواعظ والأدعية إضافة لعشقه للزهد والتقشف، ويقول رئيس شعبة أوقاف (جبلة) سابقاً (شكري الحلبي) عن شخص السلطان: «كان كثير الشأن في باب الورع ومن دعائه أنه قال: [اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك].
ويضيف (الحلبي): [كان (إبراهيم) حكيماً جداً وصاحب موعظة وكلامه كلّه حكم ففي إحدى المرّات قيل له ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا فأجاب: (لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه و وافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس)].
كما التقينا الحاج (عاطف الحاج إبراهيم) الذي حدثنا عن مرحلة مقام "السلطان ابراهيم" قائلاً: [شكل مقام السلطان مزاراً يزوره الناس من كل البقاع ليصلوا عنده وينفقوا عن روحه حباً به وإعجاباً بصدقه وزهده، حتى إنهم كانوا يوقفون الأراضي لمقامه الكريم ويحيون ويوزعون الأموال على حبه، هذه الأموال كانت تصرف على الفقراء والمحتاجين وأبناء السبيل، كما أن تلك الأراضي لا تزال موجودة حتى الآن ومكتوب على وصفها (وقف السلطان إبراهيم)، كما لا يمكن أن ننسى الدراويش الذين كانوا يعيشون في الغرف المجاورة للمقام ويقومون بخدمته ويولمون الطعام للناس ويوزعونه على المحتاجين حتى إن البعض من أهالي المدينة الفقراء كانوا إذا شعروا بنقص في طعامهم ذهبوا إلى المقام وأحضروا الطعام من حلة (السلطان)، هذه النشاطات توقفت في فترة السبعينيات ولم تعد موجودة في يومنا هذا، لكن سيرته ما زالت متداولة بين الناس حتى اليوم، وهو محط إعجاب الجميع في المدينة التي بقي أهلها مخلصين لروحه ومواظبين على الصلاة بقربه إلى يومنا هذا حتى إنّ المسجد يغصّ بالمصلين في مختلف الصلوات)].
المراجع التي إستند
إليها الباحثون, هي كما قالوا: [(الرسالة القشيرية في علم التصور- المنجد في اللغة والإعلام- سفيان الثوري أمين المؤمنين في الحديث- البداية والنهاية- أعلام النبلاء- حلية الأولياء- يزيد بن قبيس من محدثي جبلة)].
كما نظمت قصائد شعرية درج أهالي (جبلة واللاذقية) على ترديدها عند مقامه في كلّ مناسبة
.
(6)
يونس : 62 و 63.

Sunday, September 15, 2019

فلسفة العلي الأعلى في الحكم


فلسفة ألعليّ الأعلى في آلحكم:
حين وصل عليٌّ(ع)الكوفة بعد ثورة المسلمين على الخليفة الثالث, ثمّ قتله من قبل ثُوّار مصر ألذين إلتحقوا بثوار المدينة بسبب الفساد المالي و الأداري و الأقتصادي و السياسي الذي دبّ في أركان الأمبراطورية الأسلامية وقتها, و بعد ما مَلّ عليّ (ع) نفاق أهل مكة و المدينة الذين تشرّبت نفوسهم بآلجّهل و التعصب و النفاق حتى فقدوا بمرور الزمن تلك العاطفة العقائدية التي زقها رسول الأنسانية في نفوسهم بسبب سياسة و ثقافة الولاة ألغير الكفوئيين ألذين إستنزفوا تلك الطاقة الأيمانية بآلمناسبة للفتوحات التي ما خدمت الرسالة ولا البشرية فيما بعد, و كما نشهد تلك البلاد اليوم حيث أصبحت مراكز للمستكبرين و بؤر لفساد الحكومات بظواهر و منائر إسلامية!
 قال الأمام عليّ(ع) بعد وصوله أرض العراق, و هو يؤشر على قميصه مُخاطباً الحضور في مسجد الكوفة و منوهاً بإشارته تلك للفساد المالي الذي عجّ رائحته المدن و الأمصار حتى سمع به البعيد و القريب بسبب مّن كان خليفة من قبله, حيث قال:
[يشهد الله أنّها القطيفة التي خرجتُ بها من أهلي في المدينة, وإن خرجتُ بغيرها منكم فأنا لكم خائن].
و طوال خلافته لم يشتري ثوباً جديداً ولم يأكل لقمة إضافيه ولم يستلم درهما أكثر من غيره في حصته من بيت المال ولم يسكن قصراً أو حتى بيتاً و إنما إتّخذ جانباً من مسجد الكوفة سكناً له, بل تساوى حقوقه مع حقوق أيّ فقير في الأمة سواءاً كان مسلما أو يهوديا أو مسيحياً, تلك السياسة العلوية العُليا خلقت له أعداءاً كُثر, حتى قال أحدهم حين سألوه لماذا تركت الكوفة إلى حيث الشام؟
أجاب: [هربتُ من عدل عليّ(ع)]! هكذا كان آلعليّ الأعلى في سياسته و حياته و أخلاقه الكونيّة, و لهذا وصفتهُ بآلعليّ الأعلى كحقّ طبيعي, لأنهُ حقّق مُراد مولاه وعَبَدَهُ حقّ عبادته بآلمعرفة فصار كمثلهُ يقول للشيئ كُنْ فيكون وهذا ما أكدته الأحاديث القدسية(1)!
فهل مسلمي العراق أو غيرهم اليوم في بلاد المسلمين من الذين يحكمون في دولهم قد فعلوا ما فعله إمامهم العظيم العلي الأعلى و الأعلى من الأعلى لأنه بشر إرتقى سلم الألوهية بينما الأله كان إلاهاً من الأزل, وعارُ على الذين يَدّعون حُبّهُ و مولاتهُ و نسبهُ ويعملون العكس, رغم إنّ الفيلسوف الصدر جسّد سيرته بروحه و عمله وموقفه, ونُعذّرغيرهم(كأنفسنا آلسّنة) لأقتدائهم بمن خلطوا الحرام و الحلال و حللوا الفساد باسم وغطاء الأسلام, ولهذا لم يرتاحوا للصّدر ألاعلى خوفاً على دكاكينهم فغدروا به كي لا يكون خميّنيا آخر!؟
ألمسلمون حتى "الشيعة ألشنيعة" منهم رغم إدّعائهم بآلأنتماء للعليّ الأعلى قد نهبوا الملايين و المليارات بلا ضمير و سكنوا شرقا و غرباً في قصورهم التي إشتروها بمال المسلمين, ليبدؤا صفحة عار جديدة و بلا حياء و خجل بآلكتابة عن بطولاتهم الكارتونية ألكاذبة!؟
فهل هؤلاء مسلمون .. ناهيك عن كونهم شيعة!؟
لأنّ ألشيعي الحقيقيّ بإختصار: هو ذلك آلكونيّ الذي وصفه الأمام الباقر في آلحديث ألمعروف عن جابر بن يزيد الجعفي(2) لا غير.
ألفيلسوف الكونيّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الله تعالى: [عبدي أطعني تكُنْ مثلي, تقول للشيئ كُنْ فيكون]. و هناك أحاديث أخرى لا مجال لذكرها و آلتوسع فيها.
(2) ورد عن ألكافي للشيخ الكليني في الجزء الثاني – الصفحة 74, مطبعة دار المعارف, ط3.:
[
أبو علي الأشعري، عن محمد بن سالم، وأحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، جميعا عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
قال لي: يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع, أنْ يقول بحبنا أهل البيت؟ فوالله ما شيعتنا إلّا من إتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا امناء عشائرهم في الأشياء.
قال جابر: فقلتُ – أي قال جابر نفسه للأمام(ع):

يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحدا بهذه الصفة، فقال: يا جابر لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل أن يقول: أحب عليا وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالا؟
فلو قال: إني أحب رسول الله فرسول الله (صلى الله عليه وآله) خير من علي (عليه السلام) ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئا، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله عز وجل [وأكرمهم عليه] أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة وما معنا براءة من النار, ولا على الله لاحد من حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع].
أ لا لعنة الله على كلّ من يدعيّ التشّيع وفي بطنه و بيته و لبياسه و أمواله حقّ معلوم للفقراء و المساكين و المواطنين معه.

Saturday, September 14, 2019


شرعنة ألمكر في الأنقلاب الكونيّ:
في مجتمع ما .. حين يُسيطر الجّهل و الأوهام و آلسّحر و الشعوذة وآلغيبة و العقائد الخاملة التي توحي نتائجها إلى التحجّر و القعود والتذلل لأصحاب ألسّلطة و المال و القوة, كل ذلك للأفكار والعقائد والمذاهب التي تُسوّق باسم الله؛ في مثل هذا المستنقع  الآسن لا بد من الأنقلاب الكونيّ, الذي يُشرْعن قانون ميكافيللي (الغاية تبرّر الوسيلة) وهنا فقط يكون مباحاً, فماذا يعني الأنقلاب الكونيّ, وكيف يتحقق؟

(مارثن لوثر) ألمُفكر والمصلح العظيم الذي له الفضل الأكبر والأوّل لأسس هندسة النهضة (ألرّينوسانسية) عندما تسبّبَ بإنقلاب شبه كونيّ ضمن أجواء أوربا المغلقة وقتها إبان القرون الوسطى, حيث كان من الصعب بمكان إستنهاض و تنوير و تثقيف الناس – أكرر- تثقيف الناس الذين قفلوا عقولهم - بثقافة التحرر لأجل الكرامة والحياة الطبيعية بعيداً عن العبودية و النكوص للحكام و سلطة رجال الدِّين التي وصلت حدّ حلولها مباشرةً محلّ سلطة الله تعالى حين وصل الأمر لبيع صكوك الغفران من قِبَلِهم للدخول إلى آلجنة!

فكرّ (مارثن لوثر) بعد أنْ عجز و كاد اليأس يدُبّ في وجوده .. فكّر بطريق لخلاص الناس من تلك المحنة بسبب الأوهام و المعتقدات و الطقوس التي لا تناسب طبيعة كرامة الأنسان ألسّوي و حتى البشر ناهيك عن (الآدمي), هذا بعد ما إنقطعت به السبل حيث حاول ليلاً و نهاراً؛ سراً وجهراً .. لخلاصهم لكن الناس رفضوا دعوته التي كادت أن ترتقي للكونية وللنبوة لو كان يُؤمن تماماً بنهج آلعلي الأعلى!

إلا أنهُ لم يستسلم أمام ضغط الناس ورجال الدين والحكومة معاً, لأنه كان واثقاً بأنه لا يمكن أن يخون تجربة صرف لأجلها العمر في أقبية الكنائس ودراسة الدّين وكيفيّة إستغلاله لأكل الدّنيا, وتأمين مستقبل أبنائهم وأحفادهم للعيش كآلأغنياء بغطاء الدّين وكأنهم إمبراطورية خفية عميقة لا يمكن تجاوزها لتحصّنها بآلناس وبلباس الدّين والمذهب و بآلطقوس التي يعتبرها الناس حياتهم!

إذن ماذا يفعل هذا المصلح ألشّبه الكونيّ ألذي عرف كرامة الأنسان .. بعد ما يأس من تجاوب الناس - بل و معاداتهم له بمن فيهم أقرانه إلا ثلاث فلاسفة منهم فقط – و فوقها صدرت بحقّه من المتسلطين أحكاما قاسية وعاش حياته بين سجن و تعذيب و تشريد!؟ ولم يبق أمامه سوى إستخدام المكر و الحيلة وهي أقسى و أمرّ خيار يلجأ إليه نبيٌّ أو مُفكر أو فيلسوف مثل مارثن لوثر أحياناً لتحقيق هدفٍ كونيّ أكبر(1), لأنّ الفلاسفة هم أشرف الناس و أتقاهم يؤمنون بآلغيب بآلباطن و ليس بآلظاهر كما العلماء والناس السُّذّج!
 فماذا هي تلك الحيلة التي شرّعها(مارتن لوثر) مرغماً بعد ما إنقطعت به السبل؟
ذهب إلى رئيس أساقفة القوم في (نوتردام) و سأله عن إمكانيّة شراء (جهنم)؟
إستغرب رئيس الأساقفة من طلبه, وقال لهُ:
الناس تشتري الجّنة و أنتَ تشتري جهنم!؟
أجاب: نعم أريد شراء جهنم, فكم السـعر؟
تأمّل الرّئيس قليلاً .. و قال:
سعر جهنم 3 ليرات ذهبية.
قال خُذ .. و أعطاه 3 ليرات, وأمضى له ورقة(صك) بتوقيع الكنيسة, يثبت بأنّ المدعو (مارتن لوثر) قد إشترى جهنّم و هي ملك له.
أخذ مارتن الصّك و أمر بإحضار الناس في الساحة الرئيسيّة للمدينة, و أعلن لهم عن شرائه لجهنم و هذا هو (صكّ ألشّراء), وأضاف: [بهذه المناسبة السعيدة ولكونيّ مالك لجهنم أعلن لكم بأنيّ من الآن لن أسمح لأيّ إنسان من دخول جهنم].
لهذا لا داعي لشراء صكوك الغفران ما دمتم لا تدخلون جهنم لأني لا أسمح بذلك, وهكذا أنهى شراء (صكوك الغفران) بتلك (الخدعة) وأفشل مخطط الكنيسة الظالم الذي كان يقف ورائه الحكام الذين أخضعوا رجال الدِّين و القساوسة لسلطتهم و منهجهم بآلمال والقوة, و شيئا فشيئا إستطاع مارتن مع أقرانه الفلاسفة و المصلحين من تغيير الوضع و إنْجاح الثورة ثم النهضة ثم المراحل الأخرى التي وصلت لما هي عليها الغرب اليوم, هذا بغض النظر عن موقفنا – موقف الفلسفة الكونية – من قضية النهضة الغربية – و أهدافها و مسيرتها و ما آل إليه وضعها بعد سيطرة (المنظمة الأقتصادية العالمية) على منابع الأقتصاد في العالم(2).

في بلادنا أيضا و بعد يأسنا من إقناع الناس بمن فيهم ألأكاديميون و المثقفين و الكتاب بضرورة التخلص من المعتقدات و الأوهام والعقائد التي أدّت إلى هذا المصير خصوصا بعد الفساد الكبير للحكام المدعين للدّين والوطنية والدعوة؛ أرى سلوك طريق آخر مغاير لما كان, قد ينجح مع (الخدعة) لأقناع الناس والمثقفين أوّلاً بكون الكرامة فوق كل شيئ في هذه الحياة, ولها إرتباط وثيق بآلوجدان والضمير وإن الله تعالى ما خلق الكون إلا لأجلها, لكن المثقفين كما الأكاديميون ناهيك عن الناس لا يعرفون قيمة و مكانة تلك الكرامة ومساراتها, و كيفية خسرانها أو تعزيزها بتوثيق صلتها بآلعقل الظاهر المسؤول عن توطين الكرامة في القلب لتحقيق الرسالة الكونية.
الفيلسوف الكوني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعادل هذا المبدء الفلسفي في الفقه ألأسلاميّ (نظرية ألتزاحم),التي تجيز الأتيان بمقدمة حرام لتنفيذ الواجب الأكبر.
(2) لمعرفة الحقيقة, راجع: [مستقبلنا؛ بين الدِّين و الدِّيمقراطية]. و هي مجموعة دراسات على شكل حلقات.

Friday, September 13, 2019

عراق المتناقضات

مآسي و تناقضات العراق كثيرة عجيبة
رأينا و للآن العجب العجاب ربما هي من طبائع البشر في كلّ زمان و مكان ؛ عندما ترى في شعب كآلعراق رئيسا ضالا مجرماً غبيّاً و جاهلاً للغاية يحكم كصدام بدعم من الأكثرية وفي مقابله فيلسوف محكوم كآلصدر ومعه أقلية لا تزيد عن بضع عشرة نفر مجاهد, و هكذا كانت قصة البشر عبر التأريخ, هابيل مقابل قابيل .. إبراهيم أمام النمرود , محمد أمام أبو الجهل , عليّا أمام كل المنافقين من القاسطين و المارقين و الناكثيرن, الحسين مقابل يزيد, الصدر مقابل صدام و هكذا..
في قصة غريبة ما زلت مذهولا أمامها لأن أحد أبطالها الرئيسيين إتخذ موقفا كعمر بن العاص بآلنسبة للوضع الحاكم في زمانه حين قال : [الأكل مع معاوية أدسم و الصلاة خلف علي أتم و الوقوف على التل أسلم], و هذه أسوء حياة يعيشها صاحبه بآلمناسبة و كل من يتعامل معه(1), لأنه ليس منافقا ولا مؤمنا, بل أمره بين أمرين .. و القصة التي أشرنا لها فيما سبق قرأتها بإستغراب عن بعثي خطير ... ترأس الإستخبارات العسكرية أيام صدام ثم المخابرات حتى أصبح في أواخر سنوات حكم الطاغية محافظا لكربلاء وهو الفريق صابر الدوري, هذا العسكري البدويّ يُعلن عن إيمانه المطلق بأبي الفضل العباس و بكراماته و مكانته, إنه موقف مشرف لكنه في الوقت عاون صدام على إدامة حكمه .. كما كل عراقي كان موظفا في وزاراته أو عسكريا في جبهاته أو أمنيا أو جيش شعبي كخدم و عبيد من نظام صدام الذي سوّد وجه العراق و المنطقة و أرجعتها إلى قرون للخلف, على كل حال إليكم هذه القصة المثيرة و التي نُشرت مضمونها في مجلة (الف باء) وقتها, علماً أنني قرأتها أيام صدورها لكوني كنت مسؤولاً عن متابعة ما يصدر من النظام و أشرف على قسم المعلومات السياسية كما كنت أكتب في صحيفة الشهادة و غيرها منذ بداية تأسيسنا للمجلس الأعلى للثورة الأسلامية في العراق و الذي إستبدل إسمه فيما بعد إلى (المجلس العراقي الأعلى).
أسرار_الحضرة_العباسية_المطهرة بقلم عبد الستار البيضاني:
منذ سقوط النظام السابق والكثير من الاصدقاء والمعارف والقراء يذكرونني بالموضوع الذي نشرته في مجلة”الف باء “ في آب 1998 بعنوان”أسرار الحضرة العباسية المطهرة “ ويطلبون مني اعادة كتابته بحرية لاعتقادهم بأنني أخفيت الكثير من الحقائق والاسرار تحت وطأة الرقابة والخوف وضيق مساحة الحرية.. وآخر ما وصلني بهذا الشأن ما حمله لي مراسلنا في البصرة وهو طلب عدد من القراء في البصرة اعادة نشر الموضوع
بمناسبة ذكرى استشهاد الامام الحسين”ع “ في شهر محرم الحرام.. لاسيما وان الكثير من القراء لم يحصلوا على عدد”ألف باء “ الذي نشر فيه هذا الموضوع، وكما يعرف الزملاء في”الف باء “ بأن هذا العدد نفد حتى من أرشيف المجلة كما اخبرني السيد عبودي”ابو احمد “ مدير مكتب رئيس التحرير الذي قال ان المسؤولين في ديوان الرئاسة والوزراء كانوا يطلبون نسخاً من هذا العدد حتى بعد أشهر من نشره.. تبدو لي اعادة نشر هذا الموضوع عملية قد لا تكون مسوغة في هذا الوقت خاصة انني وبعد اكثر من سنة اعدت نشر الموضوع في مجلة السياحة بطلب من المسؤولين فيها، غير ان طلب القراء في البصرة وازاء اهمية شهر محرم وجدت ان المناسب الاجابة على الكثير من الاسئلة التي اثيرت حول الموضوع خاصة تلك التي لم استطع الاجابة عنها وستكون اجابتي من خلال سرد قصة الموضوع كاملة.. الموضوع الذي اعتز به كوني اول صحفي ينزل الى قبر الامام العباس عليه السلام ويكتب عنه. البداية.. كانت سؤالا في مثل هذه الايام من شهر محرم وفي جلسة عائلية، سألتني امرأة عن مدى صحة جريان نهر العلقمي تحت ضريح الامام العباس”ع “، وتطور الحديث عن اعتقاد البعض ان جثة الامام مازالت طافية على مياه النهر ولم تتحرك منذ استشهاده وحتى الآن.. بدا لي المشهد في غاية السريالية، لكن الناس صدقته وقد سمعته اكثر من مرة، لاسيما بعد ان نشرت بعض الصحف الاسبوعية التي يشرف عليها عدي عدة اخبار عن استخراج مياه من قبر العباس”ع “ للاستشفاء وتباع بأسعار عالية جداً. المرأة - وهي زوجة صديق - اقترحت علي ان اكتب موضوعاً يجيب عن الكثير من الاسئلة بعد زيارة الضريح فواجب الصحافة كشف الحقائق وتفنيد الاشاعات.. سيكون أجري عند الله كبيراً.. كما قالت. في البداية استصعبت كتابة موضوع عن القبر الاصلي للامام العباس”ع “، وكيف يمكنني ان أنزل الى”العلقمي “، لكن ما استفزني ما سمعته من أحد الاشخاص بعد أيام حيث قال: ان احد أقاربه نزل الى القبر الاصلي بواسطة احد رجال الدين وشاهد النهر مازال يجري تحت الضريح والاكثر من ذلك انه شاهد ذراع العباس”ع “ مازالت طرية تنز دماً على ضفة النهر؟
يٌضيف الكاتب عبد الستار ألبيضاني: [ بالرغم من تفسيري ألمغاير لهذه المعتقدات والاساطير في زمن الجوع والاضطهاد إلا أنني جربت أن أحاول، وفعلاً في اليوم التالي دخلت على البعثي ألعتيد أمير الحلو رئيس تحرير”ألف باء “ وشرحت له الأمر مع طلب بأن يزودني بكتاب الى محافظ كربلاء للسماح لي بالنزول الى القبر الاصلي للعباس (ع)، ضحك امير الحلو وقال لي:
- الموضوع حساس وربما يخلق لنا مشكلة خاصة وانني من النجف وانت من الجنوب وهذا ما يسهل على الحكومة اتهامنا بالطائفية.
شرحت له الاسباب التي دفعتني الى تبني الموضوع وليس بينها اي سبب طائفي او حتى ديني فالخطورة اننا نتداول الاشاعات والاساطير في زمن الاعلام والفضائيات.. رئيس التحرير كان متفهماً جداً. وأضاف لي معلومة، بأن ما موجود هو مياه جوفية وعندما كان مديراً عاماً للسياحة حاولوا سحب المياه من تحت القبر الشريف وتم التعاقد مع شركة هندية لهذا الامر، وكان رأي المهندسين ان سحب المياه من تحت القبر سوف يؤدي الى انهيار الضريح، فاستعملت الشركة الهندية تقنية حقن الارض بالاسمنت قبل سحب المياه، ومع ذلك لم تنجح الطريقة. بعد ذلك وافق رئيس التحرير على تزويدي بكتاب تسهيل مهمة الى المحافظة لا يتضمن أية تفاصيل بشأن السماح لي بالنزول الى القبر الشريف. وقال لي:
- انت وشطارتك.. فكر كيف تقنع محافظ كربلاء بالنزول الى القبر.. لكن تجنب الحديث عن الكرامات لكي لا تخلق مشكلة فهم حساسون من هذا الامر..
في كربلاء.. مخاوف وكرامات
من هيبة القبة الذهبية والمئذنتين الشامختين وسطوة الاواوين والاروقة حيث حفيف اجنحة الرحمة والخشوع والاجلال وشواهد التاريخ المعلنة والمخفية الى ذرا التربة المعجونة بالدم الطاهر الذي عزز روح الامة الاسلامية بأقوى”لا “ تحفظها ذاكرة البشرية وصارت مناراً لكل الثوار على وجه الارض.. كانت رحلة شاقة جداً، وأصعب ما فيها إنها رحلة تبحث عن يقينها..
الخطوة الاولى كانت الى السيد مهدي الغرابي سادن الروضة العباسية في حينها، استقبلنا الرجل بشيء من التحفظ برغم ترحيبه بنا. وعندما طلبنا منه النزول الى سرداب القبر الشريف، قال: هذا غير ممكن بتاتاً ولا يسمح لأي شخص بالدخول إلا من خلال ديوان الرئاسة.. لم أتركه أخذت أشرح له الامور واقنعه بأن ما نقوم به هو خدمة للاسلام فبدأ يتعاطى معنا وأخبرنا ان البعض يتاجر في هذه المياه”مياه النهر المزعوم “ حيث تباع قنينة الماء الى الزوار الايرانيين ما بين 100 - 200 دولار، احدى الصحف وجهت التهمة الى الغرابي بأنه يتاجر بالمياه التي يقال انها تغسل جثمان العباس”ع “.. هنا امسكت شيئاً ما وقلت للغرابي: نحن نثق بك وجئنا لكي تدافع عن نفسك ضد”افتراءات “ الصحف الاسبوعية عليك.. فعرض علينا ان يشرح لنا كل تفاصيل وجغرافية السرداب والقبر، قلت له: أنا لا أكتب عن السماع وإنما أعتمد على عيني..
بعد أكثر من ساعة على الحديث مع الغرابي، حدث تحول، وقال:
- لا استطيع ادخالكم لأن المفتاح عند المحافظ.. خذوا موافقته وانا لا مانع لديّ..
قلت له: المحافظ هو صابر الدوري.
قال: وما به؟
قلت: كيف أتكلم معه بالموضوع وهو مدير مخابرات ومدير الاستخبارات السابق ومن المقربين جداً للرئيس.. أخاف ان يتهمني بالطائفية فمهما يكن هو رجل عسكري ومخابراتي واستخباراتي.
قال: مع ذلك هو رجل طيب.. جرب ان تزوره.
أخذت بعضي ومعي الزميل المصور سمير هادي وذهبنا الى مبنى المحافظة وهناك التقينا الشاعر حسن النواب وبعد جهود مضنية تمكنا من مقابلة محافظ كربلاء الفريق الركن صابر عبد العزيز الدوري بمساعدة حسن النواب.. وبينما كنت ابحث عن مدخل للحديث اعتذر مني المحافظ بسبب التأخير في مقابلتي، وكانت هذه اول جملة كسرت حدة ملامحه التي كنت اجدها قاسية، ربما لأسباب نفسية فأنا أخشى الحديث مع رجل مخابرات فكيف لي التحدث مع مدير جهاز المخابرات كله ومدير الاستخبارات العسكرية كلها في زمن حربنا مع ايران حيث كنت احسب الف حساب لجندي حضيرة الاستخبارات في وحدتنا العسكرية.
هذه المخاوف والهواجس جعلتني استحضر افضل ما لدي من ثقافة ووسائل اقناع. وكان الرجل يستمع لي بهدوء مع حركة ماهرة من عينيه تدلل على النباهة، وعندما كررت عليه عبارتي”انني لن اكتب عن الكرامات وانما اريد ان نكشف الحقائق للناس خدمة للمجتمع والدين والوطن “.
سألني بشيء من العصبية:
- لماذا لا تكتب عن الكرامات؟.. انك تكتب عن سيدنا العباس.
قلت له: اخشى ان اتهم بالطائفية، كما انه لا يسمح بتناول الكرامات في الصحافة والاعلام!
سألني مبتسماً: تخاف من الحكومة؟
ابتسمت مرتبكاً وقبل ان اجيبه اضاف:
- هذا شيء لا علاقة له بالطائفية ولا بتعليمات الحكومة.. ان الله قادر على ان يضع آياته في كل شيء، فلماذا نستكثر ان يضع الله سبحانه وتعالى آياته في هذا العبد الصالح سيدنا العباس”ع “، الذي حرم نفسه من شرب الماء لعطش ابن بنت رسول الله فكرمه ربنا بأن جعل قبره محاطاً بالماء.. أليس هذا تفسيراً معقولاً.
قلت.. بلى.. لكن يقال ان هذه مياه جوفية.
قال: صحيح.. لكن لماذا لم تظهر هذه المياه في مكتبة ضريح الحسين”ع “ والتي هي بنفس العمق ولا تبعد الحضرة الحسينية عن الحضرة العباسية كثيراً.. أليست هذه كرامة.. أكتب على مسؤوليتي اذا أردت، أنا شخصياً كنت شاهداً على كرامة هذه المياه.. قبل أسابيع اتصل بي هاتفياً رئيس ديوان الرئاسة احمد حسين خضير وأخبرني بوجود برفيسور هندي تعاني ابنته من الصرع الدائم وامراض اخرى وفي الرؤيا نصح الأب البروفيسور بأن يذهب بابنته الى سرداب قبر العباس”ع“ فبغير هذا لن تشفى، وفعلاً اتصل البروفيسور الهندي بصدام حسين وطلب منه السماح بزيارة سرداب القبر والاخذ من مائة وها هو امر الرئيس بالسماع بالزيادة .. وفعلاً جاء البروفيسور وابنته ودخلا السرداب وغسلت ابنته بالماء وشفيت فوراً.. ولدي الكثير من القصص..
قلت له: أنا أصدق وأؤمن بما تقول لكن انت تعرف ان الاعلام تابع للدولة.. ألف باء مجلة رسمية!
ومن ثم سألني الدوري: هل عندك قدرة على النزول الى السرداب ومواجهة قبر سيدنا العباس؟
طريقة القاء السؤال فيها شيء من الخشوع والتحدي والتحذير، لكني أجبته مباشرة:
- نعم.. أستطيع فأنا أمام مهمة خطيرة تخص ملايين المسلمين وتخص الكثير منهم الذين يعتقدون ان جثة الامام العباس مازالت طافية على النهر وان النهر مازال يجري.
- أود أن اخبرك، انه بعد قضية البروفيسور الهندي اتصل بي قاسم سلام عضو القيادة القومية مسؤول الحزب في اليمن وطلب مني الدخول الى القبر، وقد جاءني فعلاً.. ولكنه ما أن نزل درجتين من سلم السرداب حتى اصطكت ركبتاه واجهش بالبكاء ثم انهار واخرجناه قبل ان يصل الى القبر الشريف.. أعطيك هذه الصورة لكي تعرف ما معنى زيارة قبر سيدنا العباس”ع“..
- أنا مستعد لذلك وأعرف أشياء اكثر مما قلته عن كرامات الامام العباس”ع“.. عندها، رفع الفريق صابر الدوري سماعة الهاتف وكلم السيد الغرابي وأمره ان يفتح لي باب السرداب والنزول الى القبر وان افعل ما أشاء من دون تقيد.. وضع سماعة الهاتف والتفت لي:
- ادخل واكتب وصوّر.. وأرجو أن لا تخذلني بالكتابة؟
حكاية النهر
على مدى يومين منحهما لنا من وقته سادن الروضة العباسية مع سادن الروضة الحسينية حاولنا الخروج بإجابات عن عشرات الاسئلة.. بدأنا البحث عن نهر العلقمي هل هو فعلاً يجري تحت الحضرة المقدسة.. من خلال اطلاعنا على بعض الكتب في مكتبة الحضرتين وجدنا ان الامام الحسين”ع “ اختار مكان معركة الطف على وفق رؤية عسكرية مسبقة، حيث نصب مخيماته بين مجموعة من التلال محاطة بقرى الفاخرية والنواويس ونينوى وكور بابل التي ترجع اليها تسمية كربلاء.. والى الخلف بعيداً عن”التل الزينبي“ هناك هور يشكل حماية طبيعية خلفية لمعسكر الحسين”ع“ وفي الامام يقع نهر العلقمي الذي هو فرع من نهر الفرات القديم وقد اندثر منذ قرون ويبعد مكانه عن مرقد العباس”ع“ بمسافة ”150 ـ 200“ م قريباً من مقام سقوط الكف الايسر.. حيث تدل هذه الامكنة على مسار حركته”ع“ عندما أخذ الماء من النهر ومن ثم قطعت يده اليمنى وبعد ذلك قطعت يده اليسرى بمسافة قبل ان يسقط صريعاً في مكانه الحالي..
بناظير بوتو تمنع تصوير القبر
زميلي المصور سمير هادي هيأ نفسه لالتقاط صور القبر، اذ إنه سوف ينزل ويكشف الحقائق بالصور.. عند باب الضريح وعندما لاحظ السيد الغرابي استعدادات المصور قال لي:
- صحيح ان المحافظ وافق على التصوير لكن لي رجاء فأنتم مسلمون واعتقد ان تصوير القبر يمس حرمة الامام، أنا لا أمنعكم لكن اعتقد ان في الامر شيئاً من مس الحرمات، وأسرد لك ما روته لنا بناظير بوتو وزوجها عاصف زادة عندما زرناهم في الباكستان قبل سنوات، حيث انعقد المؤتمر الاسلامي هناك، وقد اقامت بوتو وزوجها دعوة غداء في بيتها للوفد العراقي واتذكر ضمن ما قاله عاصف زادة حيث كان قد خسر الانتخابات مع زوجته بناظير:”لا نستغرب خسارتنا الانتخابات واتهامنا بالفساد لأننا اعتدينا على حرمة العباس”ع “ فعندما زرناه دخلنا على قبره في السرداب، وهذا لا يجوز.. تصور انك تدخل على رئيس جمهورية وهو نائم، وفي ملابس النوم.. هل يجوز هذا؟ فكيف فعلنا ذلك مع العباس “ علماً ان بوتو عندما دخلت السرداب منعت المصورين الذين يرافقونها من تصوير السرداب والقبر احتراماً للعباس”ع “.
عندها طلبت من الزميل سمير هادي ان يغض النظر عن التصوير وفعلاً استجاب لطلبي وأعاد كاميرته الى حقيبته وعاد الى بغداد.. دخلنا الحضرة العباسية المطهرة.
عند الزاوية الشمالية الغربية من الحضرة في مصلى النساء فتح لنا باباً فضياً عملاقاً حيث دخلنا غرفة مربعة وطلب منا ان نخلع ملابسنا بعد ان أغلق الباب خلفنا الزميل حسن النواب الذي رافقني. بدأ يثير الاسئلة بعد ان لاحظت الخشية تسيطر عليه وكأنه يتردد في النزول الى السرداب.. لكن السيد زكي الذي اوكلت له مهمة مرافقتنا وتأدية طقوس الزيارة نادانا قائلاً:”توكلوا على الله “ بعد ان فتح أقفالاً في الارض ورفع شباكاً حديدياً يغلق مدخل السرداب..
من الخارج شاهدت الماء الذي كان حكاية الحكايات بالنسبة للكثير من الناس.. هبطنا درجات من المرمر الابيض المزخرف بخطوط سود، كانت ثماني درجات، ومع كل درجة اهبطها كان الماء يتسلق ساقي حتى استقر فوق ركبتي، عندها وجدتني في دهليز يبلغ عمقه نحو مترين وعرضه اكثر من متر يمتد امامي بعمق متساوٍ لكنه ينحني مشكلاً دائرة شبه مضلعة، مضاءة بمصابيح كهربائية اعتيادية.. كانت المياه صافية مثل الزلال بحيث كنت أرى من خلالها تفاصيل خطوط أظافر قدمي، بالرغم من طبقة الغبار الخفيف المتسلل من فتحات جانبية تشكل نهايتي دهليزين جانبيين ينفتحان خارج مبنى الروضة للتهوية ولكن بمسافة بعيدة عن الدهليز الدائري..
اول شيء فعلته هو انني شربت الماء لأتذوق طعمه، فكان عذباً ونقياً وليس مجاً او مالحاً كما هو شأن المياه الجوفية، وعلمت انه محافظ على مستواه حتى وان تغيرت مناسيب المياه الجوفية في اراضي كربلاء..
في اثناء تقدمنا لم يتغير صفاء الماء بالرغم من ان السيد زكي قد سبقني مؤدياً طقوس الزيارة والبسملات والحوقلات والصلوات، سقف الدهليز الذي يشكل ارضية الحضرة المطهرة في الاعلى مبنية من الاسمنت والجانبان من الطابوق، الجانب الخارجي مبني بالطابوق الحديث، اما الداخلي الذي يشكل غلافاً للكتلة الدائرية التي يستدير عليها الدهليز فأغلبها مبني بالطابوق الفرشي القديم يعود الى عصور ماضية متعددة حسب فترات الترميم، بعضه مبني بالاسمنت، والبعض الآخر بالنورة والرماد حيث لا يوجد اسمنت آنذاك..
الكتلة الدائرية التي يستدير عليها الدهليز تكاد تكون بقدر مساحة الحضرة، حيث يقوم في الاعلى الصندق او الخاتم المصنوع من الصاج الفاخر ومطعم بالاصداف والزخارف النادرة وعليه الشباك الفضي المغطى بالذهب الخالص المزين بالآيات القرآنية والزخارف النباتية والفنية. اما الدهليز الذي نمشي فيه فيكاد يكون تحت رواق الطواف على الشباك تماماً.
بعد خطوات ينفتح في الكتلة الدائرية دهليز آخر أضيق قليلاً ويشكل قطراً للكتلة الدائرية، وفي منتصف القطر الذي هو منتصف الكتلة الدائرية ينهمر ضوء ساطع على فراغ حيث يقوم القبر المطهر الشريف مغموراً بالضوء بشكله المربع الذي تقدر مساحته بحدود”3 × 3 “ م. هنا وجدت رأسي يمتد ويتوقف محشوراً في المنتصف، يتملى القمر الهاشمي المضمخ بدماء الشهادة والثبات بلا ذراعين تحوم حوله تلك الهالة العظيمة التي صنعها شرف النسب والمواقف والموت التراجيدي للبطل. في هذه اللحظة اختلطت عليّ الوقائع والمخيلة عندها تذكرت كل ما قيل عن العباس”ع“ ولم استغرب كل ما يتداوله الناس بشأن هذا الولي الصالح، فهو من المنظور الميثيولوجي طبيعي جداً على وفق معطيات”الموت التراجيدي للبطل “ فكيف الامر والروايات التاريخية تشير الى انه عندما صال العباس على الظالمين الذين يحولون بين آل الرسول”ص “ والماء، انشقت امامه الجيوش وانكشفت المشرعة بعد ان انشغل المارقون بالتطلع الى بهاء طلعته وجمال وجهه الذي منحه لقب”قمر بني هاشم “، اضافة الى ضخامة جسده، حيث يقال انه”ع “ اذا ركب الفرس خطت قدماه في الارض وقد استشهد وعمره”34 “ سنة..
ازاء هذا الخاطر وجدت ان الاسمنت يغلف هالات من النور والتقوى وهي بعض اسرار قداسة ارضنا.. سألني حسن النواب: هل تشم هذه الرائحة الطيبة؟ لم أجبه. فأنا واقف الآن تماماً على المكان الذي جلس فيه الحسين”ع “ يتفقد جراح اخيه، فقد انشغلت بتحديد الاتجاه الذي ركض به سيد الشهداء الامام الحسين”ع “ بعد مصرع اخيه وحامل لوائه.. تنحيت عن مكاني ومن ثم دسست رأسي وكأني احاول تحديد المكان الذي جلس فيه الحسين ”ع “ ووضع رأس أخيه المفلوق في حجره .. من كان يشكو لمن ؟العباس الصريع ام ا لحسين الوحيد؟.. كأني اسمع حوارهما، غير آبهين بقعقعة السيوف وتصرفات الخبثاء.. المكان نفسه لم يتغير وهذا ما اشعل مخيلتي فجثمان العباس”ع “ الوحيد من بين شهداء الطف لم ينقل من مكانه ودفن في مكان مصرعه.. الدم يتوهج وارهف السمع لحوارهما.. لكن صوت الحوراء زينب جاء مشروخا مرعوبا وهي تنادي من على التل الذي سمي فيما بعد” التل الزيبني “ فجيوش ابن سعد اضرمت النيران في خيم النسوة والاطفال.. ياه.. ما اشدها من محنة من محن سيد الشهداء في تلك اللحظات وذلك اليوم.. فما بين الحوار الاخير مع حامل لوائه الذي يلفظ انفاسه الاخيرة، وما بين عويل النسوة واليتامى ومن رعب النار التي اشتعلت في اذيال ثيابهم.. وجد سيد الشهداء نفسه حائرا.. لم اسمع ولم اقرأ كلمات الوداع الاخير.. فقد نهض وحمل سيفه ليذود عن حرم رسول الله.
كان ثمة فراغ بين القبر وكتلة الدائرة التي بدا التهري على طابوقها الفرشي لقدمه.. اختلط علي الضوء والماء، ثمة رسائل واوراق تطفو ما بين الماء والضوء، التقطها وافضها برغم بللها واحاول ان اقرأها، انها رسائل شكوى واستجارة بهذا الولي الصالح من ضيم الدنيا، حاولت قراءة الاسماء والكلمات كانت رائحة الفجيعة محسوسة من الحبر المنتشر على الورق بفعل المياه، بعد لحظات اجد صورتين لفتاتين كانت المياه قد شوهت الكثير من ملامحهما، تساءلت كيف وصلت الرسائل والصور الى هنا؟.. ولماذا استجاروا بولي بلا ذراعين مكبل بالاسمنت، تذكرت ما قاله لي صابر الدوري:”بالرغم من ايماني بالعلم لكني لا استغرب ان يضع الله سبحانه وتعالى آياته في بعض اوليائه الصالحين “ اذن انه الايمان المطلق بالله ومن ثم بالاولياء الصالحين.
استدرت في الدهليز، اجتزت النصف الايسر من الكتلة الدائرية وتوقفت عند الطرف الاخر من الدهليز الوسطي الذي يشكل قطر الدائرة واطل مرة اخرى على القبر.. المياه لا تغمر القبر وانما تصل الى نصف ارتفاعه وثمة فراغ بين القبر والكتلة الدائرية.. يلوح من تحت الماء فيها الكاشي الكربلائي الذي بلطت فيه الارضية المحيطة بالقبر وكأنها وضعت فاصلة بين القبر ومن يريد الاقتراب منه.
ثمة تصدعات في قشرة الاسمنت التي تغطي القبر تغريني بالتحديق وكأنها ستقودني الى رؤية ما في القبر.. ذراعان مفتولتان مبتورتان من الساعد.. قربة مزقتها السهام.. انكسار شديد يغشي العين التي نبت فيها السهم الطائشي اذ تقل الحيلة وتعز الوسيلة ونداء العطش يطبق على الافاق.. فأين كانت هذه المياه من تلك اللحظات التي اشعلها العطش؟؟
اسحب رأسي واستدير على النصف الايمن من الكتلة الدائرية اذ اجد دهليزا ثالثا يقود الى منتصف الدائرة”القبر “ لكنه متعرج واضيق من ان تمد رأسك فيه فتعلق عند منتصفه بالطين، من الواضح ان يعود الى عصور تاريخية ليست قريبة.. اتركه لاجد نفسي عند نقطة الانطلاق اذ تنتهي الدائرة فاصعد الدرجات المرمرية حاملا معي اجابات عن الكثير من الاسئلة التي بدت لي غامضة قبل نزولي السرداب ولاجد السيد الغرابي بانتظاري.
خزائن ونفائس
سألني الغرابي: هل وجدت شيئا من الحكايات والخزائن والنفائس الملقاة على القبر؟
قلت له: كلا لم اجد شيئا.. لكن اين الخزائن؟
وهنا راح يوصف لي الخزائن بأنها نفيسة ونادرة محفوظة في مكان لا يستطيع الافصاح عنه وفيها سجلات خاصة لديه ولدى الاوقاف ولدى ديوان الرئاسة وتضم هذه النفائس تيجان من الذهب والفضة والاحجار الكريمة والدرر مهداة من ملوك وامراء ورؤساء وشخصيات من شتى الفترات التاريخية ومن مختلف بقاع الارض، وسجاد ثمين وثريات نادرة، فضلا عن مكتبة عامرة تضم نفائس المخطوطات والكتب النادرة وهذه جميعها تشكل احد اسرار الروضة العباسية المطهرة التي لم يخبرني عنها الغرابي بالرغم من اننا اصبحنا اصدقاء فيما بعد وزرت القبر من خلاله مع بعض الاصدقاء اكثر من مرة.. وقد سألت الغرابي وقتها: وهل اضاف صدام شيئا لهذه الخزائن؟
ضحك وكأنه فهم السؤال: السيد الرئيس باستمرار يرعى المراقد الدينية، واخر ما تبرع به للروضة العباسية 44 كيلو غراما من الذهب و150 كيلو غراما من الفضة لتذهيب طارمة الروضة.
من اين جاء بهذه الكمية من الذهب؟
مسك الغرابي يدي وسحبني اليه وهمس لي:
- الذهب مال العباس من النذور التي نجمعها ولدينا كميات كبيرة منه لكن صدام”يأمر “ بأن نصرف منه كذا كمية فيقال عنها مكرمة لكنه في الحقيقة لم يدفعها من جيبه ولا من امواله.
تاريخ الضريح المطهر
دفن الامام العباس”ع “ مع اخيه الحسين”ع “ وشهداء الطف بعد ثلاثة ايام من استشهادهم اي في الثالث عشر من محرم الحرام ولم يكن في هذه الارض اي معلم او بناء.. اول بناء اقيم على قبره الشريف هو سقيفة بناها المختار بن عبد الله الثقفي سنة 67 هجرية، وقبل ذلك علمت القبور من قبل الامام زين العابدين علي بن الحسين”ع “ وكان القبر معمورا في خلافة بني امية واول الخلافة العباسية. وفي سنة 247 قام الخليفة العباسي المتوكل بهدم قبري الحسين والعباس”ع “ وزرع فوقهما الزرع وجعل الثيران ترحث فوقهما، بينما كانت زوجة الخليفة تعمل بالسر على ادامة القبرين لكي لا يضيع اثرهما حتى مات المتوكل وجاء ابنه الذي اعاد القبرين واعاد لهما هيبتها. وفي سنة 369 هـ اقام الخليفة العباسي الطائع لله بن المطيع بناءً جليلا عليه ويعد اول بناء ضخم انشيء على القبر وفي سنة 1221 هـ بنيت اول قبة عليه ومئذنتين بناها امين الدولة الصدر الاعظم وغلفها بالكاشي الكربلائي. في سنة 1306 هـ امر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بتسقيف الايوان القبلي بالخشب الصاج الثمين، وحدث تطور على عمارة الضريح سنة 1339 هـ عندما ذهبت الواجهة الامامية من الايوان القبلي وهذه اول مرة يدخل فيها الذهب على المرقد- كما يقال - وفي عام 1955 م غلفت القبة بالذهب بعد ان كانت مغلفة بالكاشي الكربلائي.
اصداء
بعد نشر الموضوع في مجلة”الف باء “ حدثت اصداء كثير سواء في الشارع ام في اعلى مستويات الدولة، اذ نوقش الموضوع في اجتماع مجلس الوزراء وقرر تشكيل لجنة لسحب المياه الجوفية..
في اثناء ذلك اتصل بي الفريق الركن صابر الدوري من خلال الزميل حسين فوزي مدير تحرير”الف باء “ ودعاني لزيارته انا وعائلتي، وفعلا ذهبت الى كربلاء ومعي احد الاصدقاء. وقال لي: انت اسعدتني بالموضوع ولم افرح منذ زمن فكيف تريد ان افرحك؟
أجبته بأنه فرحني عندما سمح لي بالانفراد بهذا السبق الصحفي، عندها قال لي: انا وانت يجب ان نصبح اصدقاء ولانك تكتب بهذه الطريقة الهادئة التي اثارت اهتمام”القيادة“.. سأطرح عليك موضوعاً مهماَ جدا يعطيك سبقا اخر، يخص ضريح سيدنا الحسين”ع“.
ومن ثم راح يروي لي قصة طويلة عن الصخرة التي حز عليها رأس الحسين الشريف الموجودة في مكان ما من المرقد اذ تفوح منها رائحة زكية لم يعرف مثلها يقال انها انفاس فاطمة الزهراء”ع“ التي شهقت عند حز رأس ولدها الشريف وبقيت تفوح منها حتى الان.. واكد انه لم يصدق الموضوع الى ان باغته السادن في ساعة متأخرة بعد منتصف الليل وبعد تنظيف وغسل الحضرة المقدسة، اذ زار الصخرة وشم الرائحة.. واكد الدوري ان هذه كرامة اخرى من كرامات آل البيت يجب الكتابة عنها..
قلت له: هل تعتقد ان المسؤولين سيصدقون ما اكتب ومن يحميني منهم؟
قال:هذه حقائق
قلت: هل تتكفل بحمايتي
قال: لا اتدخل في الاعلام
عموما كانت مبادرة جميلة ورائعة من الرجل، فقد كان محبا لآل البيت ولأهل كربلاء ومخلصا لهم.. اتمنى ان تتسنى لنا الفرصة او لغيرنا للكتابة عن هذا الموضوع].
لهذا فأن مآسي و تناقضات العراق كثيرة عجيبة ولا تنتهي, خصوصا بعد المحن التي أصابتهم و تشابك السحر مع حياتهم بجانب الظلم و الفساد و الخراب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان لأب ثلاثة أولاد: أحدهم كذّاب في كل شيئ.
الثاني صادق في كل شيئ.
الثالث مرة يصدق و مرة يكذب.
علّق الأب عليهم بآلقول:
أما الأول؛ الكذّاب, فلا لي أية مشكلة في التعامل معه لأنني أعرف بأنه كذاب فلا أصدقه.
و الثاني أيضا ؛ ليست لدي مشكلة معه, لكوني أعرفه صادقا لا يُكذب فأصدقه على الدّوام.
أما مشكلتي الأساسية و الكبيرة هو مع الثالث الذي مرة يكذب و مرة يصدق, لهذا تحيّرت في كيفية التعامل معه, فكثيرا ما يُوقعني في مزالق و متاهات و خسائر كبيرة.
ألفيلسوف الكوني