صدى آلكون ............................................................................ إدارة و إشراف : عزيز آلخزرجي
Friday, September 20, 2024
حرق المكتبات
التهمة الكيدية في حرق مكتبة الإسكندرية/4
التهمة الكيدية
في حرق مكتبة الإسكندرية/4
علي الكاش
1. المصادر التأريخية عن حادثة حرق المكتبة
أ. الرحالة عبد اللطيف البغدادي المتوفى (557 هـ/ 1162 ـ 629 هـ/ 1231)
هو أول من ذكر في رحلته خلال زيارته لمصر” رأيت أيضا حول عمود السواري من هذه الأعمدة بقايا صالحة بعضها صحيح وبعضها مكسور ويظهر من حالها إنها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف وعمود السواري عليه قبة هو حاملها . وأرى إنه الرواق الذي كان يدرس فيه ارسطوطاليس وشيعته من بعده وأنه دار المعلم التي بناها الاسكندر حين بنى مدينته ، وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر رضي الله عنه”. (الإفادة والاعتبار/94). سنناقش هذه الفقرة لاحقا.
ب. ابن العبري (1226 ـ 1286).
وهو غريغوريوس ابو الفرج بن هارون العلامة اليسوعي صاحب كتاب (مختصر تأريخ الدول) جاء في الرواية حسب في طبعة بوك في اوكسانيا عام1663″ عاش يحيى الغراماطيقي إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة ما هاله ففتن به وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت بحواصل الاسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها ، فمالك به انتفاع فلا نعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به. فقال له عمرو: ما الذي تحتاج إليه ؟ قال: كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية . فقال عمرو: هذا ما لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . فكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى فورد عليه كتاب عمر يقول فيه : وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما وافق كتاب الله ؟ ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله؟ فلا حاجة إليه. فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الاسكندرية وإحراقها في مواقدها فاستنفدت في مدة ستة أشهر”. (تأريخ محتصر الدول/184).
كما ورد في طبعة أخرى” في هذا الزمان (خلافة عمر الفاروق) اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا غرماطيقوس”، أي النحوي. وكان إسكندريا يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة سأورى. ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث، فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما هو عليه، فلم يرجع، فأسقطوه عن منزلته. وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية. ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أُنْسَةٌ ما هَالَهُ ففُتِنَ به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه، وكان لا يفارقه. ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطتَ بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها: فما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع به فنحن أولى به. فقال له عمرو: وما الذى تحتاج إليه؟ قال: كُتُب الحكمة التي في الخزائن الملوكية. فقال له عمرو: لا يمكنني أن آمر فيها إلا بعد استئذان عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرَّفه قَوْلَ يحيى، فورد إليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التي ذكرتَها فإن كان فيه ما يوافق كتابَ الله ففي كتاب الله عنه غِنًى. وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتَقَدَّمْ بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها، فاستُوقِدَتْ في مدة ستة أشهر. فاسمع ما جرى واعجب”. (تأريخ محتصر الدول. تحقيق انطوان صالحاني اليسوعي/175).
ج. تقي الدين المقريزي (760 هـ/ 1364 ـ845 هـ/ 1442 )
هو بحق شيخ المؤرخين المصريين نقل نصا ما ذكره البغدادي” فكتب الخليفة عمر بن الخطاب كتابا إلى عمر بن العاص” إذا كانت هذه الكتب لا تحتوى على شيء غير المسطور في القرآن فهي كعدمها. وإذا كانت هذه الكتب تنافى ما جاء بالقرآن فهي ضاره ومؤذيه لا يجب حفظها. إذا فعلى كلتا الحالتين يجب حرقها وإبادتها من الوجود”. وأمر عمرو بن العاص باستعمال هذه الذخائر والنفائس كوقود في حمامات الإسكندرية”. (المواعظ والإعتبار1/159).
د. أبو الفرج محمد بن اسحق المعروف بابن النديم (الولادة مجهولة ـ 438هـ /1074 م)
وهو أديب وكاتب بغدادي، ومصنف وجامع فهارس، ذكر” وظلت الحمامات تستخدمها كوقود لمده ستة أشهر كامله فكتب عمر الى عمرو يقول له: واما الكتب التي ذكرتها فان كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى ، وان كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة أليها فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية واحرقها في مواقدها، فذكروا أنها استنفذت في ستة أشهر”. (الفهرست/334 ).
هـ. حاجي خليفة ويعرف أيضا باسم كاتب جلبي (1017 هـ/1609م ـ 1068هـ/1657م) وهو جغرافي ومصنف كتب له كتاب مهم اسمه كشف الظنون قال فيه” ان المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم، كتب سعد بن أبى وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شانها وتنقيلها للمسلمين فكتب أليه عمر بن الخطاب :ان اطرحوها في الماء، فان يكن ما فيها هدى ؟ فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه، وان يكن ضلال ؟ فقد كفانا الله تعالى. فطرحوها في الماء وفي النار فذهبت علوم الفرس فيها”. (كشف الظنون1/446). وزاد في كلامه مسيئا للعرب المسلمين” انهم (أي المسلمين) احرقوا ما وجدوا من كتب في فتوحات البلاد”. (المصدر السابق1/25). وفي كتاب حاجي خليفة الكثير من العثرات والأخطاء، فإنه على سبيل المثال تعثّر في تحديد وفاة ابن قتيبة فذهب إلى أنها كانت في سنة 276 هـ، ثم قال: توفي ابن قتيبة سنة 270 هـ. وفي مكان آخر يقول: توفي سنة 267 هـ، ثم ذكر سنة 266 هـ، وأخيرا حدّدها سنة 263 هـ.
و. جمال الدين ابو الحسن علي بن يوسف القبطي (568هـ/1172م ـ 646هـ/1248م)
وهو طبيب ومؤرخ عربي ولد في مصر وسكن حلب. جاء في كتابه (تاريخ الحكماء) الآتي ” يحيى النحوي المصري الإسكندراني تلميذ سأوارى. كان أسقفا في كنيسة الإسكندرية بمصر، ويعتقد مذهب النصارى اليعقوبية، ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث لما قرأ كتب الحكمة واستحال عنده جًعْل الواحد ثلاثة، والثلاثة واحدا. ولما تحققت الأساقفة بمصر رجوعه عزَّ عليهم ذلك، فاجتمعوا إليه وناظروه، فغُلِب وزُيِّف طريقُه، فعَزَّ عليهم جهله واستعطفوه وآنسوه وسألوه الرجوع عما هو عليه وترك إظهار ما تحققه وناظرهم عليه، فلم يرجع، فأسقطوه من المنزلة التي هو فيها بعد خطوب جرت. وعاش إلى أنْ فتح عمرو مصر والإسكندرية، ودخل على عمرو، ورأى له موضعا، وسمع كلامه أيضا في انقضاء الدهر، ففُتِن به وشاهد من حججه المنطقية، وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أُنْسَةٌ ما هَالَهُ. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر، فلازمه. وكان لا يكاد يفارقه، ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت حواصل الإسكندرية وختمتَ على كل الأصناف الموجودة بها: فأما ما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع لكم به فنحن أولى به، فَأْمٌرْ بالإفراج عنه. فقال له عمرو: وما الذى تحتاج إليه؟ قال: كُتُب الحكمة التي في الخزائن الملوكية”. ثم مضى يصف ما فيها من الكتب، ذاكرا من أنشأها ومن اعتنى بها. فـقال (عمرو): لا يمكنني أن آمر فيها إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرَّفه قولَ يحيى الذى ذكرناه واستأذنه ماذا يصنع فيها. فورد إليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التي ذكرتَها فإن كان فيه ما يوافق كتابَ الله ففي كتاب الله عنه غِنًى. وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتَقَدَّمْ بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفرقتها على حمامات الإسكندرية وإحراقها فى مواقدها وذُكِرَت عِدّة الحمامات يومئذ، وأُنْسيتُها، فذكروا أنها استُنْفِدَتْ في مدة ستة أشهر. فاسمع ما جرى واعجب”. (تأريخ الحكماء/354).
المؤرخون الأوربيون يفندون مسؤولية المسلمين عن حرق المكتبة
غالبية المؤرخين الأوربيين نفوا قيام المسلمين بحرق مكتبة الإسكندرية باستثناء البعض القليل ممن يغالي في تعصبه وحقده على العروبة والمسلمين معتمدين في رأيهم على مصادر عربية غير مهمة تناولت الموضوع بشكل هامشي وغير دقيق، سنناقشها لاحقا في المبحث. وهذا ما أكده المستشرق (ج. ج. سوندرز) بأن” هناك إجماعا بين الكتاب الـمُحْدَثين بأن المسلمين لم يحرقوا مكتبة الإسكندرية وأن القصة التي تزعم هذا هي قصة بغير أساس”. كما ذكر المؤرخ (جون مسبرك) ” المسلمون هم في حقيقة الأمر الذين أدخلوا العلوم والمعارف إلى أوربا، والفرنج هم الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية”. (الادعاءات الكاذبة). وقال (جورج مرتين) ” لقد أحرق المتوحشون الإفرنج بأمر أصدره ثيودوسيوس سنة 390 بعد الميلاد، والشواهد التأريخية تفضح الكذب الذي اختلقوه في رومية وزعموا أنها أُحرقت بأمر الخليفة عمر بن الخطاب، ولقد نسبوا هذه النسبة الكاذبة الخاطئة إليه زوراً وبهتاناً”. (ترياق الخرافات). وأشار بتلر في كتابه” أن يوليوس قيصر كان محصوراً سنة 48 ق . م، في حي البر وكيون يحيط به المصريون من كل جانب تحت قيادة أخيلاس ، فأحرق السفن التي في الميناء لقطع خط الرجعة على يوليوس وقيل إن النيران امتدت إلى المكتبة (مكتبة المتحف أو المكتبة الأم) وأحرقت المكتبة وأفنتها أو قد فنيت تماماً فى القرن الرابع الميلادي. أما المكتبة الوليدة التي قامت فى السيريوم فإنها كانت في حجرات متصلة ببناء معبد السيريوم وقد أحرق هذا المعبد في عهد ثيودوسيوس عام 391 م على يد المسيحيين الذين كان يقودهم رئيسهم ثيوفيلوس”. ( فتح العرب لمصر/303)
وذكر زميله المؤرخ (هلسلي أستيفونس) عن الموضوع نفسه” الجهلاء الفرنج هم الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية الكبيرة الأثر، وقد أدى حرقها إلى فقدان أوربا شعلة العلوم، وبقيت أوربا تتخبط في ظلمات الجهل والأساطير، إلى أعاد المسلمون ضياء العلوم لها”. (الفكر والأديان). وجاء في كتاب خطايا الأوربيين السابق ذكره ” أن من أحرق مكتبة الإسكندرية هو ثيوفيلوس ولا علاقة للمسلمين بحرقها، لأن الإسلام لا يجيز حرق الكتب، لذا لم يذكر المؤرخون الأوائل شيئا عن مكتبة الإسكندرية، في حين إنهم تطرقوا لأمور أقل أهمية منها”. (مجلة المقتبس/6 صفحة/ مجلد1).
وذكر الفيلسوف أرنست رينان في خطاب له ألقاه في المجمع العلمي الفرنسي بعنوان العلم والإسلام ” ذكر البعض أن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية، وهذا كذب وافتراء محض لأن المكتبة المذكورة قد أُحرقت قبل زمانه بسنين عديدة”. كما أن مؤرخ سيرة حياة يوليوس قيصر (درابر) ذكر أنه ” عند قدوم يوليوس قيصر عند إلى مصر لنجدة كلوباترة، أحرق نصف المكتبة وقلده بطارقة الإسكندرية فأحرقوا البقية وذكر اورسيوس أنه رأى بعينه أماكن الكتب خالية منها بعد أن صدر أمر الإمبراطور ثوديوس بإحراقها”. (يوليوس قيصر).
كما ذكر (المؤرخ جيبون) في معرض حديثه عن اضمحلال الإمبراطورية الرومانية” أن نسبة الحريق لعمر أو لعمرو أكذوبة لفقها أبو الفرج (أي ابن العبري) رئيس أساقفة حلب على طائفة اليعاقبة إحدى الطوائف المسيحية بعد مضي نحو ستمائة سنة من الهجرة في تاريخ له ألفه بالعربية ولما نقل ما كتبه إلى اللاتينية انتشرت هذه الأغلوطة في أوربا، لا يخفى على أهل البصيرة أن مكتبة الإسكندرية احترقت قبل الميلاد وما زعمه رئيس أساقفة حلب من أن المسلمين أحرقوها لم يتعرض له مؤرخ واحد ممن ظهروا قبل أبي الفرج حتى أن افتيكيوس بطريرك الإسكندرية عند توسعه في الكلام على استيلاء المسلمين على الإسكندرية لم يذكر كلمة عن حرق عمرو بن العاص لهذه المكتبة”. كما ذكر رئيس مدرسة آثينة الكلية في تاريخه العام عند كلامه على الإسكندرية من أن هذه المكتبة حرقت لدن وصول قيصر إلى مصر وأن ما بقي من الكتب تلف قبل استيلاء المسلمين على الإسكندرية بزمن طويل وأن ما يحكى من أن عمرو بن العاص حرقها إن هي إلا فقرة مدخلة بعد هذا. وقد عرب ما تقدم حباً بإظهار حقيقة طال البحث فيها وتعارضت الآراء بأمرها والحقيقة ضالة كل باحث ومستفيد”. (اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية/الجزء 9).
وذكر المؤرخ جوستاف لوبون” أن المكتبة لم تكن موجودة عند الفتح العربي، إذ كانت قد أُحرِقَت عام 48 ق. م عند مجيء يوليوس قيصر إلى الإسكندرية”. (حضارة العرب/208). كما ذكر بلوتارخ ( Plutarch) في كتابه Life of Caesar بأن مكتبة الإسكندرية” قد احترقت بفعل الحريق الذي بدأه يوليوس قيصر لتدمير الأسطول المصري المرابط في ميناء الإسكندرية”. وذكر المؤرخ الروماني اولوس جليوس Aulus Gellius ” أن المكتبة الملكية الإسكندرية قد أُحرقت بطريق الخطأ عندما أشعل بعض الجنود الرومان التابعون ليوليوس قيصر بعض النيران”. وهذا ما ثبته كذلك المؤرخ اميانوس مرسلينوس Ammianus Marcellinus والمؤرخ اوروسيوس Orosius بأن مكتبة الاسكندرية قد أُحرقت خطأً بسبب الحريق الذي بدأه يوليوس قيصر. العلامة الموسوعي الشهير( ول ديورانت) كان له نفس الراي بشأن حرق المسلمين لمكتبة الإسكندرية بقوله ” ان معظم المؤرخين يرفضون هذه القصة ويرون انها من الخرافات الباطلة”. (قصة الحضارة13/262).
كما ذكر المستشرق زيغريد هونكه” كان العلماء المسلمين حريصين على اقتناء كتب العلم اليونانية والرومانية ودراسة ما فيها. ومن أمثال ذلك رجل العلم العظيم موسى بن شاكر وأولاده الثلاث محمد وأحمد وحسن فى عصر الخليفة المأمون. وقد برعوا في علم الفلك ودراسة طبقات الجو والرياضة، وكانوا يرسلون أتباعهم إلى بلاد البيزنطيين على نفقاتهم لشراء الكتب وترجمتها والاستفادة من علومهم. وترجم (ثابت بن قرة) لبنى موسى عدداً كبيراً من الأعمال الفلكية والرياضية والطبية لأبولونيوس وأرخميدس وإقليدس وتيودوسيوس وأرسطوطاليس وأفلاطون وجالينوس وأبقراط وبطليموس. كما أنه صحح ترجمات حنين بن اسحق وولده ثم شرع في وضع مؤلفات ضخمة له، فوضع 150 مؤلفاً عربياً و (10) مؤلفات باللغة السريانية في الفلك والرياضيات والطب. فهذا نموذجاً من النماذج المشرقة في صفحات علم العرب وتقديسهم للعلم. فهل يصدق أحد العقلاء أن المسلمين قاموا بإحراق مكتبة عظيمة مثل مكتبة الإسكندرية ثم بعد ذلك يتكبد علماؤهم مشقة البحث عن مؤلفات لنفس العلماء الذين حُرِقت كتبهم؟”. (شمس العرب تشرق على الغرب/184).
ذكر بلوتارخ ( Plutarch) في كتابه الشهير(حياة قيصر) Life of Caesar بأن مكتبة الإسكندرية” قد احترقت بفعل الحريق الذي بدأه يوليوس قيصر لتدمير الأسطول المصري المرابط في ميناء الإسكندرية”. ويقول العلامة المستشرق (ماكس مايرهوف) ” يكاد يكون من الحقائق التي أجمع عليها المؤرخون أنه لم تكن بالإسكندرية مكتبة كبرى عامة بعد نهاية القرن الرابع الميلادي، حيث كانت قد ضاعت معالم تلك المكتبة إبان الصراع الهائل بين المسيحية والوثنية على طول القرون الأربعة التي أعقبت الميلاد”. وقالت الكاتبة والمؤرخة ( أ. ل . بتشر) في هامش كتابها ” لا جدال بأن مكتبة الاسكندرية القديمة قد كان قد احرقها أوغسطس قيصر أول إمبراطور روماني وضع يده على مصر ولكن لم يمضِ وقت طويل حتى تجددت هذه المكتبة إذ نقلت مكتبة برغاموس إليها فصارت أشهر من الأولى وانفع”. (تأريخ الأمة القطبية6/148).
واخيرا ذكر فيليب حتي” اما القصة التي تقول ان عمرا احرق مكتبة الاسكندرية، بإشارة من الخليفة واحمي بها حمامات المدينة مدة ستة أشهر، فينكرها البحث العلمي”. (تأريخ العرب المطول/222).
هذه هي آراء أهم وأبرز مؤرخي الغرب حول حريق المكتبة، ونفوا مسؤولية العرب المسلمين عنها، لا نفهم لماذا يصر بعص الكتاب العرب على تحميل المسلمين مسؤولية حرق المكتبة؟
أليس هذا الموقف الشاذ يدعو إلى الريب؟
رجال الكنيسة يفندون مسؤولية المسلمين عن حرق المكتبة
يذكر الدكتور نبيل لوقا بباوي” لقد وصل تسامح عمرو بن العاص مع الجنود الرومان البيزنطيين وأعدائه أنه نص في عقد الأمان المبرم مع قيرس أو المقوقس كما يطلق عليه أهل مصر الذي ابرم في عام 642م أنه سمح للجيش البيزنطي بالانسحاب من مصر وان يحمل جنوده أمتعتهم وأموالهم أن يتعهد المسلمون ألا يتعرضوا للكنائس الخاصة بهم هل يوجد تسامح أكثر من ذلك؟ أن تترك أعداءك يخرجون أمام عينيك بأمتعتهم وأسلحتهم وأنت تعلم مقدماً أنهم سوف ينظمون أنفسهم مرة أخرى لمقاتلتك وقتل الجيوش الإسلامية، ولكنها تعاليم الإسلام عندما تبرم عقد الأمان يجب الالتزام به وأن القتال ليس هدفاً لذاته بل هو خطوه للدفاع عن النفس ولتأمين الدولة الإسلامية الحديثة”. (انتشار الإسلام بين الحقيقة والافتراء/158).
ذكر الأستاذ عزيز سوريال عطية” يرتبط فتح العرب للإسكندرية بلغط أجوف حول حريق مكتبة المدينة على يد عمرو بن العاص، تنفيذاً لأوامر الخليفة عمر بن الخطاب، لكن هذه الرواية هي من نسيج الخيال وهي أقرب إلى الأساطير في كل تفاصيلها، وهي من حكايات الرحالة عبد الله اللطيف البغدادي ( ت 1231م) ومن كتابات الأسقف السورياني اليعقوبي بن العبري، وتزعم هاتان الروايتان أن الخليفة عمر بن الخطاب قد طلب من القائد عمرو بن العاص أن يبقي على هذه المكتبة إن كان ما فيها متفقاً مع ما ورد في القرآن الكريم وإلا فليقم بإحراقها، وعليه كما تزعم هاتان الروايتان قام عمرو بإحراق هذه الكتب . وواقع الأمر أنه لا يوجد مصادر معاصرة أو حولية تشير إلى هذا أو بشيء منه من قريب أو بعيد كما أنه من المشكوك فيه أصلاً أن تكون الإسكندرية عند وصول العرب إليها سنة 642م كانت لا تزال تحوي شيئاً من مكتبة البطالمة فلقد تم إحراق المكتبة منذ زمن بعيد على يد يوليوس قيصر عند هجوم على الإسكندرية لمساعد ة كلوباترة السابعة ضد أخيها سنة 48 ق.م يضاف إلى ذلك أنه في القرن الرابع للميلاد عندما صارت للمسيحية الغلبة في مدينة الإسكندرية على بقايا الوثنية , هجم المسيحيون على كل ما هو من بقايا الوثنية ودمروه تماماً ؛ ومن ذلك بطبيعة الحال ما كان قد تبقي من مكتبة البطالمة الوثنية. كما أن لفائف البردي واللفافات الأخرى التي قد تكون قد أفلتت من حرائق قيصر ومسيحيي القرن الرابع لابد وأنها كانت قد تهالكت وبليت بفعل الزمن وقت وصول العرب إلى مدينة الإسكندرية سنة 642م.وخلاصة كل هذا أن حكاية إقدام عمرو بن العاص على إحراق الكتب في أفران الحمامات بالإسكندرية مجرد تلفيق كاذب لا أساس له من الصحة تاريخياً” (تاريخ المسيحية الشرقية/103).
وجاء في موسوعة (من تراث القبط) الاتي” يتضمن غزو العرب للإسكندرية واقعة حزينة تتعلق بحرق مكتبتها العظيمة بواسطة عمرو بن العاص، الذي قيل إنه إنما كان ينفذ أوامر الخليفة عمر، إلا أن هذه القصة الرومانسية تنتمي إلى عالم الأساطير فقد ظهرت لأول مرة في كتابات الرحالة الفارسي (عبد اللطيف البغدادي المتوفي عام 1331م) والمطران اليعقوبي بارهيبراوس (المتوفي 1286م) أي بعد الغزو بستة قرون، إذ يزعمان أنه بناء على تشاور الخليفة عمر مع قائد جيش المؤمنين في مكة بعث إلى قائده عمرو بقراره المعروف الذي يؤكد فيه بأنه إذا كانت محتويات المكتبة تتفق مع ما جاء في القرآن فهي أشياء لا ضرورة لها ومن ثم فهي تافهة، وإذا كانت تختلف مع القرآن، فلابد من التخلص منها على اعتبار أنها خطر يهدد روح الإسلام وفي كلتا الحالتين يجب إحراق هذه الكتب وبعد تسلم عمرو لهذه الرسالة تم التخلص من هذه المحتويات الضخمة باستخدامها كوقود للحمامات الشعبية بالإسكندرية ستة أشهر وهي مدة لا تصدق، ولم يشر أحد من المؤرخين المعاصرين إلى هذه القصة , فضلاً عن ذلك فمن الشكوك فيه أن تكون لمكتبة بطليموس أثار باقية حتى مجيء العرب والمعروف أن جزءاً كبيراً منها قد دمر في حروب يوليوس قيصر في سنة (48 ق. م)، وحدث في القرن الرابع الميلادي، أن المسيحيين المنتصرين قد قاموا بعمليات منظمة لإحراق المباني عمداً لإزالة كل أثر للمؤسسات الوثنية، التي لابد أنها قد أصابت المتحف muscone أو ما بقى من، إن طبيعة لفائف البردي والمخطوطات المتراكمة في المكتبة كان لابد أن تتحلل نتيجة استعمالها على مدى قرون عديدة والمخطوطات المتراكمة في المكتبة كان لابد أن تتحلل نتيجة استعمالها على مدى قرون عديدة قبل الفتح العربي، وبعبارة أخرى فإن قصة إشعال حمامات الإسكندرية بتراث مكتبة الإسكندرية قصة يجب رفضها باعتبارها بدعة غير تاريخية ولا أساس لها”. (موسوعة من تراث القبط1/207).
وقال المطران يوسف ضرغام” انتعشت الكنيسة القبطية وتنظمت في حكم عمرو بن العاص، فاعتقد الأقباط لفترة أن انتصار العرب أعاد لهم الحرية والكرامة والشخصية القومية ، لا سيما أن عمرو بن العاص اتبع وصية نبي الإسلام وعطفه على الأقباط إذ جاء في الحديث” إن الله عز وجل سيفتح مصر بعدي، فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لهم منكم صهراً ونسباً. فقد كانت مارية القبطية زوجة للرسول وأنجبت له ولده الوحيد إبراهيم الذي توفى بعد سنة ونصف تقريباً. وقد ساعد الفتح العربي في بداية الأمر على نهضة اللغة القبطية على حساب اليونانية، فالقراءات الطقسية صارت تتلى بالقبطية وحدها، كما تُرجمت إليها أقوال الآباء، وقد بنيت عدة كنائس وجُددت كنائس أخرى. ففي ايام البطريرك أغاثون (661 – 667) عُمرت كنيسة أبي مقار، وبنيت كنيسة القديس مرقس بالإسكندرية في ولاية عمرو بن العاص”. (دليل إلى قراءة تاريخ الكنيسة/167).
كما ذكر الأب سهيل قاشا” إن العرب الذين وهبهم الله الملك يحترمون الديانة المسيحية، ويودون القسس والرهبان ويكرمون أولياء الله، ويحسنون إلى الكنائس والأديار”. (الكنيسة العراقية إزاء الاضطهادات الفارسية/87) . لا بد من الإشارة في هذا الصدد بأن المطران يوسف الدبس علق على دعاوي البعض عن كيفية إحراق مكتبة الإسكندرية ونسبتها للمسلمين بقوله” روى هذه القصة كثير من المؤرخين النصارى وبعض المسلمين أيضاً عَلَى أن المدققين لم يقطعوا بصحتها”. (تأريخ سوريا). كما أورد الأب نقولا أن علماء الإفرنج” يزيفون أقوال بعض أرباب الأهواء في نسبة الحريق للمسلمين ويبينون مأْخذ عبد اللطيف البغدادي وابن القفطي وابن العبري والحاج خليفة وليس لمكتبة الإسكندرية ذكر في عبارة أبي الفرج بن العبري الأصلية السريانية والنسخة العربية منقولة عنها كما أن بعض المخطوطات من تاريخه العربي لا أثر لهذه الرواية فيها والحاج خليفة لا ذكر للإسكندرية ومكتبتها في كتابه والبغدادي والقفطي نقلا عن رواية دسها عليهم بعض المتعصبين أو دسوها في عباراتهما. والمبحث مهم في ذاته يبين تعصب الإفرنج عَلَى الإسلام وبه يتم هذا المبحث الذي نشر المقتبس فيه عدة أبحاث أيضاً في سنيه الثلاث الأولى”. (المقتبس46/47 عام 1909).
Wednesday, September 18, 2024
العراق لا يعيش بدون الأحزاب!؟
العراق لا يعيش بدون الأحزاب ..
التحزب و التكتل و التحالفات و و التمذهب و العشائريات و المؤآمرات هي ديدن السياسة في العراق .. ذلك هو الواقع السياسي الذي عرفناه منذ تأسيس الدولة العراقية بل و قبل ذلك من زمن الجاهلية و حتى قبله, لأن الدولة كانت تتشكل بإسم العشيرة التي تحكم كآلمناذرة و الغساسنة و الحميرية و النصيرية وووو...إلخ, لأن المفكر و آلفيلسوف و المثقف و نظرياتهم, لا قيمة ولا مكانة لها بين الحكام و الاحزاب و الناس طبعا, بل يتم نبذهم و حصرهم و محاصرتهم حتى الموت أو التشريد و الأبعاد ليبقى الناس يعيشون الجهل بغيابهم فيسهل تسلطهم عليهم, لأنه - المفكر و الفيلسوف - هو الوحيد الذي يؤشر للحق و للمنهج الأمثل و لمواطن الخلل و الضعف و الفساد فيتحرز الناس من الفاسدين و من تلك الأحزاب و الساسة الفاسدين و بآلتالي يخسرون المال و المنصب ولا يستطيعون الإغتناء بسرقة الفقراء .
من جانب آخر نرى إن المجتمع العراقي, و معظم - إن لم نقل - كل المجتمعات - حتى انصاف المثقفين فيها لا ينتصرون للمثقف و المفكر و الفيلسوف و إذا أقام مفكر أو فيلسوف مركزا أو منتدى للفكر أو أقدم على مشروع ثقافي؛ فأن الناس و النظام عموماً لا يعيرون له أهمية .. لأعتقادهم بأن الفكر و الثقافة و الفلسفة لا تغني واقعهم .. و من هنا تبدأ المحنة و تتشعب المصائب لعدم معرفتهم بدور الثقافة و الفكر في المجتمع, فيستلمهم السياسيين - الاحزاب - ليسرقوهم لأنهم لا يعلمون أحابيلهم و نواياهم و خططهم في سرقة الأموال و كما حدث في العراق, حيث يهملون كل نشاط فكري و ثقافي و هذا واضح حتى في الجامعات و المراكز التعليمية و الأعلامية, فقد أرسلت قبل فترة بياناً على شكل مقال أعلنت فيه تأسيس مركز ثقافي , لكنلا أحد من المواقع أو الصحف أو حتى الأذاعات نشرت ذلك أو حتى أعلنت عنه , بينما لو ترسل لهم إعلانا بشأن تأسيس حزب أو منظمة سياسية و ما شابه ذلك؛ ترى الجميع يهتمون بذلك و ينشرونه , بينما لا يعد سوى تكتل لأجل زيادة أحمال و أعباء الفقراء و نشر الجهل بين الناس و كما فعلت جميع الأحزاب التي شاركت في العملية السياسية للآن .
قرأت اليوم إعلاناً عن تشكيل حزب جديد في العراق ليضاف إلى مئات الأحزاب الأخرى التي تشكلت قبل و بعد السقوط, ولا أحد كتب بحثا أو حتى تحليلاً على هذا الحزب سوى التالي :
أعلن أنور ندى اللهيبي مستشار رئيس مجلس الوزراء لشؤون المحافظات المحررة، تأسيسه حزباً باسم “وحدة أبناء العراق”، مؤكدا أن الغاية من تأسيس هذا الحزب الحفاظ على النظام الديمقراطي في البلاد.
والمقصود من مصطلح المحافظات المحررة هي تلك المحافظات ذات الغالبية السنية في البلاد، والتي فرض تنظيم داعش سيطرته عليها في أواسط العام 2014 قبل أن تتمكن القوات الأمنية العراقية مسنودة بالتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من استعادتها في عمليات عسكرية كبيرة دامت حوالي ثلاث سنوات.
وقال اللهيبي في بيان اليوم، إنه “انطلاقًا من مبدأ إنشاء دولة المواطنة القائمة على المؤسسات وتطبيق القانون، والداعية إلى نهضة اقتصادية وعلمية وثقافية وحضارية واجتماعية، شرعنا بتسجيل حزب (وحدة أبناء العراق)، واحدًا من الأحزاب العراقية المجازة والمسجلة وفقا لقانون الأحزاب السياسية النافذ”.
وأردف بالقول إنَّ “الغاية من تأسيس حزبنا هو الحفاظ على النظام الديمقراطي وحمايته، وتعزيز العمل السياسي وتقويته، وفقا لمبادئنا الأساسية القائمة على الإيمان بحب العراق ووحدته”.
كما أشار اللهيبي الى “الانفتاح على القوى الوطنية العراقية والعمل معها بما يخدم المواطن العراقي، فضلاً عن دعم السياسة الخارجية للدولة، بما يعزز سيادته ومكانته بين الدول، ووضع مصالح العراق اولاً وأخيرًا”.
ووفقا للبيان، فإن من “أهداف هذا الحزب العمل بروح الفريق الواحد بين أبناء البلد بكل دياناته ومذاهبه وقومياته وأطيافه والدعوة إلى التلاحم الوطني والاجتماعي، ومواجهة التحديات وتذليل الصعاب ، والسعي إلى ترسيخ أسس الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين أينما كانوا وحيثما حلّوا في أرض العراق”.
يشار الى أن دائرة الأحزاب والتنظيمات السياسية قد أعلنت تسجيلها 33 حزباً في آخر إحصائية لها للأحزاب المجازة في ممارسة العمل السياسي في العراق منذ التأسيس ولغاية شهر شباط2024.
لذلك فأن الوضع في العراق سيستمر مع الفساد ما لم يغيير الناس و في مقدمتهم الطبقة المثقفة و الأعلامية نهجهم و تعاملهم مع الفكر و المفكرين.
عزيز حميد مجيد
العبادات لا يمحقنّ سرقات السياسيين :
العبادات لا يمحقنَ سرقات السياسيين
شرّع الإسلام أنواعاً متعددة من العبادات، من أجل تزكية النفس البشرية وهي على نوعين عبادات قلبية: ومستقرها القلب، كالإيمان بالله وتوحيده، وحب الله ورسوله، والتوكل على الله، ورجاء رحمته، وخشية عذابه، والتفكّر في قدرة الله وعظيم صفاته… إلى غير ذلك من المعاني والأحوال القلبية التي أمر لله تعالى المؤمن أن يسعى الى تحصيلها.
عبادات عملية: وتشمل أركان الإسلام، كالشهادة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والجهاد، وسائر النوافل والتطوعات التي هي من جنس العبادات التي فرضها الإسلام، كما تشمل العبادات أيضاً: ذكر الله باللسان، كالتكبير والتسبيح والتهليل والحمد وقراءة القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر ما يقوم به المسلم من أقوال وافعال، طاعة لله ورسوله، فكلها يجمعها معنى العبادات العملية.
والعبادة بهذا المفهوم إنما تقودنا إلى أمر في غاية الأهمية ألا وهو الطاعة التامة، والانقياد الكامل للباري، على أساس أنها (غاية التذلل، ومن أجل ترسيخ هذه الغاية المقدسة في نفوس البشر)، فقد تقصّد الباري أن يُصدّرها في أعظم سورة في القران الكريم بقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة: 5) مريداً بذلك تذكيرهم بمعنى العبودية والاستكانة له، فالمتأمل بهذه الآية يجد أن (معنى نعبد: نخضع ونذل ونعترف بربوبيتك).
ولله الحمد أن معظم سياسينا وفي السلطات الثلاث يدّعون التدين وملتزمون بالعبادات، فالسلطة التشريعية جُل الأعضاء منتمين إلى أحزاب إسلامية، فمنهم دعاة وآخرون منظوون تحت خيمة حركات إسلامية، ومنهم تحت خيمة الحزب الإسلامي، وفي الجنبة التنفيذية فإن السطوة الكبيرة لمدعي الانتماء الإسلامي، ويومياً نسمع عن سرقات فاقت حدود العقول وحتى التوصيفات لهذه السرقات أصبحت من الصعوبة في مكان، فهذه سرقة القرن لأنها الأعلى رقماً وبعدها تأتي سرقات بأرقام أكبر بكثير حار الفقه السياسي والجنائي بتوصيفها، فماذا يمكن أن يطلق على هكذا سرقات بعد سرقة القرن وحقاً الله يكون في عونهم، ولا يمكن أن نستثني المنظومة القضائية بعد مؤتمر رئيس النزاهة القاضي (حيدر حنون) الذي شكك بنزاهة قاضي النزاهة السيد جعفر، وظهرت اتهامات للسيد حنون كذلك بكسب غير مشروع مستغلاً لمنصبه، وهذه الاتهامات هي الأصعب لأن القضاء هو الحامي للعملية السياسية في العراق.
الجميع يعلم أن شبهات السرقات تشمل الجميع وهؤلاء معظمهم كما أسلفنا من المتدينين الذين يقيمون العبادات على أحسن وجه، فلماذا لم تمنع هذه العبادات الكم الهائل من السرقات، والسؤال كيف لا تمنع العبادات السرقات لدى السياسيين العراقيين سنة وشيعة، هل هناك كفارات للسرقة، وبالأحرى يمكن لمن يسرق أربعين مليون عراقي أن تكون له كفارة؟
ليعلم سياسيونا الكرام كل حديث عن الرسول الأكرم عن كفارة السرقة بالعبادة موضوع ولا أساس له، وكل تفسير لآية قرآنية يلمح لكفارة لمن سرق شعبه هو تفسير لا صحة له، وكل مشاركة في الشعائر الدينية لا تكفر عن سرقاتكم، فلا تلبسوا السواد على مصيبة الامام الحسين، ولا تسيروا على أقدامكم لزيارة الأئمة المعصومين وتسرقوا شعب الأمام الحسين فلن يغفر لكم.
الحل الوحيد هو أن تعيدوا أموال الشعب وتتوبوا إلى الله، هو هذا الحل فلا تتعكزوا على ما ذكرناه أعلاه، واعلموا أن كل عباداتكم لا قيمة لها ولا أثر له أمام سرقاتكم لشعبكم، فإن كنتم مسلمين حقاً عليكم بإعادة هذه الأموال عسى أن تشملكم رحمة الله، اللهم أني بلغت فلا يغرنكم الشيطان ولا يغرنكم بالله الغرور
وحديث الحقوق المشهور هو الدليل البيّن و الواضح على ما نقول و خلاصته هو :
[الحقوق أربعة ؛ حقّ لك و عليك و فيما بينك و بين الله و فيما بينك و بين الناس , أما الحقوق الثلاثة الأولى فلا يعتد بها الله تعالى كثيراً يوم الحساب , لكن الأمتحان و الكتاب و الحساب هو على الأخيرة, فلا تقربها].
Tuesday, September 17, 2024
بزشكيان و بازركاني :
بزشكيان عن بارزاني: كلانا مسعود وكلانا ولدنا بمهاباد ياله من حدث مثير
قال الرئيس الايراني مسعود بزشكيان، ان “مسعود بارزاني ولد في مهاباد لدينا. ولد في مهاباد بإيران. وانا ولدت في مهاباد، هو اسمه مسعود وأنا مسعود. يا له من حدث مثير للاهتمام”.
وجاء تصريحات بزشكيان خلال مؤتمره الصحفي الاول في طهران، رد على اسئلة الصحفيين عن العلاقات بين اقليم كردستان وايران، بالقول “استطعنا إجراء المحادثات بسهولة شديدة. لقد خلقوا حربا بيننا من أجل لا شيء. إنهم يسلحون بعض الناس هناك ليأتوا ويشعلوا حربا هنا وهناك”.
واضاف بزشكيان “إنهم سيحمون أمننا ونحن سنحمي أمنهم. وسنصلح علاقاتنا ونحسن علاقاتنا الاقتصادية ونساعد بعضنا البعض في كل المجالات المناسبة لنا”.
وتابع بزشكيان ان “الولايات المتحدة تريد منا أن نتقاتل، لكننا لن نتقاتل إذا كنا حكماء”.
جامعات لتخريج البطالة :
جامعات لتخريج البطالة
لم احصل على رقم دقيق لعدد الجامعات والكليات الاهلية التي يكون خريجيها بنفس مؤهلات خريج الحكومية بالنسبة للمعترف بها لكن المشكلة هل لدينا نقص في الكليات حتى تكون هنالك اهلية ؟
بعضهم يعزو السبب الى ان بعض الجامعات الاهلية رصينة في تدريسها وحصلت على تقييم دولي ، وهذا جيد وبعدما تتعب الجامعة على الطالب وان كانت باجرتها ويتعب الطالب للحصول على الشهادة ثم ماذا ؟
الموضوع الاخر الذي يستحق الحديث طلبة الدراسات العليا ، المفروض ان من يتقدم لنيل الماجستير والدكتوراه يكون لديه تخصص في البحث عن ما يرغب به لكي يصل الى درجة عليا من الكفاءة بالتخصص الذي اراده ، اما ان يحصل على الشهادة العليا ويخرج للتظاهر مطالبا بالتعيين او العمل عامل وعندما يسال عن شهادته يقول ماجستير او دكتوراه .
هكذا امور لا تجعل للشهادة مكانتها وتتحمل الحكومة العبء الاكبر من الاسباب ، ففي الوقت التي تسمح لافتتاح مدارس وجامعات اهلية وتحصل على ضرائب منهم فلماذا لا تحث على تاسيس مشاريع انتاجية وفق تخصصات الطلبة الخريجين ؟
في الغرب تقوم شركات استثمارية بتمويل الجامعات وفق شروط معينة وهي من تقوم بتهيئة فرص عمل للطلبة كذلك وفق شروطها ويصبح الطالب اداة من ادوات الشركة بالتعاون مع الجامعة .
في العراق ايام السبعينات والثمانينات اذكر ان وزارة الدفاع العراقية تنتقي الطلبة الاذكياء في الجامعة خصوصا الطب والهندسة وتتكفل بمصاريفهم وتقوم بتعيينهم ضباطا لديها وبهذا تحصل على الكفاءات .
الان في العراق ليس من الضرورة ان تكون متميز في كليتك حتى تحصل على وظيفة بل طرق اخرى اغلبها محفوفة بالفساد ليحصل على وظيفة من هو ادنى من الطلاب المتميزين .
تفكير الطالب اليوم بالكلية التي يحصل على وظيفة بشهادتها ولا يفكر بطموحه العلمي ، مثلا مجال الطب ، او الصيدلة التي جعلت خريجيها يفتتحون صيدليات حتى في الازقة دون ضوابط من حيث المكان.
من جانب اخر هي اصلا الحكومة تعاني من تخمة بعدد الموظفين العاطلين داخل مؤسساتها اي باختصار بطالة مقنعة صرف رواتب دون الحصول على انتاجية ، وقد شكت مرارا وزارة المالية من الارقام المغولة لرواتب الموظفين ، ولا اعلم ان حلت كارثة بالنفط كيف ستتصرف الحكومة ؟.
هنا لابد لنا من الاشادة بفرص العمل التي اتاحتها العتبات وخصوصا عتبات كربلاء المقدسة وان كان فيها الكثير ممن يعمل ليس بتخصصه ولكن افضل من ان يكون عاطل او عامل لا يعلم غدا سيعمل ام لا .
الكليات الاهلية وحتى المدارس الاهلية مشاريع استثمارية بارباح فاحشة نعم ارباح فاحشة وقد اطلعت على حسابات بعضها يفتتح مدرسة ثانوية في بناية مستاجرة ايجارها قرابة (30 ) مليون خلال ثلاث سنوات يشتري بناية بارقى مكان بسعر مليار ونصف عدا الترميمات لتكون مدارس ابتدائية وثانوية ، كم هي الارباح ؟
وكذلك الجامعات والكليات الاهلية التي تبدا باستئجار بناية ثم تشتري ارضا وتبنيها وفق مواصفات الجامعات ، اي بمعنى اقساط الطلبة تكفي لمستلزمات الدراسة والايجارات ورواتب الاساتذة ودفع الضرائب وربح صاحب المشروع هذا الربح مكنه شراء بناية باكثر من مليار .
في بلدي غرائب وعجائب ، البطالة متفشية والايدي الاجنبية العاملة في العراق اكثر من البطالة ، ويمنع عمالة الاطفال بينما تجد في بلدي الذي يعاني من البطالة اطفال اقل من عشر سنوات يعملون حتى في الحي الصناعي ، وليس هذا فقط بل تجد من ذوي الاحتياجات الخاصة عزيز النفس يعمل لكي يحصل على قوت يومه ،يقابله بكامل صحته يحصل على راتب عاطل عن العمل
Monday, September 16, 2024
إنتهى العداء مع أمريكا : عبور مرحلة المراهقة السياسية
في تصريحات ملفتة.. بزشكيان يتحدث عن “علاقة أخوة” مع أمريكا ويرهنها بشرط واحد
قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اليوم الاثنين (16 أيلول 2024)، إن بلاده ليس لديها عداء مع أحد، كاشفا عن بعض اجنداته خلال زيارته المرتقبة إلى نيويورك.
وأوضح بزشكيان خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة طهران ، بشأن التفاوض مع الأمريكيين خلال زيارته المرتقبة إلى نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر “الأمريكان جعلونا شعباً محارباً؛ نحن مسالمون”.
وأضاف أنه “لا يمكن للأمريكيين أن يأتوا ويستولوا على أرضنا متى أرادوا ونحن نحني رؤوسنا بكل تواضع، ويجب على الأميركيين أولاً أن يثبتوا أخوتهم ثم يطلبوا منا الميراث”.
وتابع “في رحلتنا إلى أمريكا ندافع عن حقوق أمتنا. إنهم يجعلوننا مضطرين للدفاع عن أنفسنا، وأغلقوا علينا كل الطرق. إذا كانت أمريكا تحترم حقوق إيران فلا خلاف لنا معها”.
وأكمل الرئيس الإيراني: “نحن لم نفرض عقوبات على أمريكا أو نبني قاعدة عسكرية حول دولتهم أو نهددهم”، لافتا الى أنه “إذا اثبتوا أنهم ملتزمون بالاتفاقيات وما كتبوه سنكون أخوة ونحن لسنا طلاب حرب وإنما رجال سلام”.
وعقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مؤتمره الصحفي الأول، بمشاركة أكثر من 300 وسيلة إعلام محلية وأجنبية، في العاصمة طهران.
و تبعا لذلك فأن العداء بين الفصائل العراقية و أمريكا إنتهت أيضا , ولا يوجد بعد الآن أيّ صدامات أو طائرات مسيرة أو نزاع بينهم و بين أمريكا و هكذا اسرائيل, و حزب الله أيضا سوف يتنازل عن كل الخطوط الحمر التي وضعها حول الليطاني و الرجوع بحدود 40 كم إلى الخلف مع الحدود الأسرائيلة.
الرجل الذ يحفر الجبل بإبرة :
الرجل الذي يحفر الجبل بإبرة :
قد يتصور بعض من تغيب عنه المعاني الحقيقية لبعض المواقف السياسية، إن حضور الرئيس الإيراني في مكتب السيد عمار الحكيم، وهو يجمع السلطات والساسة الشيعة، هو تلميح وإشارة مبطنة عن الرجل، بانه هو من تتعامل معه إيران كممثل للساسة الشيعة في العراق..
ورغم أن التلميح السابق، لا يبتعد عن الحقيقة كثيرا، بحكم تعامل إيران مع أكثر من طرف يثبت نفسه مؤثرا في الساحة، لكن هذا جانب واحد محدود في واقع هذا الرجل المحير عمار الحكيم، الذي كان دوما لاعبا لا يمكن تجاوزها، بعيدا عن أرقامه الإنتخابية!
نتذكر جميعا زيارة الحكيم للسعودية قبل سنتين تقريبا، ولقاءه المطول مع ولي العهد السعودي، الحاكم القوي في منطقة الخليج وحليف الغرب الثابت، وما قيل عن تكهنات بنتائج تلك الزيارة.. ورغم أن الزيارة أحيطت نتائجها “بغموض رسمي” لكن وبعد مرور بضعة أشهر ، بدأ ظهور نتائج في ملفات العراق وسوريا والعلاقة مع إيران، لا يمكن أن تغيب عن المتنبه لشؤون المنطقة..
الحكيم وكما يبدوا يعمل لصنع شبكة علاقات متينة، مع مختلف القوى والشخصيات المؤثرة في المنطقة، وهو قد نجح في ذلك أيما نجاح، فهو يزور ملك الأردن والرئيس المصري، وله علاقات وطيدة مع الكويت وقطر والإمارات، ويستقبل بأعلى المستويات الرسمية والدينية في إيران نفسها.. وهي دول مؤثرة في المنطقة والشرق الاوسط، رغم كل ما تحتويه علاقات هذه الدول فيما بينها من تناقضات وتقاطعات!
الغريب في كل تلك العلاقات والزيارات، ورغم أنه يمكنه إستثمارها، للتأثير في حجم وجوده في السلطة في العراق، كما فعلها ولازال غيره، لكن الرجل والحق يقال لم يحاول أن يفعل ذلك، على الأقل هذا ما يبدوا واضحا لحد الأن.. وبل نجح في إستثمارها في دعم الحكومة العراقية، والتي غالبا ما كان يشكلها شخوص من أحزاب تنافسه سياسا.. كذلك نجحت في تليين مواقف متصلبة، وتخفيف إحتقانات وتفكيك مشاكل إقليمية وعابرة للحدود، كانت عصية لفترة طويلة..
بناء تلك العلاقات صعب جدا، والمحافظة عليها رطبة ثابتة أشد صعوبة.. لكن الرجل وكما يبدوا، لديه صبر لا يملكه الساسة الأخرون، وربما هو أكتسبه من أرثه العائلي من رجال الدين، الذين قيل أنهم وخلال سعيهم لإكتساب العلوم الدينية، وكأنه مستعدون لحفر جبل بإبرة.
لماذا حرّروا نور زهير!؟
لماذا حرّروا نُور زهير!؟
لماذا أنقذوا المجرم نور زهير و المئات من أمثاله من العقوبة خلال العقدين الماضين رغم أنهم و من خلفهم سرقوا العراق!؟
[لأن محاكمته تعني محاكمة و إنهيار النظام السياسيّ برمته و في مقدمتهم قادة الأحزاب و مرتزقتهم, و يظل (حنون) يصرخ لإلقاء القبض عليهم لذا قد يُزجّ بالسجن بدلهم بتهمة التشهير بالحكومة والقضاء و النواب الذين برحيلهم ينتهي الفساد, و فوق ذلك كله فأن تعديل قانون العفو العام قد يشمل جميع الفاسدين بمن فيهم نور زهير !؟]
و الله يستر من الجايات.
العراق بين نور و نجلة :
العراق بين نور و نجلة !؟
أحداث العراق كثيرة وكبيرة ومزدحمة فما أن ينتهي حدث حتى يعيش العراقيين حدثا آخر غيره ، ينشغل به الشارع العراقي والأعلام والفضائيات وكل السوشيال ميديا ، وهكذا هي حياة العراقيين ، منذ ان وطئت أرضه قوات الأحتلال ، وكأن هناك قرار، بأن لا يعيش هذا الشعب فترة هدوء وأستقرار ، بل يجب أن يعيش في فوضى مستمرة وأضطراب وتناقضات كثيرة!! . يعيش هذه الأيام العراقيين حدثين متناقظين الى حد كبير! أحدهما وصم العراق بالفساد أكثر مما عرف عنه وما وصف به ، وأكد أن آفة الفساد المستشرية بالعراق لا زالت قوية وغير مقدور عليها! وهو بالتالي حدث فيه من العيب الشيء الكبير، والحدث الآخر على عكسه ونقيضه تماما ،حدث هز العالم ورفع أسم العراق عاليا في المحافل الدولية! وجعل العالم كله يقف أجلالا وأحتراما للعراق! .
الحدث الأول الذي شغل الأعلام العراقي والمحلي وحتى العالمي ، وطبعا كان حديث الشارع العراقي منذ أشهر ولا زال! ، بطله مواطن عراقي أسمه (نور زهير)، لا نعرف عنه أي شيء سابقا سوى أنه عراقي ومن عائلة كريمة من أهالي البصرة أصلا ، فجأة ظهر أسمه على سطح الأحداث مقترنا ومتهما بأكبر صفقة فساد حتى سميت بصفقة القرن! وتفاصيلها كثيرة وكبيرة وفيها بلاوي وبلاوي وأسماء لشخصيات سياسية كبيرة وقادة أحزاب على حد قول نور زهير نفسه! حيث هدد ( بفضحهم أذا تم أستدعاءه للقضاء ومحاكمته!) ، وهذا ما تكلم به في لقاء خاص من على (فضائية الشرقية)! ، وهو بكامل وعيه وأدراكه وبكل ثقة وهدوء!! ، الموما أليه مطلق السراح حاليا ويقيم في دولة الأمارات! بكل أمن وأمان وبكل ضمير حي وخاصة بعد أن عاد من الحج قريبا!؟ ، وقد تم أطلاق سراحه من قبل تعاون الحكومة و القضاء و الإطار، ليس لأنه أعاد جزء من المبلغ المسروق الى خزينة الدولة ، أمام مرأى ومسمع العالم كله فحسب ، بل لأنه هدد بفضح الأسماء الكبيرة التي تقف ورائه! ، في حال عدم اطلاق سراحه وأعادة محاكمته ثانية (حيث سبق ان أوقف وأطلق سراحه نظير إعادة جزء من المبلغ المسروق!!) ، الى هنا أنتهت صورة الحدث الأول والشارع العراقي يعرف كل التفاصيل عن نور زهير وقضيته! .
الصورة الثانية وحدثها وحديثها تختلف عن صورة ومشهد نور زهير، بل أن الحدث الثاني يقف على النقيض منه تماما! ، بطلة الحدث فتاة من محافظة ديالى ، في ربيع العمر (16 سنة) تدعى/ نجلاء عماد لفتة الدايني/ (نجلة) ، وهي من ذووي الأحتياجات الخاصة! ، لم يبق الأنفجار من أطرافها سوى اليد اليسرى! ( حيث أصيبت بأنفجار عبوة ناسفة تعرضت لها وهي في سيارة أبيها الذي كان يعمل شرطيا في محافظة ديالى وهي بعمر سنتين!!) .
وهنا تبدأ حكاية الله وأرادته مع نجلة ورعايته لها بعينه التي لا تنام ، وأيضا أرادتها هي مع نفسها . كبرت نجلة ، وكبرت معها الامال والأحلام وكبر معها أصرارها وأرادتها ، وكانت رحمة الله وعينه ترعاها وتراها ومعها في كل خطوة تخطوها وتعيشها ، بعد أن أمدها الله بأرادة قوية وصلبة ، فدخلت (نجلة) المدرسة رغم عوقها الشديد! في محافظة يغلفها الخراب والتخلف وانعدام الخدمات في كل شيء كحال بقية المحافظات العراقية! ، ورغم الظروف العصيبة التي تحيط بها ، ورغم (تنمر) أقرانها عليها لكنها أستطاعت أن تنجح وأن تكمل دراستها وتنهي الدراسة الأعدادية / أدبي بمعدل 75%!! ، وشاءت أرادة الله أن يأتي مدرب لتنس الطاولة الى المحافظة ويكتشف حبها وشغفها بهذه اللعبة وهي تتدرب بالبيت ( (على بلوك جدار البيت الخارجي!!) فأحتضنها وكانت هي مع الموعد وكانت مع هذا الأحتظان في كل خطوة ، وكان النجاح حليفها في عشرات البطولات المحلية والأسيوية والخارجية ، التي شاركت بها (( شاركت نجلة في 30 بطولة دولية محلية وآسيوية وعالمية على مدار سنوات حياتها الرياضية ، فازت خلالها بالجوائز والميداليات ، ونجلة تتدرب مرتين في الأسبوع في بعقوبة ومرتين في بغداد ، وفي بعض الأحيان تتاح لها فرصة السفر الى الخارج للتدريب قبل البطولات في مرافق رياضية أفضل)) .
وبعد أن توسم بها المدرب واللجنة البارالمبية العراقية كل الخير والأمل ، كانت هي على الموعد مع كل ذلك فلن تخيب الأمل والظن بها ، وكيف يخيب أمل أنسان كان الله معه برعايته ورحمته! ، فكان الله معها في كل خطوة تخطيها حتى حصولها على الوسام الذهبي في الدورة ( (البارالمبية في باريس 2024 ) التي جرت أخيرا بعد فوزها على البطلة (الأوكرانية)! ، ذلك الحدث الذي هز العالم أجمع! ، فبيد واحدة أستطاعت نجلة أن ترفع أسم العراق عاليا ، في المحافل الدولية وعزف لها السلام الوطني!
وهي تنظر الى الكاميرات وعدسات الفضائيات ووسائل الأعلام العالمية بأبتسامة فيها الكثير من البراءة والثقة بالنفس والقوة ، وكأنها تقول للعالم أنا أبنة العراق العظيم انا بنت أكبر الحضارات وأقدمها ، وأن نور زهير وأمثاله من السراق الذين سرقوا قوت الشعب والمال العام وسرقوا مال اليتيم والفقير هم لا يمثلون العراق! أنهم الدخلاء والعملاء ، أنا ومن مثلي نحن نمثل العراق ونجعل العالم يرفع له القبعات وينحني أجلالا وأكراما له ، نحن أبناء بلد أحتظن 7 حضارات منذ 7000 عام .
ان فوز (نجلة عماد) بالوسام الذهبي في أولمبياد باريس للبارالمبية والذي لم يحصل عليه العراق منذ تأسيس دولته عام 1921 !! ، هو في الحقيقة وصمة عار بجبين أمريكا ومن تعاون معها لأحتلال العراق!! وتدميره ونهب خيراته وثرواته وقتل أنسانه وسلب أرادته . فهناك فرق كبير بين يد كريمة لأنسانة معوقة لا تمتلك ألا هذه اليد ولكنها أستطاعت أن ترفع أسم العراق عاليا بها ، وجعلت العالم كله يقف ويصفق للعراق ولها ، وبين أيادي آثمة كان كل همها أن تسرق قوت هذا الشعب ، وقوت كل الفقراء والمساكين والأطفال ، نعم لقد سرقوا كل شيء ولكنهم لم يستطيعوا سرقة أرادة الأنسان العراقي بأذن الله .
شكرا لنجلة عماد وشكرا لعائلتها الكريمة . لقد كانت نجلة مع الله وكان الله معها ، والله لا يخيب رجاء وأمل من كان معه. فتبا لكل يد آثمة سرقت قوت الشعب والمال العام ، أن كانت يد زهير وغيره ، وطوبى لكل يد خيرة كريمة تقف وتعمل من أجل هذا الشعب والوطن بكل شرف ونزاهة أن كانت يد نجلة أو غيرها.
Sunday, September 15, 2024
هل الشمول المالي متوفر في العراق؟
هل (آلشمول الماليّ) متوفر في العراق!؟
مقدمة : الحكومة العراقية ؛ عجيبة في تشكيلاتها و ديمقراطيتها و نظامها السياسي عموماً, و الأمر من ذلك وعلى سبيل المثال:
ترى وجود شخص مجرم قتل المئات بل الآلاف و دمر أجزاءاً من الوطن ؛ لكنه سرعان ما يصبح المسؤول الأول والرئيس والمقرّر والمنظر والثقل السياسي و... إلخ, و لذلك أصبح النفاق و التزوير و الكذب و المزايدات و التكتلات و العصابات و الأنتهازية والنهب والسلب والتناقض والفساد ظاهرة و ثقافة منتشرة في العراق والصفة المميزة للحكومة والمتحاصصين ولكل السياسيين مع وجود التبريرات الجاهزة لدى الفاسدين!
مسألة الشمول المالي الذي يدعيه الفاسدون في العراق, يفترض أن يعني تحسن الوضع المالي و المعيشي للناس؛ بينما الواقع يكذب ذلك, فآلكذب قد شمل هذاالمصطلح أيضا, خصوصا و أن معظم إن لم أقل كل العراقيين لا يعرفون حتى معناه و أبعاده, حيث صرح مسؤول حكومي بوجود تطور في هذا الجانب وصل مستوى عالياً بلغت نسبة 47% من الشعب , و من المتوقع أن يصل لـ 60% في السنة القادمة و هكذا تتراكم الأعلانات الباطلة و الكاذبة لتخدير الشعب ليتراكم و يستمر الفساد و الظلم لتستمر الطبقة السياسية, و من الدلائل على ذلك, إن العراق سيواجه مشكلة عدم قدرة الحكومة على تسديد الرواتب نتيجة نزول أسعار النفك خلال الشهر القادم, لأن الطبقة السياسية الجاهلة لا تتقن سوى إستلام اموال بيع النفط بعد سماح و تفضّل البنك الفدرالي العالمي عليهم لحجز أكثر من 35% منه كرواتب للسياسيين و البرلمانين و الحكوميين و القضاة و توزيع الباقي كحصص و الفتات منه كرواتب للموظفين لا تكفيهم حتى لسد رمقهم, و هكذا أداروا الوضع في العراق و للآن لم تجرى أيّ تغييرات جذرية في مصادر المال و البنى التحتية و الأنتاج الصناعي و الزراعي و غيرها, فآلطبقة السياسية التي تعاني الجهل المركب تحكم بقوة الحديد و النار المليشياوي بحماية من الأستكبار و لا تمتلك أية رؤية ثقافية أو إقتصادية أو سياسية سوى التحاصص نتيجة إفتقادهم للاسس الفكرية و الفلسفية التي على أساسها تحدد القوانين و يبنى الواقع الأقتصادي و المالي و الصناعي و الزراعي, و من هذا نرى حتى الدستور فيه خللاً كبيراً .. لأن الذين قرّروه لم يكونوا بآلمستوى الفكري و الفلسفي المطلوب فتم تدوينه و ترك الجانب و القانون الكوني الأهم بخصوص العدالة و الحقوق الطبيعية و التنمية البشرية و الحضارية, فإنتشر الفساد نتيجة تعميق الفوارق الحقوقية و الطبقية و الأجتماعية, بحيث بدأ العراق يقترب من الواقع الذي يعيشه الهند من الناحية الأجتماعية, مع العلم أن العراق يعتبر أغنى دولة في العالم.
ماذا يعني الشمول المالي؟ وما أهميته للمواطن ولمحدودي الدخل:
انتشر مفهوم الشمول المالي ، في السنوات الأخيرة ببعض الدول العربية و منها الخليجية بشكل محدود و لم يصل العراق سوى مع بداية هذا العام 2024م، وللشمول المالي فوائد اجتماعية تتمثل في الاهتمام بالفقراء والمهمشين وهو ما يتوافق مع توجهات الدولة ورؤية 2030، كما أن له فوائد اقتصادية وهى الاهتمام بالشركات الصغيرة والمتناهية الصغر والمتوسطة مثل المبادرات التي تبناها البنك المركزي كالتمويل العقاري لمحدودي الدخل. وتحقيق الشمول المالي، يدعم الجهود التي تقوم بها الدول لتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، وتحقيق الاستدامة المالية لمواجهة تحديات البطالة، خاصة أن تعزيز الشمول المالي، ينعكس إيجابيا بين الشباب، بالإضافة إلى تعميق القطاع المالي والمصرفي وتعزيز استقراره وسلامته دوره لخدمة مساعي النمو الاقتصادي الشامل, ويساهم الشمول المالي، في مواجهة تحديات الفقر والبطالة والتنمية، ويمثل حلقة مهمة لتوليد فرص العمل والتخفيف من تأثير التقلبات الاقتصادية والمالية.
ويعني الشمول المالي، أن يكون لكل مواطن حساب بنكي و إعتبار مالي، و تقديم خدمات مالية لجميع فئات المجتمع بأسعار مناسبة إضافة إلى إتاحتها بجميع المناطق الجغرافية بجودة عالية وضمان حق المستهلك, و يقوم الشمول المالي، على 3 ركائز أساسية هي إتاحة الخدمات المالية، واستخدام الخدمات المالية للمواطنين والشركات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر؛ والركيزة الثالثة هي الجودة المناسبة والأسعار المقبولة للخدمات المالية, ويضمن الشمول المالي؛ الحماية المالية للمستهلك والشركات الصغيرة والمتوسطة؛ كما أنه يشمل التثقيف والتوعية المالية؛ ويتضمن الشمول المالي أيضا الخدمات المالية الرقمية, وتوضح بوابة أخبار اليوم، أهم المعلومات المتعلقة بمفهوم الشمول المالي وفوائده للمواطنين وللاقتصاد الوطني، وأبرز الأسئلة والأجوبة الخاصة بها.
ماذا يعني الشمول المالي؟
الشمول المالي، ھو أن يجد كل فرد أو مؤسسة في المجتمع منتجات مالية مناسبة لاحتياجاتھا منھا مثل: حسابات التوفير، والحسابات الجارية، و خدمات الدفع والتحويل، و التأمين، و التمويل والائتمان، وغيرھا من المنتجات والخدمات المالية المختلفة, هذه المنتجات يجب تقديمها من خلال القنوات الشرعية، مثل البنوك و ھيئة البريد والجمعيات الأھلية وغيرھم، كما يجب أن تكون أسعارھا مناسبة للجميع، و سھل الحصول عليھا، كما تراعي حماية حقوق المستھلك.
ما هى أشكال تطبيق الشمول المالي؟
تقوم البنوك المشاركة بفتح حسابات للعملاء الجدد، وتقديم منتجات مصرفية جذابة لجذب المواطنين ممن لا يملكون حسابات مصرفية لوضع أموالهم في البنوك؛ بمصروفات بسيطة، بالإضافة إلى ابتكار أدوات مالية جديدة تعتمد على الادخار والتأمين ووسائل الدفع وليس فقط على الإقراض والتمويل؛ لتلبية احتياجات كل فئات المجتمع, ويشمل تطبيق الشمول المالي، تواجد البنوك خارج مقارها فى المناطق النائية والمهمشة، وأقاليم مصر المختلفة، والنوادي، والجامعات، مع عرض المنتجات المصرفية الملائمة لشريحة المتعاملين.
ما هى أهمية (الشمول المالي) للمواطن؟
الشمول المالي مهم للمواطن، فتطبيق الشمول المالي، يعني أن كل فئات المجتمع تكون لديهم فرص مناسبة لإدارة أموالھم ومدخراتھم بشكل سليم وآمن؛ لضمان عدم لجوء الأغلبية للوسائل غير الرسمية، التي لا تخضع لأية رقابة وإشراف، حتى لا يتعرض المواطن لحالات نصب أو تفرض عليھم رسوم مُبالغ فيھا.
الشمول المالي، سبب رئيسي للنمو الاقتصادي للدولة، ويعمل على تحقيق الاستقرار المالي، فالحالة الاقتصادية للدولة لن تتحسن، في ظل وجود عدد كبير من الأفراد والمؤسسات مستبعدين مالياً من القطاع المالي الرسمي, ويضمن الشمول المالي، قيام المؤسسات المالية بتطوير منتجاتھا، والمنافسة بينهم لتقديم منتجات مالية منخفضة التكلفة وسھل الحصول عليها كما تراعي مصلحة المستھلك.
هل للشمول المالي فائدة لمحدودي الدخل؟
الشمول المالي، يھتم بشرائح كبيرة في المجتمع، وخاصة الشرائح المھمشة أو التي لا تجد منتجات مالية رسمية تناسب احتياجاتھا، مثل الفقراء، ومحدودي الدخل، وخاصة المرأة، وأصحاب المشروعات الصغيرة، والمتوسطة، ومتناھية الصغر، والأطفال، والشباب غيرھم.
الشمول المالي، يضمن أن تحصل كل الفئات على منتجات مالية مناسبة لاحتياجاتھم وظروفھم، مما يؤدي لارتفاع مستوي المعيشة، وبالتالي خفض معدلات الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي للأفراد وللدولة.
كيف يتحقق الشمول المالي؟
يتحقق الشمول المالي، من خلال قيام المؤسسات المالية والمصرفية بتقديم خدمات مالية مناسبة، مع حماية المستهلك، وأن يحصل العميل علي معاملة عادلة وشفافة وعلي الخدمات والمنتجات المالية بكل سھولة وبتكلفة مناسبة، و تزويد العميل بالمعلومات اللازمة في كل مراحل تعامله مع مقدمي الخدمات المالية، و توفير خدمات استشارية إذا احتاجها العميل، والاهتمام بشكاوي العملاء والتعامل معھا بكل حرص, ويجب أن تهتم الدولة بالتثقيف والتوعية المالية، من خلال المؤسسات المالية والمصرفية بالتعاون مع الجھات الحكومية لتستفيد الفئات المستھدفة التي تحتاج للوعي المالي في المشروعات الصغيرة والمتوسطة والشباب والنساء لمساعدتهم على اتخاذ قرارات سليمة.
الخطوات الأساسية لتحقيق الشمول المالي :
عشرة فوائد للشمول المالي :
1- الشمول المالي مهم للمواطن، فتطبيق الشمول المالي، يعني أن كل فئات المجتمع تكون لديهم فرص مناسبة لإدارة أموالھم ومدخراتھم بشكل سليم وآمن؛ لضمان عدم لجوء الأغلبية للوسائل غير الرسمية، التي لا تخضع لأية رقابة وإشراف.
2- الشمول المالي، يضمن عدم تعرض المواطن لحالات نصب أو تفرض عليھم رسوم مُبالغ فيھا، وذلك لأنه يستخدم أمواله عبر وسائل مشروعة مثل البنوك، والمصارف، والبريد، والجمعيات الأهلية.
3- الشمول المالي، سبب رئيسي للنمو الاقتصادي للدولة، ويعمل على تحقيق الاستقرار المالي، فالحالة الاقتصادية للدولة لن تتحسن، في ظل وجود عدد كبير من الأفراد والمؤسسات مستبعدين ماليا من القطاع المالي الرسمي.
4- يضمن الشمول المالي، قيام المؤسسات المالية بتطوير منتجاتھا، والمنافسة بينهم لتقديم منتجات مالية منخفضة التكلفة وسھل الحصول عليها كما تراعي مصلحة المستھلك.
5- الشمول المالي، يھتم بشرائح كبيرة في المجتمع، خاصة المھمشة أو التي لا تجد منتجات مالية رسمية تناسب احتياجاتھا، مثل الفقراء، ومحدودي الدخل، وخاصة المرأة وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومتناھية الصغر والأطفال والشباب وغيرھم.
6- الشمول المالي، يضمن أن تحصل كل الفئات على منتجات مالية مناسبة لاحتياجاتھم وظروفھم، مما يؤدي لارتفاع مستوي المعيشة، وبالتالي خفض معدلات الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي للأفراد وللدولة.
7- الشمول المالي، يعني قيام المؤسسات المالية والمصرفية بتقديم خدمات مالية مناسبة مع حماية المستهلك، ليحصل العميل علي معاملة عادلة وشفافة على الخدمات والمنتجات المالية بكل سھولة وتكلفة مناسبة وتزويد العميل بكل المعلومات اللازمة في كل مراحل تعامله مع مقدمي الخدمات المالية وتوفير خدمات استشارية إذا احتاج العميل والاهتمام بشكاوي العملاء والتعامل بإخلاص معھم.
8- يلعب الشمول المالي، دورا رئيسيا في مواجهة تحديات الفقر والبطالة والتنمية، ويمثل حلقة مهمة لتوليد فرص العمل والتخفيف من تأثير التقلبات الاقتصادية والمالية.
9- الشمول المالي، يدعم الجهود التي تقوم بها الدول العربية لتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار، وتحقيق الاستدامة المالية لمواجهة تحديات البطالة، خاصة أن تعزيز الشمول المالي، ينعكس إيجابيا بين الشباب.
10- الشمول المالي يعمل على تعميق القطاع المالي والمصرفي وتعزيز استقراره وسلامته وتقوية دوره لخدمة مساعي النمو الاقتصادي الشامل.
عزيز حميد مجيد
Saturday, September 14, 2024
مكانة المنهج في الفلسفة الكونية :
موقع المنهج في آلفلسفة الكونيّة :
مسألتان تُحدّدان مصير البشرية إما إلى الشقاء أو السعادة, ما زالتا تشغلان عقل و روح الفلاسفة الحقيقيين منذ ظهور الفلسفة قبل آلاف السنين .. و إشتداد منافستهم مع السوفسطائيين زمن الأغريق و إلى يومنا هذا, و المسألتان ترتبطان ببعض و هما :
ألمنهج؛
تثقيف الناس بإيصال الحقيقة لتوعيتهم؛
و بقت الفلسفة محدودة تصارع و تحاول تأطير الواقع الفكري بمناهج رصينة لتطوير الحياة و سعادة الأنسان و إنقاذه من مخالب السياسيين بمن فيهم التكنوقراط, بل أجزم القول بأن معظم الشهادات الجامعية باتت سدّاً أمام تطبيق المناهج الفلسفية, لذلك تأزمت الأوضاع على صعيد الفكر الأنساني الكونيّ الذي يتناسب و إنعكاساتها على مناحي الحياة المختلفة؛ هو إشتداد المنافسة في العصور الحديثة مع الأتجاهات و الأوضاع السياسيية و الأجتماعية و الأقتصادية المختلفة بسبب الأستقطاب العالمي و سعي القوى للهيمنة على منابع الطاقة!
يضاف لذلك عوامل و إختصاصات أخرى لها مكانة و تأثير بدأت بآلظهور تُنافس و تؤثّر على مسار الفلسفة كعلم الاجتماع و التحليل النفسي أو وسائل الإتصال المتطورة و فنون الإرتباطات المعاصرة و العقل الصناعي و (الدعاية والتصميم والتسويق المُتجددة) و غيرها؛ لذلك علينا ألنظر للفيلسوف بوصفه ألنّبي المُخْلص و المُخَلّص الأقدر و الوحيد للبشرية, لأنهُ صديقٌ للحكمة و يسعى إلى إبداعها و العمل بها، وبوصفه منافساً للآخر الذي يسعى هو أيضاً إلى امتلاكها و التقرب منها.
لائحة الشخصيات الأفهومية ليست مغلقة مع كل فلسفة كبيرة هناك شخصية أو شخصيات أفهومية ترسم. و الشخصية الفلسفية القلقة هذه تكتشف الحقل وتبدع الأفاهيم المناسبة وتبتكرها. لذلك علينا ألا نتجاهل وجود هذه الشخصيات المضمر أو الصريح في كل فلسفة. وعليه، فإن لائحة الشخصيات الأفهومية غير مغلقة وميزات الصديق تتغير.
يقول دولوز "الصديق والعاشق والطامح والمنافس تعينات مجاوزة لا تفقد لهذا وجودها الشديد والمتحرك، في شخصية بعينها أو في عدة شخصيات. والآن، عندما يستعيد موريس بلانشو، الذي ينتسب إلى المفكرين القلائل الذين يهتمون بإعادة الاعتبار لمعنى كلمة "صديق" في الفلسفة، هذه المسألة الداخلية لشروط الفكر بما هو كذلك، أفلا يدخل هو أيضاً شخصيات أفهومية جديدة في داخل المفكر فيه الأشد نقاء، شخصيات قليلة الانتماء إلى الإغريق هذه المرة وآتية من مكان آخر كما لو كانت مرت بكارثة تجرها إلى علاقات حية مرفوعة إلى مستوى الميزات القبلية، تغيير مسار ونوع من التعب ونوع من الضيق بين الأصدقاء يبدل الصداقة نفسها إلى فكر الأفهوم بما هو ريبة وصبر لامتناهيان؟ إن لائحة الشخصيات الأفهومية غير مغلقة أبداً، ولهذا تلعب دوراً مهما في تطور الفلسفة أو تحولاتها، وعلينا أن نفهم تنوعها من دون اختزالها إلى وحدة الفيلسوف اليوناني المعقدة سلفاً" (ما الفلسفة؟ ص 10). مع كورونا تبدل الأمر إذ صار الصديق ينظر إلى صديقه بوصفه خطراً على حياته بل أكثر من ذلك، بوصفه قاتلاً. لكن هل ستتغير طبيعة الصديق بما هو شرط جواني لممارسة الفكر؟ اقرأ المزيد الفلسفة بوصفها جسر عبور بين ثقافات العالم ديكارت رائد الفلسفة الكلاسيكية استهل الأزمنة الحديثة ماذا يمكن أن تقول الفلسفة عن معاناة كوكب الأرض؟في أي معنى نقول إن الفلسفة ولدت عند الإغريق؟ الحاجة الدائمة إلى الفلسفة لكن لماذا لا تزال الفلسفة حية اليوم مع تقدم العلوم الهائل وازدهار الفنون؟ لماذا لا يكون النشاط الفلسفي نشاطاً تابعاً للنشاط العلمي أو نشاطاً خادماً للاهوت؟ يأبى شرف الفلسفة أن تكون خادمة للاهوت أو تابعة للعلم، إذ إنها تمتلك مرجعيتها في ذاتها. إنها نشاط له خصوصيته واستقلاله وحقوله ومشكلاته وأدواته. أدوات الفلسفة الأفاهيم. وكما أن المدينة البشرية لا تعيش من دون علوم إذ إنها بأمس الحاجة إليها في العمران وتدبير شؤون العيش ولا تعيش من دون فنون، إذ إن الحياة مع الفن تصبح أجمل وأرقى، كذلك فإن المدينة البشرية لا يمكنها أن تعيش من دون أفكار، والفلسفة هي المصنع الدائم لإنتاج الأفكار، وفي الأقل للأفكار التي نعبر عنها بواسطة الأفاهيم. مثالاً، لا يمكن العيش في مجتمع ما من دون أن نتساءل عن معنى العدالة والمساواة والتفاوت والتعدد والتمثيل الشعبي والإرادة العامة وحدود استعمال العنف، إلى ما هنالك من اصطلاحات وأفاهيم على الفيلسوف أن يبتكرها ويخترعها. لكن علينا أن نتذكر دائماً أن هذه المصطلحات أو الأفاهيم الفلسفية ليست بقضايا علمية أو منطقية، يمكن أن توصف بالصدق والكذب أو الصح والغلط لأن الفلسفة ليست خبراً عن العالم، إنها تسوق جملاً إنشائية لا جملاً خبرية. تجيب الفلسفة عن أسئلة العقل التي يطرحها بطبيعته. ومن خلال طرحه هذه الأسئلة يسعى إلى تحقيق راحته، وإن بصورة موقتة. لذلك فإن مقولات من أمثال موت الفلسفة أو نهاية الفلسفة أو نهاية المتافيزيقيا ما هي إلا ثرثرات عديمة النفع ومتعبة في نظر دولوز. خلاصة القول أن الفلسفة باقية بحيث لن يستطيع العلم أو النشاطات الأخرى الحلول محلها. لكن الفيلسوف بما هو صديق الحكمة وعاشقها سيبقى يجد حتى داخل الدائرة الجوانية القبلية المجاوزة للفلسفة، منافسين كثراً يدعون عشق صوفيا والتقرب منها. لكن علينا دائماً أن نعمل على تمييز الفيلسوف الحق من الفيلسوف الزائف. وما أكثر الفلاسفة الذين يدعون حب الحكمة، وهم لا يجرؤون على الاستهداء بإرشاداتها المربكة
Thursday, September 12, 2024
لماذا يدّعي ألمالكي «تجريد» السوداني من السلطة!؟
لماذا يدّعي المالكي "تجريد" السوداني من السّلطة؟
رغم ما تناقلت وسائل الأعلام؛ بكون المالكي يشترط «تجريد» السوداني من السلطة؛ بعد اعترافات «التنصت» و فضائح أخرى كسرقة نور زهير و فساد القضاء العراقي في عدم متابعة الفاسدين و نصرة الأطار التنسيقي على حساب التيار الصدري و غيرها من الملقات التي تعصف بـ«الإطار التنسيقي, ودعوى الانتخابات المبكرة؛ إلا أنني أشك بكل ذلك لكونها محاولات يائسة و بائسة لكسب وجذب التيار الصدري لتشويقه للتحالف مع السوداني الذي ليس عنده خلاف حقيقي لا مع المالكي أو أي عضو متحاصص في الأطار التنسيقي!؟
حيث إتفق جميع قادة الأطار على إظهار التشدد و تضيق الخناق إعلامياً و سياسياً على رئيس الحكومة محمد شياع السوداني الذي نفسه يعلم بكل التفاصيل المبطنة بينه و بين المتحاصصين لنهب العراق و العراقيين و تعميق الفوارق الطبقية و الحقوقية أكثر فأكثر، وتتزامن هذه المؤآمرة على خلفية تكاثر الفساد وظهور ملفات عدديدة مع اعترافات حول ملف (التنصت)، وتشير مصادر إعلامية عن أنّ التحالف الحاكم يخوض الآن معركة لكسر العظم قد تفتح الباب لتغييرات عاصفة حسب مصادر إعلامية! بينما الحقيقة هي شيئ آخر تؤكد بأن الأطار التنسيقي بعد فشله في إدارة الدولة و تكثيره للفساد و الأنشقاق بين الشيعة على الأقل إن لم يكن بين السنة و حتى الكورد؛ تيقّن بأنه سيخرج ليس فقط خاسراً؛ وأنما سيتم تقديمهم للمحاكمة على جرائم الفساد التي تمت أبان إلفترة الماضية خصوصا بعد إنسحاب الصدر و ترك الساحة السياسية للأطار الذي أثبت فشله على كل صعيد نتيجة الظلم و الجهل المتعاظم بين صفوف قادته.
واطلعت مصادر إعلامية كـ «الشرق الأوسط» على كواليس اجتماع لـ(الإطار التنسيقي) تمّ تعظيمها و أعلامها أكثر من اللازم، بعد عقده في 26 أغسطس (آب) الماضي، تضمن عرض محضر قضائي عن (شبكة التنصت)، انتهى بطرح نوري المالكي، زعيم "دولة القانون" شروطاً على السوداني أظهر نفسه كمعارض قوي للحكومة مقابل (عدم إجبار الحكومة على تقديم استقالتها مبكراً) كـ(أفلام رعاة البقر)!
وأعلنت مصادر "الشرق الأوسط» شخصيّة قضائية على صلة بالملف، وقياديين اثنين في لإطار التنسيقي، و جرى مقاطعة المعلومات إلى جانب ظهور شخصيات شيعيّة معارضة في البرلمان، قالت إن «السوداني يرفض الرضوخ للمالكي! لأحكام الأكاذيب المفبركة, إلى جانب إستضاف الإطار التنسيقي ممثلاً عن مجلس القضاء، لعرض وقائع بخصوص التنصت، مع اعترافات لأفراد المنظومة! يضاف لذلك أن مصادر إطاريّة إدّعت ؛ أنّ (قادة الإطار استمعوا خلال الاجتماع إلى تسجيلات صوتية لأشخاص كانوا يتحدثون عن مهمات وتوجيهات من أعلى جهة حكومية لمراقبة سياسيين ومسؤولين عراقيين)!
أما ما هي تلك الأخطار و لماذا؟ و ما الهدف منها؛ فلا أحد يعرف ذلك الخطر للآن؟
و المخزي و المقرف؛ أنه خلال الأسابيع الماضية تداول الإعلام المحلي قصصاً لا حصر لها عن التنصت والتجسس، على لسان نواب وسياسيين! من الصعب التحقق من تلك المزاعم المفبركة طبعاً، كما أن الجهات الرسمية المعنية لم تقدم أيّ أدلة واقعية.
كل هذا ولم يفهم أحد لا أعلاميا و لا رسمياً و لا قانونياً ؛ عن السبب و الغاية من كل ذلك التجسس .. سوى تنصت بعضهم على بعض في مسرحية لم أستطع قبول حتى ا إشارة واحدة منها .. سوى كونها ذرائع و خطط لكسب الصدر للتحالف مع جهة من الجهات المتحاصصة لإستمرار الفساد يوماً آخر بعد البقاء في الحكم لسرقة الناس الذين و الكثير من الأعلاميين لا يعلمون ما يجري عليهم, حتى الحكومة العراقية نفسها لم تبيّن حقيقة ما جرى واكتفت بإصدار بيانات مقتضبة وإيقاف موظف في مكتب السوداني على خلفية منشور مسيء!
لكن أيّ تحقيق؟ و على أية قضية؟ و لماذا؟ و ما حدث حتى يتم التعاون لكشف جريمة أو مؤآمرة لم يعلن عنها حتى هذه اللحظة .. سوى كونها تسويف و تمديد للمهاترات كي يلتفوا حول الصدر الذي يعتبروه سهلا و يمكن ترويضه! بينما لا يثق ليس بهم بل حتى بمراجعهم
و المخزي أيضا ؛ أنهم أشاعوا(الأطار مع الحكومة) مسائل مضحكة أخرى منها :
شروط المالكي القاسية و إمكانية عدم إستقالة الحكومة بشروط وووو .... إلخ!!
وتصدى المالكي لملف التنصت بضراوة! و رفض إغلاقه! دون موقف من الإطار التنسيقي، وعرض على السوداني شروطاً مقابل عدم استقالة الحكومة مبكراً تحت وطأة الفضيحة, و لا ندري أيّة فضيحة يقصد بها ؛ وهل هذا (التصنت) أسوء من سرقة ميزانية الدولة لعدة أعوام من دون وجود حساب و لا كتاب و لا قضاء !؟
هل هي أسوء من فضائح السوداني و الشهرستاني و نور زهير و صفقات السكك الحديدة و أموال المشاريع المليارية وغيرها مع باقي "قيادات" حزب الدعوة خصوصا الذين تصدوا لمسؤوليات لم يفهم أفضلهم حتى معنى و عنوان الوزارات و المسؤوليات التي أفسدوا فيها و المالكي أولهم و الذي أعلن فوق كل ذلك؛ كاذباً بكل صدق : أنّ "صدمة" الاعترافات لن تمر دون ردّ فعل حازم!؟ طبعا إعترافات مجهولة على قضايا مجهولة!؟
يضاف لذلك كله؛ لعبة اخرى مفبركة و مشينة و قبيحة للغاية .. وفقاً لمصادر أطارية مغرضة هي؛ إن المالكي اشترط على السوداني [رفع يده تماماً عن جهاز المخابرات و تسليمه إلى (الإطار التنسيقي)، وتطهير المؤسسات الحكومية من أفراد قبيلة السوداني، وإعادة هيكلة مكتب رئيس الوزراء، والتعهد بعدم المشاركة في الانتخابات المقبلة، وحل حزب تيار الفراتين الذين الذي يتزعمه السوداني].
كلمات و شروط معلومة و تافهة حاولوا فيها تعظيم القضية و إظهار الخلاف مع السوداني.. بينما لم تهزهم لا صدقا و لا كذباً ولا حتى في الأعلام السرقات المليارية و ذبح الناس وسرقتهم والظلامات التي تقع كل يوم على كل صعيد! المهم ألاعيب لا تنطلي على ألصدر؟
وأعتقد جازماً أن اندفاع المالكي في هذه الحرب الكاذبة مع السوداني، قد تدلل إعلامياً لمساعي الأخير للعب دور أكبر في الحياة السياسية، وخططه الترشح لولاية ثانية بتحالفات سياسية خارج "الإطار التنسيقي" في إشارة للسر الذي كشفناه آنفاً.
وأكدت المصادر الأعلامية الغاطسة في الأحلام؛ أن رفض السوداني تنفيذ هذه الشروط سيعني الذهاب إلى (انتخابات مبكرة), وقالت: إن المالكي "طرح أحد هذين الخيارين؛ (الشروط) أو (الاقتراع المبكر)؛ و كلاهما لا دافع لهما خصوصاً و أن العالم كله يعرف بأن الموعد الرسمي للانتخابات لا تتعدى السنة, فلماذا و كيف و ما السبب لصرف الملايين على (أنتخابات مبكرة) لا تغيير الواقع, و الغريب و الفاضح ؛ أنّ السوداني يظهر نفسه معارضاً "عنيداً" جداً أمام مقترحات الأطار بينما هو المرشح المفضل لديهم لأنه أنقذهم على الأقل!
فقد أظهر السوداني عناداً كبيراً عبر وسائل الأعلام بإتفاق مسبق طبعا كما أشرنا, للحدّ الذي إستطاعوا تمرير تلك الأكاذيب على وسائل إعلامنا السطحية التي لا تعتمد في نهجها على أية نظرية فلسفية أو شبه فلسفية تهدف للعدالة, إنما تخضع لمؤثرات مالية لذلك أعلنت مصادر إعلامية بأن رئيس الحكومة [يرفض الرضوخ للمالكي], مدّعياً إمتلاكه القوة الكافية لمواجهة ما يسميها بمعركة "لي الأذرع".
ويعتمد السوداني كما يعلن مستشاريه في هذه المعركة على موقعه التنفيذي, و أخيراً حصل على دَفعة سياسية كبرى بإعلانه المزور عن اتفاق عراقي – أميركي على جدول زمني لانسحاب"التحالف الدولي" وهو كذب محظ لأن الحكومة أساسا لم تقدم أي طلب بهذا الشأن لأمريكا! بل أمريكا هي التي تدعم الحكومة العراقية الحالية و بمجرد رفع يدها فأن الحكومة ستسقط خلال يوم واحد.
خلاصة الكلام ؛ إن الإطار التنسيقي تحوّل تدريجياً إلى ديكور يغطي تيارات متصارعة بدأت تنشق و تتشظى لأنهم لا يؤمنون برب و دين و نهج و حتى وطن واحد, بل العامل القوي الذي يربطهم هو الدولار و التحاصص, مقابل تقديم العراق كهدية لمن يدعم بقائهم.
هذا بسبب «عمق الخلافات التي تعود أكثرها بآلأضافة إلى آلهتهم المختلفة؛ تعود أيضاً إلى تبادل الاتهامات بشأن المتهم الرئيسي في سرقة القرن ومن يقف خلفه من الأطاريين خصوصا دولة القانون و القضاء و السوداني و الحكيم حتى تحوّل لأداة لكسر العظام.
و هكذا تفاقم الخلاف الآن حتى داخل الإطار التنسيقي، لأن «السوداني رمى كرة (نور زهير) القضية الحامية الآن في مرمى القضاء، بينما حرَّكت قوى سياسية كبيرة أدواتها الخفية ضد الحكومة و ستتفاقم الأوضاع بمرور الزمن و قرب تدخل التيار في العمل السياسي.
إلى جانب كل هذا؛ هناك عدّة تيارات شبابية واعدة بدأت تنشط في الساحة السياسية, لكنس العتاوي العتيدة التي خرّبت مستقبل العراق.
لذلك فإن الأزمة القائمة ستتركز على أقوى الأحتمالات؛ و هي مواجهة مباشرة بين الأطراف الشيعية و السّنية و حتى الكوردية, و يبقى الحل الأمثل و الأخير بدخول السيد الصدر الساحة السياسية مع برنامج قوي و مدروس و محكم لا يمكن لعشرة أطارات لا إطار واحد من تخريبها هذه المرة, لأنها وضعت عشرة شروط بيّناها في المقال السابق و منها تطبيق العدالة في الحقوق الطبيعية ؛ محاكمة الفاسدين مهما حاولوا الأفلات ؛ الأتفاق الصريح مع قوات الحلفاء لحل أزمة البقاء أو الرحيل .. إضافة لمبادئ أخرى دوّنها في مقالنا السابق.
و ها هو الصدر يقول لكم : لو كنتم صادقين أيها الأطاريون, فلماذا حاربتموني لتشكيل الحكومة الوطنية بعيدا عن التحاصص و كنتُ الفائز الأول في الانتخابات و على جميع الأحزاب و الكتل و القوميات و بلا إستثناء, لذلك أجمعوا امركم هذه المرة بعد فشلكم المبين ليس لنصرتي هذه المرة ؛ بل لنصرة المرجعية العظمى بمعاضدتي لخلاص العراق من الظلم و الفقر و الفساد, أو :
[يا تاركي الصلاة جاءكم الموت]
عزيز حميد مجيد
Wednesday, September 11, 2024
Sunday, September 08, 2024
كيف أعمل ؟ و كيف أنسجم مع ساسة .. ألفاصل الفكري بيني و بينهم عشرات السنين بل نصف قرن و يزيد!؟
كيف أعمل مع من يفصلني عنهم عشرات السنين بل نصف قرن
كيف أعمل ؟ و كيف أنسجم مع ساسة الفاصل الفكري بيني و بينهم عشرات السنين بل نصف قرن و يزيد من الثقافة السياسية و الفكرية و الفلسفية!؟
كتبت سلسلة من عدة حلقات عن سبب تركي للعراق .. قبل سنوات ..و الآن فقط قد بانت للناس ما ذكرته من أسباب لم تكن هامة وقتها!؟
لذلك و ختاماً لما قلته بشأن العمل مع الحكومة و البرلمان و القضاء, أقول :
العمل فاشل مع من يفتقد للنظرة الأستراتيجة و بعد النظر و النزاهة و التقوى السياسية التي ترتبط بأموال و معيشة و حقوق الناس!؟
الفلسفة بوصفها جسر عبور بين ثقافات العالم :
الفلسفة بوصفها جسر عبور بين ثقافات العالم
الباحثة الفرنسية فرانسواز داستور تسعى إلى تجاوز العوائق الفكرية والثقافية
ملخص
تحاول المفكرة والباحثة الفرنسية فرانسواز داستور في كتابها "من أجل فكر بلا حدود: بين الشرق والغرب" سلوك مسار جديد بين الخطابين الفلسفيين الشرقي والغربي، محاولة بأسلوب في غاية الجلاء والعمق تجاوز العوائق الفكرية والثقافية التي يضعها بعضهم أو تلك التي تشكل نوعاً من الهوات والتي قد يعني ترسيمها ببساطة إعلان الحرب بين الشعوب.
تعيد فرانسواز داستور الباحثة والأكاديمية الفرنسية المولودة في مدينة ليون عام 1942 والمتخصصة بفكر هايدغر، في كتابها "من أجل فكر بلا حدود: بين الشرق والغرب" الصادر حديثاً في باريس عن منشورات "ميمسيس"، طرح مسألة المركزية الغربية الأوروبية وإشكالية الحوار مع الآخر بعيداً من منهج الفلسفة المقارنة ووضع الفكر الغربي إزاء الفكر الشرقي. ولعل "إقامة حوار" بين الشرق والغرب هو ما تتطلع إليه نصوصها التي يؤلف مجموعها متن الكتاب، والتي تؤكد كلها ضرورة إزاحة مقولة أن الفكر الغربي هو فكر كوني متفوق، والطعن في المركزية التي يدعيها و"إضفاء الطابع المحلي عليه". ذلك أن الأفكار الأوروبية على عالميتها تنبع أيضاً من تقاليد تاريخية محددة.
هذه الفكرة البديهية هي الرابط المخفي الذي يجب بحسب داستور استعادتها من أجل مقاربة عقلية صحيحة لفكر الآخر وكتاباته. وهي تلاقي فكرة وردت في نصوص هايدغر أكد فيها تنوع طرق الوجود في العالم وعلى ضرورة عدم اختزال بعضها ببعض.
تعالج فرانسواز داستور هذه الموضوعات في كتابها الواقع في خمسة فصول فضلاً عن المدخل والخاتمة.
كتاب "من أجل فكر بلا حدود" (دار ميميزيس)
يبدأ الفصل الأول من الكتاب بمعالجة موضوع تفكيك الفكر الغربي من موقعه كفكر كوني متفوق ومساءلة المركزية التي يدعيها بغية "تقليم أظافرها"، على حد تعبير أستاذ التاريخ واللغات والحضارات في شرق آسيا في جامعة شيكاغو الأميركية الهندي ديبيش شاكرابارتي، الذي تستعين داستور بكتاباته الداعية إلى فهم جديد للحداثة بوصفها حداثات تتموقع في سياقات مختلفة، مما يعيد النظر في المقولات السائدة ويفكك التمركز الأوروبي، فاتحاً الحداثة على إعادة التشكل الكوني خارج مقولة المركزية الأوروبية.
تاريخ جديد
من هنا كان اهتمام الفصل الأول بموضوع كتابة جديدة لتاريخ العلاقات بين الشرق والغرب ومقولات المركزية الأوروبية وما بعد الكولونيالية. أما الفصل الثاني فقد خصـته الكاتبة بموضوع الشرط الإنساني ومسألة اللاعنف في الهندوسية والجينية والبوذية ومفاهيم الخجل والحياء وضبط النفس والمعاناة والألم والحداد، على النحو الذي تتسم به في نصوص الغرب والشرق. وشكلت مسألة العلاقة مع الآخر محور الفصل الثالث من خلال المكانة التي تموضعه الفلسفة فيها، من حيث كونه غير الذات، أي الآخر المختلف أو الغريب أو العدو، أو ضرورة إخضاعه لمماثلة الذات، ومن خلال تفحص النظام الطبقي الهندي وغيره من النظم التي تطرح هذه المسألة.
DASTUR-Françoise.jpg
المفكرة الفرنسية فرانسواز داستور (دار ميميزيس)
أما الفصل الرابع فقد عالجت فيه سؤال اللغة والشعر والحب والمنطق كما تتبدى في نصوص مختارة من التراث الفكري اليوناني القديم والصيني والياباني والهندي والأوروبي الحديث والنظرات التي تتقاطع فيها الفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا. وأخيراً تتناول داستور مفهوم الألوهة والملائكة والوساطة في كتابات هذه الحضارات المختلفة معرجة على زرادشت ونيتشه وفكر سيمون ڤايل في علاقتها مع نصوص الهندوسية المقدسة، من دون أن تنسى في تحليلاتها العميقة إبراز تأثير الفكر الهايدغري على عدد كبير من المفكرين غير الغربيين، بدءاً بالفيلسوف الهندي جرافا لال ميهتا (1912-1988).
على تتالي صفحات هذا الكتاب ومواضيعه المختلفة التي تطرح أسئلة التاريخ والإنسان والإله يتواصل "الحوار الثقافي" بين نصوص الشرق والغرب، وتتداخل المراجع والأسانيد القديمة والحديثة، من هنا وهناك، لتؤلف نسيجاً جديداً جديراً بالاهتمام.
ديكارت رائد الفلسفة الكلاسيكية استهل الأزمنة الحديثة
الكتاب إذاً عبارة عن رحلة فلسفية تقوم بها فرانسواز داستور على خطى سيمون ڤايل، التي وجدت عند اندلاع الحرب العالمية الثانية في الحوار الذي دار بين الإله كريشنا والبطل أرجونا كما تبدى في كتاب الهندوسية المقدس "البهاغافاد غيتا"، صدى ملتهباً لتساؤلاتها المتعلقة بالعنف والقتل والالتزام العسكري. وهو أيضاً عبارة عن تجسيد لدعوة موريس ميرلو-بونتي إلى تعلم النظر إلى "ما هو لنا كغريب عنا، والنظر إلى ما هو غريب عنا كما هو لنا". فيه تحاول الكاتبة من داخل الفكر الأوروبي نفسه تفكيك الخطوط الفاصلة بين الشرق والغرب التي تضع الشرقيين والغربيين على جانبي حدود، يحاول كل منهما انطلاقاً من حدوده رؤية الآخر من خلال قيمه ومقولاته، كمحاولة أوروبا جعل عقلانيتها النموذج الوحيد والمقياس الصحيح لكل فكر إنساني. هذا ما أضفى على كتاب فرانسواز داستور هالة من الأهمية.
فمن خلال تحليلاتها العميقة للنصوص الشرقية والغربية على حد سواء لا تقدم لنا الكاتبة حواراً بين الثقافات وحسب، بل تقدم لنا أيضاً تاريخاً حقيقياً للفكر البشري. ومما لا شك فيه أن هذا الحوار بين الشرق والغرب، الذي أرادته المؤلفة قائماً في نصوص نشأت من لحم الحياة ونجحت في التعامل النقدي معها من منطلق منهجي رصين، لا يعني التقييم الإيجابي أو السلبي وإظهار المحاسن والمساوئ والنقائص في كل من الفكرين، بقدر ما يعني الحفر داخل المتون لإيضاح المعاني والتصورات التي عرفت الكاتبة كيفية استثمار تراكمها المعرفي في حقول الفلسفة والعلوم الإنسانية في الشرق والغرب لفهمها من داخل علاقة جدلية حركت التاريخ المشترك والمختلف للذات والآخر خارج المشروع الكولونيالي والنظرة الدونية لما هو مختلف. وقد عملت هذه المقاربة على تحرير الفكر من أي نزعة مركزية أو نرجسية حضارية تؤدي إلى تقسيم الإنسانية إلى منازل ومراتب، بغرض التأسيس لكيانية إنسانية تفتح فيها الحدود أمام التفاعلات الخلاقة بين الثقافات الشرقية والغربية والقيم الإنسانية المتبادلة في مشترك إنساني جامع.
إن قراءة كتاب فرانسواز داستور "من أجل فكر بلا حدود بين الشرق والغرب" قراءة ممتعة، ستفتح حتماً آفاقاً رحبة تساعد القارئ على فهم واستيعاب التفاعلات بين شرق الأرض وغربها.
ما سبب حيوية الفلسفة في عصر المنافسة الشرسة بين العلوم
ما سبب حيوية الفلسفة في عصر المنافسة الشرسة بين العلوم؟
كتب على أم الحكمة أن تكون حباً من طرف واحد والفيلسوف بين الصداقة والمواجهة
جمال نعيم أكاديمي لبناني
الأربعاء 24 يوليو 2024 12:46
أي مصير للفلسفة في عصر الذكاء الاصطناعي؟ (لوحة أعدها الذكاء الاصطناعي)
ملخص
يدعي الحكيم امتلاك الحكمة ويدعي امتلاك الحقيقة كما لو كان يضعها في جيبه الصغير فلديه إجابات نهائية عن كل سؤال حول الكون والحياة والإنسان والموت، حتى الحياة بعد الموت، في حين يسعى صديق الحكمة أو عاشقها أو طالب القرب منها أو الفيلسوف إلى الحكمة جاهداً لكن من دون أن يدعي امتلاكها
يلاحظ قارئ الفلسفة والمفكر وحتى المثقف والأكاديمي أن الفلسفة تشهد اليوم في العالم الحديث حالاً من الصراع أو المنافسة بينها والعلوم. لكن الفلسفة تعيد بناء نفسها وتتجدد على رغم هيمنة العلوم الحديثة والتطور التكنولوجي السريع الذي يعيشه العالم.
ما برح العقل الفلسفي يبني بل ولا يمل من البناء وإعادة البناء. يقول لايبنيتس "كلما اعتقدت أني وصلت إلى الشاطئ وجدت نفسي مرمياً في عرض البحر". ومن ثم فإن مصير العمارات والأنظومات الفلسفية أن تنهار وتتقوض بسبب غزوات الريبيين والشكاكين بقدرة العقل على البناء أولاً، وبسبب من الروح الفلسفي نفسه الذي يمارس النقد الفلسفي بحرية تامة ثانياً، وبسبب تغير المشكلات الفلسفية والأحداث المجتمعية والفكرية ثالثاً. المثال على ذلك جائحة كورونا إذ إننا لا نفكر بعد كورونا كما كنا نفكر قبلها. وكذلك اليوم مثال الذكاء الاصطناعي وتبعاته التي تصيب الوجود الإنساني برمته. ونستنتج مما سبق أن لا نهاية للتفكير الفلسفي ما دامت طبيعة العقل البشري لم تتغير. لذلك لم تستطع أية فلسفة أن تنهي النشاط الفلسفي وأن تطفئ جذوة التفلسف وأن تضع حداً للتساؤل الفلسفي، وأن تضع نهاية للفلسفة. وتنهار العمارات الفلسفية فتتحول إلى أنقاض. لكن يا لحسن الحظ تبقى هذه الأنقاض مضيئة وصالحة للاستعمال والتوظيف والاستثمار في أي قول فلسفي جديد يناسب العصر ويجيب عن أسئلته. وهذا ما يجعلنا نعود إلى الفلاسفة السابقين الذين لا يمكن تجاهل فتوحاتهم الفكرية أو تجاهل طرق تفكيرهم التي ما برحت خالدة تحمل توقيعهم وبصمتهم.
editorial-deleuze.jpeg
جيل دولوز (الموسوعة البريطانية)
الفيلسوف يسعى إلى نيل الحظوة في عيني صوفيا (الحكمة)
يدعي الحكيم امتلاك الحكمة ويدعي امتلاك الحقيقة كما لو كان يضعها في جيبه الصغير (رجل الدين مثالاً). فلديه إجابات نهائية عن كل سؤال حول الكون والحياة والإنسان والموت، حتى الحياة بعد الموت، في حين يسعى صديق الحكمة أو عاشقها أو طالب القرب منها أو الفيلسوف إلى الحكمة جاهداً لكن من دون أن يدعي امتلاكها، ومن دون أن يدعي الظفر بها. ويقول دولوز في كتابه ما الفلسفة؟ "قد يكون الإغريق هم الذين صادقوا على موت الحكيم واستبدلوا به الفلاسفة أصدقاء الحكمة، هؤلاء الذين يبحثون عن الحكمة لكنهم لا يملكونها بصورة قاطعة" (ما الفلسفة؟ ص 8). وعليه يبحث الفيلسوف عن الحقيقة ولا يكف عن البحث عنها لكنه لا يدعي القبض عليها أو في الأقل لا يدعي القبض عليها بتمامها، إذا جاز لنا أن نقول إن الحقيقة شيء يمكن القبض عليه. فالحقيقة كما هو شائع اليوم مسألة إنتاج لا مسألة كشف وإماطة لثام، مسألة إنتاج لأنه لا حقيقة خارج القول الفلسفي ولأن لكل أنظومة فلسفية حقيقة خاصة بها. وعلينا أن ننتبه هنا إلى أنا لا نعني بالحقيقة هنا حقائق التعرف (هذه طاولة أو هذا قلم مثلاً)، بل نعني الحقيقة الفلسفية بكليتها. حتى حقائق التعرف عليها أن تحجز مكاناً لها في السستام الفلسفي. هل يمكن أن نثق بالحواس؟ أفلا تخدعنا الحواس؟ هل هناك شيطان ماكر يخدعنا؟ كما ذهب إلى ذلك ديكارت الذي حسب أنه لا يمكن الركون إلى الحواس. لذلك لا يمكن في نظر ديكارت القول إن هذه طاولة وإثبات كونها طاولة إلا بعد إثبات وجود الله بوصفه ضمانة لهذا القول. ومن ثم لا يمل الفيلسوف ولا يكل من السعي جاهداً إلى صوفيا (الحكمة) وإن كان مقتنعاً بأنه لن يظفر بها. ويأمل ذلك دائماً. لكن يكفيه أن ينال الحظوة في عينيها، في عيني الحكمة. وفي المقابل، فإن الحكمة ويا لحسن الحظ تتمنع دائماً. كأن عشق الفيلسوف يظل دائماً عشقاً أو حباً من طرف واحد! وهذا ما يساعده على إبقاء شعلة التفلسف متقدة ومشتعلة ومضيئة لديه.
Frans_Hals_-_Portret_van_René_Descartes.jpg
رينيه ديكارت (الموسوعة البريطانية)
الأهم الحفاظ على حركة الأفهوم
لكن عندما تنطفئ شعلة التفلسف لا يعود الفيلسوف فيلسوفاً. وعندما تتوقف حركة الأفهوم تتحول الفلسفة إلى مجرد أيديولوجيا لا تلبث أن تجد نفسها خارج الزمن الذي تعيش فيه، فالمتغيرات تفاجئها دائماً في حين أنها تقف عاجزة عن التفسير. عندما يزعم الفيلسوف أنه قبض على الحكمة وأجاب عن كل الأسئلة تتحول فلسفته إلى عمارة فلسفية جامدة لا تلبث أن تتقوض وتنهار تحت ضربات مطرقة النقد الفلسفي التي تحفز فلاسفة آخرين ليشرعوا في البناء مجدداً. فالفلسفة لا تنفصل عن الشك والريبة. والفيلسوف يسعى إلى إعادة البناء لحسابه الخاص.
يقول دلوز "جدد نيتشه مهمة الفلسفة عندما كتب "على الفلاسفة ألا يعودوا يكتفون بتقبل الأفاهيم التي تعطى لهم لتنظيفها وتلميعها وحسب، بل إن يبدأوا بصنعها وإبداعها وطرحها وإقناع البشر باللجوء إليها. فكل واحد حتى الآن وبالإجمال يثق بأفاهيمه كما لو تعلق الأمر بأعطية إعجازية آتية من عالم ما إعجازي بالدرجة ذاتها"، لكن يجب أن نستبدل بالثقة الشك. على الفيلسوف أن يرتاب أيما ريبة من الأفاهيم ما دام لم يبدعها بنفسه (كان أفلاطون يعلم ذلك جيداً مع أنه علم عكس ذلك). وكان يقول إنه كان يجب تأمل الأماثيل، لكن يجب أولاً إبداع "أفهوم الأمثول". ما قيمة فيلسوف يمكن أن يقال عنه إنه لم يبدع أفهوماً، لم يبدع أفاهيمه؟"(ما الفلسفة؟ ص 11).
1200px-Plato_Silanion_Musei_Capitolini_MC1377.jpg
أفلاطون (الموسوعة البريطانية)
الصديق أم المنافس؟
إذا كان الفيلسوف صديق الحكمة أو عاشقها فماذا يمكن أن يعنيه الصديق بما هو فيلسوف؟ يقول دولوز في كتابه "ما الفلسفة؟"، "الأفاهيم [...] في حاجة إلى شخصيات أفهومية تسهم في تعريفها. والصديق هو تلك الشخصية الأفهومية التي يقال عنها إنها تشهد على أصل يوناني للفلسفة، فقد كان لدى بقية الحضارات حكماؤها في حين يقدم الإغريق هؤلاء ’الأصدقاء‘ الذين ليسوا مجرد حكماء أكثر تواضعاً" (ما الفلسفة؟ ص 8). لكن ماذا يمكن أن يعنيه الصديق في الفلسفة عندما يصبح شرطاً لإمكان التفلسف ذاته؟ فالصديق لم يعد عند الإغريق مثلاً أمبيرياً عينياً، بل صار شرطاً جوانياً لممارسة الفكر نفسه وشرطاً مجاوزاً (transcendantal) لإمكان الفلسفة نفسها. لنقرأ ما يقوله دلوز "وبالمثل أصبح من الصعب بمكان معرفة ما يعنيه "الصديق" حتى لدى الإغريق وخصوصاً لديهم. هل كان الصديق يعني نوعاً من الحميمية القديرة نوعاً من الذوق المادي وإمكاناً ما كما هو حال النجار مع الخشب، فالنجار الماهر [بوصفه نجاراً] للخشب بالقوة إنه صديق الخشب؟ السؤال مهم، لأن الصديق كما ظهر في الفلسفة لم يعد يعني شخصية برانية مثلاً أو ظرفاً أمبيرياً بل حضوراً جوانياً في الفكر، شرطاً لإمكان الفكر نفسه، مقولة حية، ومعيشاً مجاوزاً. ينزل الإغريق مع الفلسفة ضربة قوية بالصديق الذي لم يعد على صلة بآخر، بل بكيان، بأوضوعة، بماهية. [يقال] صديق أفلاطون وأكثر من ذلك صديق الحكمة، صديق الحق أو الأفهوم، صديق الحقيقة وصديق الله... فالفيلسوف خبير بالأفاهيم يعرف أيها غير قابل الحياة، اعتباطي أو قلق، لا يصمد لحظة واحدة، وأيها على العكس جيد الصنع ويشهد على إبداع وإن كان مقلقاً أو خطراً" (ما الفلسفة؟ ص 8-9). وعليه فالفيلسوف بما هو صديق الحكمة وبما هو عاشق صوفيا لم يعد مجرد مثل عيني حياتي، بل أضحى شرطاً من شروط إمكان الفكر بما هو كذلك. لقد صار شرطاً جوانياً أو مجاوزاً لإمكان الفلسفة نفسها. صار شخصية أفهومية. مع الإغريق توقف الصديق عن أن يكون صديقاً للآخر ليصير صديقاً للأفهوم وصديقاً للماهية وصديقاً للحكمة. ومن يتنافس معه على نيل الحظوة في عينيها ونيل رضاها يصبح هو الآخر المنافس. ويقول دلوز "ماذا يعني الصديق عندما يصبح شخصية أفهومية أو شرطاً لممارسة الفكر؟ أو عاشقاً أو ليس هو بالأحرى عاشقاً؟ أو لن يدخل الصديق من جديد حتى في الفكر، صلة حيوية بالآخر الذي كنا ظننا أننا استبعدناه من الفكر المحض؟ أوليس المقصود أيضاً شخصاً آخر غير الصديق أو العاشق؟ لأنه إن كان الفيلسوف صديق الحكمة أو عاشقها، أفليس هذا لأنه يسعى جاهداً إلى التقرب منها بالقوة بدلاً من امتلاكها بالفعل؟ إذاً قد يكون الصديق أيضاً الطامح [الخاطب] وما يقال عنه إنه صديقه هو الشيء الذي يقع عليه الطلب، وليس الشخص الثالث الذي قد يصبح على العكس منافساً. فقد تحوي الصداقة على ريبة تنافسية تجاه المنافس بقدر ما تحوي نزوعاً عشقياً تجاه موضوع الرغبة. وعندما تستدير الصداقة نحو الماهية يصبح الصديقان مثل الخاطب والمنافس (لكن من يميزهما؟)" (ما الفلسفة؟ ص 9). هكذا لا يمكن استبعاد المنافس من دائرة الفكر بما هو كذلك. وجميعنا يتذكر المنافسة الشديدة بين الفيلسوف والسوفسطائي عند الإغريق. أما في العصور الحديثة فقد نافست الفلسفة اختصاصات أخرى كعلم الاجتماع أو التحليل النفسي أو فنون التواصل المعاصرة (الدعاية والتصميم والتسويق). لذلك علينا أن ننظر إلى الفيلسوف بوصفه صديقاً للحكمة يسعى إلى التقرب منها، وبوصفه منافساً للآخر الذي يسعى هو أيضاً إلى امتلاكها والتقرب منها.
لائحة الشخصيات الأفهومية ليست مغلقة
مع كل فلسفة كبيرة هناك شخصية أو شخصيات أفهومية ترسم. والشخصية الفلسفية القلقة هذه تكتشف الحقل وتبدع الأفاهيم المناسبة وتبتكرها. لذلك علينا ألا نتجاهل وجود هذه الشخصيات المضمر أو الصريح في كل فلسفة. وعليه، فإن لائحة الشخصيات الأفهومية غير مغلقة وميزات الصديق تتغير. ويقول دولوز "الصديق والعاشق والطامح والمنافس تعينات مجاوزة لا تفقد لهذا وجودها الشديد والمتحرك، في شخصية بعينها أو في عدة شخصيات. والآن، عندما يستعيد موريس بلانشو، الذي ينتسب إلى المفكرين القلائل الذين يهتمون بإعادة الاعتبار لمعنى كلمة "صديق" في الفلسفة، هذه المسألة الداخلية لشروط الفكر بما هو كذلك، أفلا يدخل هو أيضاً شخصيات أفهومية جديدة في داخل المفكر فيه الأشد نقاء، شخصيات قليلة الانتماء إلى الإغريق هذه المرة وآتية من مكان آخر كما لو كانت مرت بكارثة تجرها إلى علاقات حية مرفوعة إلى مستوى الميزات القبلية، تغيير مسار ونوع من التعب ونوع من الضيق بين الأصدقاء يبدل الصداقة نفسها إلى فكر الأفهوم بما هو ريبة وصبر لامتناهيان؟ إن لائحة الشخصيات الأفهومية غير مغلقة أبداً، ولهذا تلعب دوراً مهما في تطور الفلسفة أو تحولاتها، وعلينا أن نفهم تنوعها من دون اختزالها إلى وحدة الفيلسوف اليوناني المعقدة سلفاً" (ما الفلسفة؟ ص 10). مع كورونا تبدل الأمر إذ صار الصديق ينظر إلى صديقه بوصفه خطراً على حياته بل أكثر من ذلك، بوصفه قاتلاً. لكن هل ستتغير طبيعة الصديق بما هو شرط جواني لممارسة الفكر؟
اقرأ المزيد
الفلسفة بوصفها جسر عبور بين ثقافات العالم
ديكارت رائد الفلسفة الكلاسيكية استهل الأزمنة الحديثة
ماذا يمكن أن تقول الفلسفة عن معاناة كوكب الأرض؟
في أي معنى نقول إن الفلسفة ولدت عند الإغريق؟
الحاجة الدائمة إلى الفلسفة
لكن لماذا لا تزال الفلسفة حية اليوم مع تقدم العلوم الهائل وازدهار الفنون؟ لماذا لا يكون النشاط الفلسفي نشاطاً تابعاً للنشاط العلمي أو نشاطاً خادماً للاهوت؟ يأبى شرف الفلسفة أن تكون خادمة للاهوت أو تابعة للعلم، إذ إنها تمتلك مرجعيتها في ذاتها. إنها نشاط له خصوصيته واستقلاله وحقوله ومشكلاته وأدواته. أدوات الفلسفة الأفاهيم. وكما أن المدينة البشرية لا تعيش من دون علوم إذ إنها بأمس الحاجة إليها في العمران وتدبير شؤون العيش ولا تعيش من دون فنون، إذ إن الحياة مع الفن تصبح أجمل وأرقى، كذلك فإن المدينة البشرية لا يمكنها أن تعيش من دون أفكار، والفلسفة هي المصنع الدائم لإنتاج الأفكار، وفي الأقل للأفكار التي نعبر عنها بواسطة الأفاهيم. مثالاً، لا يمكن العيش في مجتمع ما من دون أن نتساءل عن معنى العدالة والمساواة والتفاوت والتعدد والتمثيل الشعبي والإرادة العامة وحدود استعمال العنف، إلى ما هنالك من اصطلاحات وأفاهيم على الفيلسوف أن يبتكرها ويخترعها. لكن علينا أن نتذكر دائماً أن هذه المصطلحات أو الأفاهيم الفلسفية ليست بقضايا علمية أو منطقية، يمكن أن توصف بالصدق والكذب أو الصح والغلط لأن الفلسفة ليست خبراً عن العالم، إنها تسوق جملاً إنشائية لا جملاً خبرية. تجيب الفلسفة عن أسئلة العقل التي يطرحها بطبيعته. ومن خلال طرحه هذه الأسئلة يسعى إلى تحقيق راحته، وإن بصورة موقتة. لذلك فإن مقولات من أمثال موت الفلسفة أو نهاية الفلسفة أو نهاية المتافيزيقيا ما هي إلا ثرثرات عديمة النفع ومتعبة في نظر دولوز.
خلاصة القول أن الفلسفة باقية بحيث لن يستطيع العلم أو النشاطات الأخرى الحلول محلها. لكن الفيلسوف بما هو صديق الحكمة وعاشقها سيبقى يجد حتى داخل الدائرة الجوانية القبلية المجاوزة للفلسفة، منافسين كثراً يدعون عشق صوفيا والتقرب منها. لكن علينا دائماً أن نعمل على تمييز الفيلسوف الحق من الفيلسوف الزائف. وما أكثر الفلاسفة الذين يدعون حب الحكمة، وهم لا يجرؤون على الاستهداء بإرشاداتها المربكة!
الفلسفة عندما تكون إسلوب عيش في العالم :
الفلسفة عندما تكون أسلوب عيش في العالم
الفلاسفة دعوا إلى الاعتناء بالنفس والعمل على ارتقاء الكائن الإنساني
الفلسفة طريقة عيش (موقع فلسفة)
ملخص
ليست الفلسفة طريقة تفكير تتمثل في إبداع المفاهيم وصوغ المسائل ونظم الأنظومات فحسب، بل أسلوب عيش أيضاً. كانت كذلك في بدايتها، قبل أن تصير تفسيراً للعالم وفهماً له أو تغييراً، وعادت اليوم كذلك. كانت حكمة عملية وتدبيراً حصيفاً لأمور الحياة، بما فيها الموت، قبل أن تصير بحثاً عن العلل الأولى والمبادئ الأوائل.
ما نود معالجته هنا هو الفلسفة بما هي إطيقا فن الوجود، بما هي أنماط حياة وأساليب عيش، بما هي سيرورات تذويت وتقنيات ذات، بحسب ميشال فوكو الأخير. فالفلسفة نمط حياة وأسلوب عيش ونحت ذات وانهمام بالنفس وعناية بها، قبل أن تكون بناء عمارات فلسفية شاهقة أو نظم أنظومات فلسفية متماسكة أو بحثاً عن العلة الأولى. وعليه فالفلسفة لم تكن طوال تاريخها مجرد نشاط نظري فحسب، بل كانت دائماً بمنزلة طريق ملكي إلى الحكمة والحقيقة.
إذاً بدأت الفلسفة تاريخها طريقة في فن الحياة، وأسلوباً في تدبير السلوك والملذات، ونهجاً في اختيار أسلوب الحياة ونمط العيش، تبعد الإنسان بقدر الإمكان من الأوهام وتجعله يتدبر حياته وموته، فتدخل في نفسه نوعاً من السلام والطمأنينة.
بين الأخلاق والإطيقا
علينا أن نميز الإطيقا بما هي اشتغال على أنماط الحياة وأساليب العيش وفن الوجود، من الأخلاق بما هي قواعد عامة ملزمة للجميع، فالحديث هنا ليس عما يتوافق مع الأخلاق وعما لا يتوافق معها، ولا عما ينسجم مع قواعد المجتمع وقوانينه وعما لا ينسجم، بل عن أمر مختلف. فسواء أآمن الناس بالأخلاق أم لم يؤمنوا، وسواء أكانت هناك دولة تطبق القوانين أم لا، يبقى المطلوب من الإنسان أن يشتغل على ذاته ويهتم بنفسه ويجترح نمط الحياة الخاص به.
0945511001188742019.jpg
الفيلسوف والكتب (موقع فلسفة)
لسنا هنا في حقل الأخلاق، بل في حقل الإطيقا بما هي فن وجود، بما هي أساليب عيش وبما هي أنماط حياة يبتدعها الشخص ويرتضيها لنفسه ويعيشها انطلاقاً من علياء شعوره السامي الراقي النبيل. نحن هنا لا نتفلسف في ميدان الأخلاق، بل في ميدان الإطيقا. فما يمنع الإنسان من بعض التصرفات ليس توافقها أو عدم توافقها مع قواعد الأخلاق ومبادئها، بل تعارضها مع نمط الحياة النبيل الذي رسمه لنفسه، وتعارضها مع ما يقتضيه ذلك الشعور السامي الرفيع الذي يشعر به. مثلاً لو كنت موظفاً في مصرف لبناني لما قبلت أن أسكت عن سرقة أموال الشعب من دون أن أقدم استقالتي وأخرج إلى الإعلام لأفضح ما يحصل. فأنا لا أقبل أن أسرق وأقتل وأغش وأخدع، لا لأن هذا يتعارض مع الأخلاق العامة، ولا لأن هذا يغضب الله، بل لأن هذا كله يتعارض مع نمط الحياة النبيل الذي اخترته، ومع فنية وجمالية اللوحة التي أرسمها لنفسي أولاً ولأولادي وأحفادي ولكل الأجيال من بعدي ثانياً، هؤلاء الذين سيفتخرون يوماً ما، كما آمل، بما فعلته وما رسمته وما نحته.
أعمل كثيراً حتى لو لم أحظ إلا بقليل من النجاح، ليس مهماً أن أصل، فهذا أمر متروك للأقدار، بل المهم أني فعلت كل ما كان بوسعي أن أفعله. بذلك أكون رسمت لوحة أراها أروع وأجمل لوحة رسمتها يد فنان قدير موهوب، لذلك أنا راض عما فعلت. فلا مكان في قلبي للندم، ولو عشت ألف مرة لكنت مشيت في الطريق ذاتها، ولكنت رسمت اللوحة ذاتها. ولو عدت للحياة ألف مرة لكانت لوحة حياتي هي ما يجسد عودي الأبدي في كل عودة، فأنا فخور بحياتي وأرحل عن هذه الدنيا وقد أديت قسطي من العلا.
الحياة بما هي تحفة فنية
هذا ما يمكن أن نسميه بالتفلسف الحياتي العملي، فكما يرسم الرسام لوحة بديعة، وكما يكتب الأديب رواية رائعة، وكما ينحت النحات منحوتة جميلة، فإن بإمكان كل واحد منا أن يصنع من حياته تحفة فنية نادرة، لوحة فنية فريدة يفتخر بها أمام نفسه وأمام الجميع. بعمله هذا يكون سعيداً وراضياً، لذلك فإن نحت الجسد لأمر ذو أبعاد كثيرة، صحية وجمالية وفلسفية، وذلك عندما يندرج في إطار فلسفي أوسع يتعلق بفن الوجود ونمط الحياة. هكذا يكون نحت الذات، جسداً وروحاً، نشاطاً فلسفياً بامتياز! وهكذا يتحول كل إنسان إلى فيلسوف. أوما زال الاهتمام بالذات ممكناً اليوم؟
4173457_100_0600.jpg
الفلسفة بريشة باتريسيا دويوسون (صفحة الرسامة - فيسبوك)
يأتي الإنسان إلى الحياة من دون إذنه، فيبدأ مسيرته الطويلة والشاقة. لكن أي نمط حياة نريد؟ أي حياة نود أن نحياها؟ أي ذات نروم نحتها؟ الانهمام بالذات كان هماً من هموم الفيلسوف، وسيبقى. لكن هل ما زلنا اليوم قادرين على الاهتمام بذواتنا والعناية بها في ظل ما نعيشه من أزمات مالية وسياسية؟ هل ما زلنا قادرين على نحت ذواتنا اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي وعصر الإنسان - الآلة أو الإنسال؟ هل ما زلنا قادرين على رسم لوحة حياتنا الفنية في ظل رأسمالية تأبى إلا أن تسيطر بجشع ومن دون رحمة على ثروات المعمورة؟ أفلم تفسد الرأسمالية المتوحشة كل ما هو جميل وحسن في حياة الإنسان؟ أفلا يجدر بنا التنبه إلى ما يمكن أن يؤدي إليه الذكاء الاصطناعي من تهميش للإنسان وربما من القضاء عليه؟ أفلا يستدعي الاهتمام بالجسد اهتماماً آخر أكبر وأهم بالذات؟ أوليس من الفلسفة أن يرسم كل إنسان لوحته الأجمل وأن ينحت منحوته الأفضل، فيجعل حياته نفسها تحفة فنية رائعة، كما نبهنا إلى ذلك فوكو في كتاباته الأخيرة؟
أانماط الوجود
تكلم فوكو عن أنماط الوجود وسيرورات التذويت وتقنيات الذات ضمن إطار ما سماه إطيقا فن الوجود، إذ سعى إلى أن يجعل المرء نفسه تحفة فنية رائعة لا تختلف عن لوحة رائعة أو منحوتة عظيمة. بذلك نقول إن بإمكان الفرد أو الذات، في المجتمعات المعاصرة، أن يتكون وينتصب ويقاوم في ظل الحصار المضروب عليه من أصناف المعرفة وأنواع السلطات القائمة. رجع فوكو إلى الإغريق فوجد عندهم هذا الشعار: إذا أردت أن تكون مواطناً فاعلاً في المدينة، فعليك أولاً أن تتمكن من السيطرة على نفسك.
thumb_30752_paysage_big.jpg
الفلسفة والتأمل (موقع فلسفة)
ومن ثم، عندما لا تتوجه القوة إلى قوى الخارج، بل إلى ذاتها، أي عندما تتخذ القوة نفسها موضوعاً لفعلها، ينشأ ما يسميه فوكو سيرورات التذويت أو أنماط الوجود أو أساليب الحياة، وهي ما كان يسميها نيتشه إمكانات الحياة. بذلك يمكن المرء أن يقاوم أشكال المعرفة ومراكز السلطة من حوله، فالقوة تتعرض لعملية طي من الذات عندما تتخذ موضوعاً لها السيطرة على الذات نفسها وتقديمها بوصفها تحفة فنية رائعة. هذا ما نجده في سيرورات التذويت عند الإغريق وسيرورات التذويت في العهود المسيحية الأوائل، إذ يشدد فوكو على أن أنماط الوجود تلك إطيقية وجمالية في آن واحد. فإنها لا تبتغي تقديم قواعد عامة إلزامية لكل البشر، بل تعرض نماذج لسيرورات تذويت تتضمن قواعد اختيارية ومتغيرة عبر التاريخ. واليوناني لم يكن يريد أن يرضي الآلهة أو يتنعم بالنعيم في الآخرة، فهذه الأمور لم يكن ليهتم بها، بل كان يريد أن يقدم نموذجاً صالحاً، جمالياً وأخلاقياً في آن واحد، يتركه للأجيال المقبلة. لكن فوكو، بعودته للإغريق أو العصور المسيحية الأوائل، لم يكن يبتغي أن نتخذ منها نماذج صالحة لزماننا الحاضر. فهو يفكر الماضي من أجل الحاضر، ويحاول أن يتتبع أنماط الوجود الراهنة التي تحصل في مجتمعاتنا المعاصرة.
الفلسفة بوصفها جسر عبور بين ثقافات العالم
وعليه لا يحبذ الإنسان أن يرحل عن هذه الدنيا من دون أن يترك أثراً، من دون أن يترك لمسة خاصة به، من دون أن يترك بصمة يعرف بها، بل من دون أن يخلد اسمه بطريقة ما. فهناك من يكتب كتباً، وهناك من ينحت منحوتات، وهناك من يرسم لوحات، وهناك من يغني أغاني عاطفية مؤثرة أو أغاني وطنية، وهناك من يبني دولاً، وهناك من يخترع اختراعات إلخ. والفيلسوف هو من يحول حياته نفسها إلى أثر فني، إلى منحوتة رائعة، إلى لوحة فنية، يفتخر بها ويتركها أثراً فنياً جميلاً لمن يجيء بعده، حتى إذا دنا أجله، كان راضياً عن نفسه وعما فعله في حياته.
هكذا ينشغل الإنسان بنفسه فيرسم حياته بريشته كأجمل لوحة فنية ممكنة، ربما لا يرسم الأجمل والأفضل، لكنه يحاول أن يرسم أفضل الممكن نسبة إلى القدرات والإمكانات التي يمتلكها ونسبة إلى الظروف التي تهيأت له. بذلك يترك لأحبائه وأصدقائه والأجيال أمثولة رائعة يفتخر بها، فيها كثير من النجاحات والانتصارات، كما فيها أيضاً كثير من الهزائم والانكسارات.
على المرء إذاً أن يرسم لوحته الفنية الرائعة، وأن ينحت تحفته الأجمل في علاقته بنفسه أولاً، وفي علاقته بزوجته وأولاده ثانياً، وفي علاقته بمواطنيه في المدينة ثالثاً، وحتى في علاقته بالله أو المطلق رابعاً، من دون أن يعتقد وجود نموذج أو مثال عليه تقليده واتباعه.
وعليه فإن الفلسفة بما هي فن إطيقي، بما هي فن الإطيقا، بما هي أسلوب عيش، بما هي نحت لتحفة فنية حياتية رائعة، من مهمتها أن تجعل الحياة ممكنة وجميلة، بل وأن تجعلها ممتعة أيضاً، فنتقبل مآسيها ونتقبل فكرة الموت ونتعامل معها بما يناسب اللوحة الفنية هذه، فالفلسفة نوع من الفرح الدائم.
جان فيولاك و سؤآل المصير الكارثي للبشرية !
جان فيولاك يطرح سؤال المصير الكارثي للبشرية
تنامي أزمات العالم المعاصر وإشكالياته المرتبطة بمسائل التكنولوجيا والرأسمالية المتوحشة والذكاء الاصطناعي
ملخص
في كتابه "ميتافيزيقا الأنتروبوسين: العقل والتدمير" يواصل الفيلسوف الفرنسي جان فيولاك (1971) الذي تندرج أعماله في سياق الفكر الماركسي والفينومينولوجيا الألمانية، والحائز الجائزة الكبرى للفلسفة من الأكاديمية الفرنسية وجائزة سيوران لعام 2023، التفكير في أزمات العالم المعاصر، متأملاً في المصير الكارثي الذي ينتظر البشر، انطلاقاً من مقولات ومفاهيم نيتشوية وعدمية.
في كتابه الصادر حديثاً عن المنشورات الجامعية الفرنسية في باريس "ميتافيزيقا الأنتروبوسين: العقل والتدمير" (2024)، والذي يعد الجزء الثاني لكتاب صدر العام الماضي وحمل العنوان نفسه، يستمر فيولاك في تطوير أنثروبولوجيته السلبية، معيداً تعريف الفلسفة بوصفها "أناركيولوجيا" أي أركيولوجيا متحررة من مبدئها الميتافيزيقي (الأرخيا). هذا التعريف الجديد للفلسفة دفعه باتجاه البحث في الكامن والماضي، إذ مبدأ العماء والفوضى الذي أرست فوقه المؤسسات عبر التاريخ صروحها الفكرية. وها هو ذا يأخذ على عاتقه مهمة تفكيك هذه المؤسسات بغية الكشف عن الهاوية السحيقة التي تتربع فوقها، والتي عملت من دون كلل على إنكارها.
يحلل فيولاك فلسفياً إذاً كيف أن الإنسان، مع اكتشافه العقل وظهور اللوغوس، بدأ في إنكار الجزء الحيواني من طبيعته، لكن المغالاة في هذا الإنكار قاده شيئاً فشيئاً نحو السير على دروب تدمير الأنواع وإمكانية الحياة على الأرض، صائراً بمعنى ما قاتل نفسه، متحولاً من "أنثروبوس" بحسب المصطلح اليوناني الذي يعني الإنسان، إلى "نيغانثروبوس"، أي إلى كائن نافٍ لإنسانيته.
ففي هذا الكتاب الواقع في 472 صفحة يسلط الفيلسوف الضوء على الأزمات المتلاحقة التي تهدد شروط الحياة الإنسانية واستمراريتها، من خلال رسمه للوحة فلسفية قاتمة، تدفعنا للتبصر في الأحوال التي آل إليها الاجتماع البشري.
31VUG5qD0EL._SR600,315_PIWhiteStrip,BottomLeft,0,35_SCLZZZZZZZ_FMpng_BG255,255,255.png
الكتاب الفلسفي عن العقل والتدمير (دار المنشورات الجامعية)
يبدأ فيولاك تحليلاته بالتأكيد أن المصطلح اليوناني "الأنثروبوسين" بات يشير إلى حقيقة أساسية قوامها أن قوة الإنسان قد أصبحت اليوم تدميرية، وأنه صار قادراً على التسبب بانقراض الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية على الأرض. فالتلوث مثلاً جعل الهواء والماء والأرض مملوءين بالسموم، وتسبب بقتل بعض الكائنات الحية وبانقراض بعضها الآخر. أما التكنولوجيا فقد أثرت في صحة الإنسان وعقله، على رغم إعطائها له قدرات هائلة من خلال تطور الذكاء الاصطناعي وصناعة الأسلحة المدمرة التي ستؤدي حتماً لتدمير البشرية، بحيث أمكن الحديث عن "اللوغوسين"، أو موت اللوغوس و"الكابيتالوسين" أو موت الرأسمالية.
دوامة التدمير الذاتي
ليست هذه "اللوحة" السوداء التي يرسمها فيولاك نبوءة أخروية، بل هي حصيلة حقائق ودراسات علمية نشرتها مراكز أبحاث وأكدتها الأمم المتحدة في تقاريرها السنوية، وقد شددت كلها على أن البشرية دخلت في دوامة التدمير الذاتي. ولئن كانت ولادة الفلسفة قد ارتبطت منذ ظهورها بالأزمات والأسئلة أكثر من ارتباطها بالأجوبة، كان التفكر في "الوضع الحرج الذي آلت إليه الإنسانية"، برأي هذا الفيلسوف أكثر من ضروري.
gc-jean-vioulac.jpg
الفيلسوف الفرنسي جان فيولاك (دار المنشورات الجامعية)
ينطلق جان فيولاك من مقولة تؤكد أن المرحلة التي نمر بها اليوم تشكل "أعظم تحدٍ واجهته البشرية في تاريخها على الإطلاق"، ذلك أن هذا التحدي مزدوج: فمن ناحية هناك الأزمة البيئية ومن ناحية أخرى هناك الأزمة المرتبطة بظهور الذكاء الاصطناعي وأخطاره العديدة. بعبارة أوضح، يشدد فيولاك على أن الإنسانية تواجه اليوم أزمة مزدوجة تتناول ليس فقط شروط بقاء الحياة على الأرض، بل شروط بقاء قدرة الإنسان على إعمال عقله وفكره. وهذا بالضبط ما يجعل كتابه لافتاً، لا سيما حين يدرس العلاقة بين هاتين الأزمتين.
تقول أطروحة فيولاك إن الإنسان الذي حدده أرسطو بعقله كائن قادر على التعالي عن غرائزه وعواطفه وعلى تجاوز سائر الكائنات، ولو تعثر في مسراه أحياناً، قد أصبح الآن كائناً مجرداً من إنسانيته. فليس هو هذا "الحيوان المنفصل عن حيوانيته" والمعرض عن طبيعته البيولوجية على حد تعبير نيتشه فحسب، بل هو الآن هذا الكائن الذي جعل من مبدأ العقل مبدأ موته. بعبارة أخرى، هذا "الحيوان العاقل" الذي أعلى من رتبة الوعي أو العقل واعتبره مناط التكليف وأساس المسؤولية والجزاء وأهم محدد للإنسان، الذي بوسعه، عكس الكائنات الحية الأخرى، التفكير المنظم والتعبير عن فكره باللغة والمنطق، قد فوض اليوم أجهزة الكمبيوتر التفكير بدلاً منه، وسلم زمام أمره وثقافته ولغته وذاكرته للآلة، مختزلاً "اللوغوس"، وهو جوهره وكينونته، ببرامج معلوماتية تقطع صلته بجوهره، ولعلها ستقوده حتماً إلى الانقراض، ذلك أنه كلما أمعن الإنسان في الاتكال على الآلة وإضاءة شاشاتها الذكية، انطفأ عقله وتآكلت إنسانيته وزادت مشكلاته البيئية. هذا الارتباط الأساس بين الأزمة البيئية وأزمة العقل الذي يشدد عليه فيولاك في إطار نقده للنظام العالمي الرأسمالي الذي سلب الإنسان علاقته السليمة بالموارد الطبيعية، ينبهنا إلى أن الصراع لم يعد اليوم صراعاً طبقياً وعلاقات اجتماعية غير متكافئة، بل اتخذ صورة من صور "اللوغوس الآلي"، منتجاً قيمة طيفية منفصلة عن الحياة، أصبح البشر فيها أشبه بكائنات آلية انقلبت على جوهرها ليس فقط على مستوى إعادة الاعتبار للأبعاد اللاعقلية والرغبات والعواطف والغرائز، بل على مستوى إنزال العقل من مقامه وتحويله إلى مجرد كينونة هامشية.
الأزمة المزدوجة
في مقاربة أشبه بالحفر أو التنقيب الأثري يعود جان فيولاك إلى جذور الأزمة المزدوجة التي تعانيها البشرية اليوم، فيتوقف عند فيثاغورس، وهو أول فيلسوف اعتبر العدد مقياساً لكل شيء، ولايبنتز، المنظر الأول للعقل المنظم mens ordinatrix، و"للميكانيكية" و"العصر السيبراني"، الذي تجسد أعماله القدرة على التجريد كما تتبين في الميتافيزيقا الغربية منذ بداياتها الأفلاطونية، والروبوت "شات جي بي تي" وقدراته على التحدث مع البشر وفهمه للأسئلة التي يطرحونها والإجابة عنها، فضلاً عن البرمجة ومعالجة البيانات وتطوير استراتيجيات الأعمال، وعلوم الذرة التي لا تنفصل في تطبيقاتها عن "الحرب ضد العالم" التي تحدث عنها ميشيل سير، مشيراً إلى الكارثة الحتمية التي بدأت ملامحها تلوح في الأفق، داقاً ناقوس الخطر، معلناً بدء زمن موت الإنسان الذي تحدث عنه فرويد بسبب انتصار نوازع الموت على نوازع الحياة في انقلاب جذري ترتسم ملامحه في اللحظة المعاصرة. وبغية فهم أفضل لأطروحة الكتاب، يقول فيولاك إن القدرة على الحفظ والتحليل والتأمل والتفكير والمراقبة والرصد والحساب واتخاذ القرارات والاستشراف والتخطيط والتخيل والتأليف والكتابة والتحدث وغيرها من السمات الخاصة بالبشر تنقل اليوم إلى الآلة.
كيف نكتب تأريخ الأفكار التي شكّلت العالم؟
كيف نكتب تاريخ الأفكار التي شكّلت العالم؟
البريطاني فيليب ارميستو يرصد سعي الانسان لاكتشاف الذات والعالم واليوتوبيا المفقودة
سلمان زين الدين
البريطاني فيليب ارميستو يرصد سعي الانسان لاكتشاف الذات والعالم واليوتوبيا المفقودة
لعل الخلاصة المركّبة التي ينتهي إليها قارئ كتاب "الأفكار التي شكّلت العالم" للمؤرخ البريطاني فيليب فرناندز أرميستو، الصادر عن دار الفرقد، بتعريب علي عيسى داود، هي أن العالم منتَج فكري، وأن الأفكار هي التي تشكّله، وأن توليد الأفكار خصيصة إنسانية بامتياز. ذلك "أن التاريخ يحدث أوّلاً في العقل، وأن الأفكار هي الدافع إلى التغيير الاجتماعي"، على حدّ تعبير المؤلف (ص 11).
هذه الخلاصة يصل إليها القارئ باقتفاء أثر الكاتب في رحلته الورقية، منذ فجر التاريخ حتى أواخر القرن العشرين، وهي رحلة محفوفة بالكثير من الأفكار، القديمة والجديدة، وهي موضع درس وتساؤل وتشكيك. فقد يتفق مع الكاتب كلّياًّ أو جزئياًّ وقد لا يفعل، غير أنه بالتأكيد يخرج من القراءة وفي رأسه الكثير من علامات الاستفهام، وهذا ما يمنح الكتاب أهميّته. على أن الأفكار المطروحة فيه تخوض في حقول الدين والعلم والزراعة والفن والسياسة وسواها من الحقول المعرفية. وهي تدخل في صلب اهتمام تاريخ الأفكار الذي يُعنى بدراسة تاريخ الإنسان في سعيه لاكتشاف الذات والعالم والحصول على مفاتيح "اليوتوبيا" المفقودة.
محورية الإنسان
في كتابه، يركّز أرميستو على محورية دور الإنسان في توليد الأفكار وتشكيل العالم، فهو، إذ يقارن بين الإنسان والحيوانات الاجتماعية الأخرى، يستنتج أن ما يميّزه عنها هو العقل، والتفكير، والتخيّل، واللغة، والتغيّر الدراماتيكي. لذلك، يسعى في دراسة هذه الميزات بالتحقيق في الفترة الأقدم في تاريخ البشرية، استناداً إلى الأنثروبولوجيا المقارنة وعلم الآثار القديمة، فيقتفي تمظهراتها في اللوحات المحفورة على الجدران ورسوم الكهوف ومظانّ أخرى. وهو بذلك يخرج عن التفكير التقليدي الذي اعتاد البدء بالدراسة من الحضارة الإغريقية القديمة، باعتبار أن الإنسان موجود قبل الحضارات بـ 150000 سنة، ويقترح البدء من نحو 40000 أو 50000 سنة. وهو ما يقوم به في دراسة كيفية تشكّل فكرة الخالق، انطلاقاً من اكتشاف رموز استخدمها الناس في العصر الجليدي تشكّل أول دليل على الدين، معتبراً أن "الأرواحية" هي النوع الأقدم للدين في العالم، وقد لجأ إليها الإنسان القديم تعويضاً عن قصور الحواس في إدراك العالم، فهذا الأخير ليس مجرّد مادة بل هو مسكون بقوى حية تتحكم بعناصر الطبيعة وحركاتها، ولعل هذا الإيمان بالأرواح، منذ القدم، هو الذي قاد، في سلسلة من الأفكار المتعاقبة، على مرّ الزمان، إلى نشوء فكرة الخالق.
thumbnail_IMG-20231130-WA0012.jpg
الكتاب بالترجمة العربية (دار الفرقد)
على أن فكرة الدين في تعبيراته المختلفة تشغل بضعة فصول في الكتاب؛ فيتناولها في الألفية الأولى قبل الميلاد، بدءاً من فكرة وهم الحواس وقيود المادة التي تقول بها الأوبنشادا السنسكريتية في القرن السابع قبل الميلاد، مروراً بالزرادشتية التي تقول بثنائية الكون، واليانية التي تقول بتحرير الروح من الشر، والبوذية التي تسعى إلى تحقيق السعادة، واللاوية القائلة بقوة العقل وضرورة الطقوس، وانتهاءً باليهودية التي تؤمن بإله واحد يخلق الأشياء من العدم. وفي هذا السياق، يعرض الكاتب نظريات الخلق المختلفة من: العدم، الانفجار الكبير، الفوضى، الذات، والفكر. ولكل من هذه النظريات أتباعها. على أن أكثر من ثلث سكان العالم، حسب رأيه، يؤمنون بنظرية إله واحد يخلق الكون من العدم، وهو ما ذهبت إليه اليهودية، وأخذت به المسيحية والإسلام. ولا يقتصر الخلاف بين الناس على فكرة الخلق بل يتناول أيضاً فكرة الإله بحد ذاتها، بين قائل بتعدّد الآلهة، وقائل بالثنائية، ومؤمن بالإله الواحد. وهو ما تقول به الأديان التوحيدية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام.
هنا، لا بد من الإشارة إلى أن المؤرخ يرصد حركة الأفكار الدينية، خلال الـ 1500 سنة، بعد ما يسمّيه عصر الحكماء وحياة السيد المسيح، فيشير إلى: صعود المسيحية والإسلام وتأثرهما بالعقيدة اليهودية، توسّع المسيحية بفعل مرونتها، انحسار البوذية بفعل الكونفوشيوسية في الصين والهندوسية في الهند، نشوء التصوّف المسيحي في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الميلاديين، ازدهار التصوّف الإسلامي بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلاديين. وخلال هذه المدة، لا سيّما في العصور الوسطى منها، برزت محاولات كثيرة للتوفيق بين الدين والعقل، الدين والعلم، الدين والحياة، الدين والثورة، وغيرها.
الثورة العلمية
الفكرة الثانية التي تشغل حيّزاً ملحوظاً في الكتاب فكرة أرضية وليست سماوية، تتعلّق بالنهضة والتنوير والثورة العلمية، وما تمخّضت عنه من أفكار أسهمت في تشكيل العالم، على هذا النحو أو ذاك. فيشير الكاتب، في هذا السياق، إلى تعدّد اتجاهات الاختراع العالمي، وارتباط النهضة بالثورة العلمية، وتحدّر الأخيرة من أصول هرمسية سحرية، وتوخّي الاستكشاف والتجربة والفلسفة أدوات لتحقيق الإنجازات العلمية. ويلاحظ، بنتيجة الدرس، تجاذب الصين وأوروبا اتجاهات الاختراع العالمي، تشكّل العلوم الإنسانية في العصور الوسطى في أوروبا، تمهيد الهرمسية السحرية للثورة العلمية، تعدّد أدوات المعرفة العلمية، ونشوء أفكار سياسية جديدة مؤثرة في مجرى التاريخ العالمي، من قبيل غائيّة الدولة، وعالمية البشرية، والأممية، ممّا يمكن أن ندرجه تحت عنوان التنوير.
اقرأ المزيد
فهمي جدعان يراجع الفكر العربي المعاصر برؤية نقدية
هل يستطيع الفكر النظري أن يغير المجتمعات الإنسانية؟
على أن هذا العنوان سيتمظهر في أفكار أخرى في القرن الثامن عشر، من قبيل التقدم، الحرية الاقتصادية والسياسية، وضمان الحقوق بالدساتير، حتى إذا ما أزف القرن التاسع عشر، وتمخّض التنوير عن فشل مطبق في تحقيق النهضة، لا سيّما بعد زلزال لشبونة في خمسينيات القرن الثامن عشر الذي شكل نقطة تحوّل في تاريخ الأفكار الأوروبية، وبعد النتائج العنيفة التي ترتّبت على اندلاع الثورة الفرنسية، بحيث اهتزّت الثقة بالتقدّم، أخذت تطفو على السطح أفكار جديدة / قديمة، مثل الإحياء الديني، والحكمة الشعبية، والاكتشافات الإثنوغرافية، والرومانسية، والمثالية، والقومية، والاشتراكية، والنفعية. ولكلٍّ من هذه الأفكار أوصابها وأعطابها. وليس لأيٍّ منها أن تدّعي امتلاك مفاتيح "اليوتوبيا" الأرضية. وكان من شأن هذه الأفكار أن تترك تأثيرات قاتلة على القرن العشرين، جعلت الكاتب يطلق عليه تسمية "قرن الأهوال"، ومنها: القومية، العسكرة، العنف المدمّر، التفوّق العرقي، قصور العلم، عبادة الدولة وغيرها، مما أدى إلى بروز أفكار جديدة خطيرة، مثل الشمولية، العنف الثوري، التفكير العلمي الجديد، وقد لعبت أفكار نيتشه ونظرية تشارلز داروِن دوراً كبيراً في التمهيد للعنصرية والعنف والإرهاب.
إلى هاتين الفكرتين المحوريتين، الدين والعلم، يتطرّق أرميستو إلى أفكار أخرى، تتعلّق بالحياة على الأرض؛ فيتناول انتقال الإنسان من الزراعة إلى الحضارة، عبر سلسلة من الحلقات المترابطة في مجرى التطوّر. تبدأ بالزراعة، وتمر بالتنظيم الاجتماعي وإنشاء المدن وتوليد الأفكار وهشاشة الحضارات البيئية، وصولاً إلى اضمحلالها أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد.
هذه الأفكار لعبت دوراً كبيراً في تشكيل العالم، عبر التاريخ، مما يجعل منه مُنتَجاً فكرياًّ، أوّلاً وقبل كلّ شيء، ويستدعي إعادة تشكيل مستمرّة له، خاصة في هذه اللحظة التاريخية الحرجة التي نشهد فيها انحراف العالم عن مساره الطبيعي، ونواجه جميعاً خطر المصير المشؤوم.
Saturday, September 07, 2024
محاسبة النفس
محاسبة النفس :
حاسب نفسك
أرسل بريدا إلكترونياأغسطس 1, 20220135٬834 دقيقة واحدة
جمعت أغراضي و أمتعتي ، انتظر لحظة البداية
أرتّب أوراقي المهمة
أتفقد كل حاجة ، تكون عدتي في السفر
رغم أن الزاد قليل
و المؤونة لا تكاد تقضي بعض حاجات السفر
كنت أراجع حسابات الرحلة الطويلة
أدقق في دفتري ما كتبته بخصوص لوازم الرحلة
خوفا أن يصيبني ما أصاب بعض المخدوعين
من استهانوا بميعاد الرحلة فقللوا الاهتمام
و لم يجمعوا ثمن التذكرة و لم يوفروا المركب الحسن
الذي يؤمن لهم سلامة الرحلة
في غمرة هذا التأمل استوقفتني لحظات سكون
قلت فيها : كم حظك في استباق الخيرات ؟
ستسافر فكم ادخرت من الأعمال الصالحات ؟
ستسافر فكم كان لك من أعمال البر و الصلة ؟
ستسافر و تنتظر موعد انطلاق الرحلة
هل وفيت عهودك مع من أبرمت معهم المواعيد لتسديد الحقوق ؟
و مازال الواعظ الداخلي يهزني يوخز جوامعي
لأعيد ترتيب لوازم رحلتي
التي لم أستوف بعد شروطها
و لسان حالي، أتمتم بكلمات خاشعات أن يصلح الله حالي و أحوال المسلمين
فيرزقنا الإخلاص في القول و العمل
و يختم لنا بالصالحات قبل الممات و قبل الغرغرة
هو ولي ذلك و الهادي إلى الصالحات .
النزاهة تنعى نفسها :
النَّزاهةُ تنعى نفسَها والقضاءُ يحتضِرُ!
نــــــــزار حيدر لـ [العالَم الجديد]؛
النَّزاهةُ تنعى نفسَها والقضاءُ يحتضِرُ!
١/ كُنَّا نسمعُ ونحنُ صِغارٌ مقُولةَ [إِذا اختلفَ اللُّصوصُ انكشفَت السَّرقات] لكنَّنا لم نكُن نتوقَّع أَنَّ القولَ ينطبِقُ كذلكَ على القُضاةِ عندما يتناطحُونَ! فهذا ما عرِفناهُ اليَومَ على لسانِ القاضي حَيدر حنُّون!.
٢/ ولقدِ اكتشَفنا من خلالِ تصريحاتهِ في المُؤتمرِ الصَّحفي ما يلي؛
*القُضاةُ فاسدُونَ ومرتشُونَ يبيعُونَ ولاءهُم للذي يدفعُ! ومنهُم قاضي النَّزاهة نفسهُ الذي اعترفَ على نفسهِ، والإِعترافُ، كما قيلَ، سيِّدُ الأَدلَّة.
*ملفَّاتُ الفسادِ الكُبرى يتمُّ إِغلاقَها من قبَلِ القُضاةِ على وجهِ التَّحديدِ لأَسبابٍ عدَّةٍ منها الرَّشوة، فالقضاءُ غَير جادٍّ في مُكافحةِ الفسادِ!.
*قرَّرَ القاضي حنُّون من هذهِ اللَّحظةِ إِعلانَ الحربِ [الحقيقيَّةِ] [وليسَت الصُّوريَّة والإِستعراضيَّة] على الفسادِ، من دونِ أَن يُخبرنا عن مصيرِ السَّنتَينِ الماضيَتَينِ هل كانَتا [كامِيرا خفيَّة] مثلاً أَم ماذا؟!.
٣/ تصريحاتُ حنُّون ضربةٌ إِعلاميَّةٌ إِستباقيَّةٌ أَو هرُوبٌ إِلى الأَمامِ.
فبعدَ أَن تكشَّفت خَفايا سرقةِ القرنِ التي استغرقَت حلقاتَها كُلَّ هذا الوَقت، وحجمِ وتشعُّب إِرتباطاتِها بملفَّاتِ فسادٍ عدَّةٍ خطيرةٍ! كشفَ عن بعضِها حنُّون اليَوم، وبرؤُوسٍ كبيرةٍ وتساهُلِ القضَاءِ في التَّعامُلِ معَها لأَسبابٍ عدَّةٍ، حتَّى وصلَ الماءُ إِلى ذقنِ القاضي، فكَّرَ في أَن يتغدَّى بمنافسِيهِ قبلَ أَن يتعشَّوا بهِ على قاعِدةِ [الهُجُومُ أَفضلُ وسيلةٍ للدِّفاعِ].
٤/ مرَّةً أُخرى، وأَتمنَّى أَن تكونَ الأَخيرة، يقفُ القَضاءُ على المحكِّ، فإِمَّا أَن يُدافِعَ عن نفسهِ فيرُدَّ التُّهَم التي وجَّهها لهُ القاضي حنُّون، ويقنعَ الرَّأي العام العِراقي بأَنَّهُ مازالَ نزيهاً لم يتورَّط بفسادِ السُّلطةِ وأَحزابِها وزعاماتِها الفاسِدة، أَو أَنَّهُ سيفشَل في ذلكَ ليتأَكَّد وقتَها العِراقيُّونَ بأَنَّهُ باتَ جُزءاً لا يتجزَّأ من منظُومةِ الفسادِ في الدَّولةِ ليسدُلُوا السِّتارَ على مرحلةٍ تنتهي كانُوا يظنُّونَ أَنَّ القضاءَ عادلٌ ونزيهٌ وشُجاعٌ وأَنَّهُ فوقَ الشُّبُهاتِ ولا يخضَعُ أَو يستسلِم للإِبتزازِ مهما كانَ حجمهُ ومصدرهُ.
ليُبادِر القضاء قبلَ أَن يقرأَ العراقيُّونَ الفاتِحة على الدَّولة ومُؤَسَّساتِها، فالدَّولةُ بقضائِها كما نعرِفُ وهوَ أَوَّلُ وآخرُ وأَقوى سدٍّ منيعٍ في مُواجهةِ الإِنحرافِ عن مساراتِ الدَّولةِ، فماذا يبقى إِذا انكسرَ هذا السَّدُّ وانهارَ؟!.
سرقة سكك الحديد أكبر من سرقة القرن
سرقة سكك الحديد أكبر من سرقة القرن!
بعد أن كانت سرقة الأمانات الضريبية والتي أطلق عليها (سرقة القرن) فإن صفقات الفساد المرعبة
تتواصل من صفقة القرن وما تلاها الى مشاريع سكك الحديد والتي وصلة قيمة الفساد فيها الى أكثر من 22
مليار دولار وسط صدمة وذهول شعبي مما يحصل في العراق من فساد وصل الى مراحل خطيرة جدا.
من صفقة فساد مدوية إلى أخرى زلزال اهدار الأموال وهزاته لا يتوقف ليضرب هذه المرة قطاع سكك
الحديد بعقد كلفته ٢٢ونصف مليار دولار مع مجموعة شركات كورية إضافة إلى شركة تابعة لبطل سرقة
القرن المتهم الهارب نور زهير بالتوقيع مع وزارة النقل رقم أكبر من فلكي بل حتى أن سرقة القرن بالنسبة
له قد تكون بسيطة لهذا الحجم المرعب من الفساد كان صادم ومخيفاً.
هذا العقد المالي الضخم والذي يتجاوز موازنة ثلاثة دول مجاورة مجتمعة، لا يمكن حتى لوزير التوقيع عليه
وبالتالي يتم وضع ألف علامة استفهام عن ما يجري في ادارة اموال الدولة والتي قد تضع العراق في خانة
الافلاس بالأيام المقبلة أو المستقبل القريب.
وفي تصريح للنائب (ياسر الحسيني) أن مبلغ سرقة السكك هو 22.5 مليار دولار وقابلة للزيادة ووفق
المعطيات ووفق العقد الموجود، قد تصل إلى قرابة 40 مليار دولار وهذه أرقام واقعية وفق بنود العقد
الموجودة مشيراً إلى أن هناك وزراء إذا دخلوا قبة البرلمان سيخرجون مجرد مواطنين، فقط 4 أو 5
وزراء أحسنوا الأداء ولديّ ما يثبت هذا.
صفقة الفساد الجديدة تعادل 10 أضعاف سرقة القرن، وأكد نفس النائب أنهذا العقد يرهن النفط العراقي،
وبعكسه فإنه يتضمن إلزاما قانونياً لتسديد مبلغ العقد والبالغ 22 مليار دولار ونصف المليار.
علماً أن قانون الشركات يسمح بالتعاقد مع القطاع الخاص وهذا ما سمح للشركات استغلال هذا البند
لتبرم عقداً يتيح للشريك الخاص تولي المشروع لمدة 37 سنة.
وهذا العقد يتضمن تسليم النفط بأسعار أقل من السعر الرسمي، مما سيحقق للشركات أرباحاً إضافية تقارب
10 مليارات دولار.
ومن الأمور التي أكد على فساد هذه الصفقة قول النائب المذكور أن العمل المتوقع تنفيذه بموجب هذا العقد
يتضمن 700 كيلومتر من السكك الحديدية فقط، مع توفير مئة مقطورة وسيارات خدمية بقيمة لا تتجاوز 4
تريليون دينار.
العراق أصبح البلد رقم (1) بين دول العالم بعدد السرقات وكمياتها، لن نتكلم عن سرقات عادية إنما نتكلم
عن سرقات مهولة، ففي سنة (2004) لم يصادق البرلمان على الموازنة وتبخرت الموازنة ولم تكن هناك
تسوية سنوية وقد اختفت وذهبت الأموال إلى جيوب الفاسدين، وتلتها سرقة الكي كارد وانتهت مثل سابقتها
إلى جيوب الفاسدين، ولا ننسى سرقة وزارة التجارة والتي بطلها الداعية (فلاح السوداني) والتي انتهت
بمسرحية هزيلة، وصلنا إلى سرقة تم توصيفها بسرقة القرن لضخامتها، وصلنا اليوم إلى سرقة تعادل صفقة
القرن (10) أضعاف سرقة القرن،.
وهنا نصل إلى أن المنظومة السياسية الحاكمة تسعى إلى نهب الأموال في سباق محموم لم تصل لها أي
مرحلة من مراحل حكم هذه المنظومة فاسدة منذ عام (2003) وإلى الآن بعد أن كانت السرقات بملايين
الدولارات تحولت السرقات إلى مليارات الدولارات وكأن البلد على شفا حفرة ويجب أن يحصلوا على هذه
الأموال قبل انهياره.
والسؤال الذي يبحث المواطنين أو المختصين على حد سواء عن إجابة عنه، إذا سرقة الأمانات الضريبية
أطلق عليها سرقة القرن فماذا يمكن أن نطلق على سرقة السكك الحديدية؟؟.
شارك هذا الموضوع:
Thursday, September 05, 2024
العالم يحتاج آلفيلسوف أكثر فأكثر كلما إمتدّ الزمن :
العالم يزداد حاجته للفيلسوف كلما إمتد الزمن
الفيلسوف رقيب الزمان وحاكم الوعي وراعي الفكر. ليس هذا القول نابعاً من أوهام النخبة، بل مرتبط بالوظيفة التنويرية الاستثنائية التي يضطلع بها الفيلسوف في مجتمعه. قلة من الناس تدرك مقام الفيلسوف الحق في معترك الحياة الاجتماعية اليومية. يطلقون عليه صفات شتى، وينعتونه في بعض الأحيان بالمنظر المعتزل المنكفئ الساكن في برجه الأثيري العاجي وقلعته النظرية الحصينة، بيد أن عبر التاريخ أظهرت لنا أن أفكار الفلاسفة حركت المياه الآسنة في غير سياق من سياقات الزمن الحضاري القديم والوسيط والحديث والمعاصر. لا بد، والحال هذه، من إعادة النظر في مقام الفيلسوف وهويته ووظيفته ودعوته حتى ننصفه ونعامله المعاملة التي تليق برسالته التنويرية الجليلة.
الفيلسوف "حبيب المعرفة"
يمارس الفيلسوف رسالة الفلسفة، والفلسفة تضطلع بمهمة جليلة تستوجب إدراك العلوم، وإتقان المعارف، ورعاية الحكمة. لا شك في أن الثالوث المعرفي المؤلف من العلوم والمعارف والحكمة يؤهل الفيلسوف لفهم كينونة الكائنات، وماهية الوجود، وجوهر الزمان، ومعنى الحياة. فالعلوم، وقد اطلع على خلاصاتها، ضرورية حتى لا ينطق بالضلال، والمعارف، وقد أحاط بمضامينها العامة، أساسية حتى يتقن فن الاستدلال والربط والاستخلاص، والحكمة، وقد اعتنقها اعتناقاً وجودياً، لا غنى عنها على الإطلاق حتى يضطلع برسالة الفلسفة. وعلاوة على ذلك، يحرص الفيلسوف على تهذيب أخلاقه وأخلاق الناس، إذ إن الحكمة الفلسفية لا تستقيم إلا بالمسلك النبيل. أعلم أن سير الفلاسفة ليست كلها على البهاء الذي نفترضه فيها، بيد أن المقاصد الفلسفية غالباً ما تنطوي على أشرف المضامين الإصلاحية.
من الضروري العودة إلى الجذر اليوناني الذي منه اشتق اصطلاح الفلسفة، ذلك بأن فعل فيلين (philein) إنما يدل على أمرين: البحث عن المعرفة أو الحكمة (sophia)، وأيضاً محبة الحكمة. ومن ثم، تشير الفيلين اليونانية إلى معاشرة الحكمة، وتقبيل خديها، والاستمتاع بمحضرها، وعشق روحها، والاحتفاء بها وخدمتها. فالفيلسوف إنسان الثقافة الراسخة، والمعرفة المنفتحة، والسعي العلمي الرصين، والاستقصاء الفكري المعمق الدقيق. حين تجتمع هذه الصفات في الإنسان، يستحق مقام الفيلسوف.
Raffael_067.jpg
أفلاطون بريشة رافاييل (متحف البندقية)
ومع ذلك، كان مخترع اصطلاح الفلسفة عالم الرياضيات اليوناني فيثاغورس (نحو 580 ق م – نحو 495 ق م) يرفض رفضاً قاطعاً أن يدعوه الناس حكيماً (sophos)، إذ إن امتلاك الحكمة، في نظره، من خصائص الآلهة وامتيازاتهم. اللقب الأعز على قلبه كان "حبيب المعرفة" (philosophos)، أي الفيلسوف الذي يعشق الحقائق العلوية السماوية السرمدية الإلهية. والإلهيات، في زمن الإغريق الأوائل، كانت تدل على علم الأصول والمبادئ والحقائق الجوهرية.
ثمة فرقة يونانية أخرى كانت تمتهن المعرفة وتسعى إلى العلم، ولكن من غير أن تعشق فضيلة الحكمة وتتوق إلى الحقائق الأسمى. اشتق اسمها أيضاً من اصطلاح الحكمة اليوناني، ولكنه أتى على صيغة مختلفة (sophistès) تدل على الإنسان المتخصص بالمعرفة، بيد أن هؤلاء السوفسطائيين كانوا يتلاعبون بالمفاهيم والمقولات والاصطلاحات والكلمات، فيجعلون الأبيض أسود، والأسود أبيض، شرط أن ينبني حجاجهم على مقتضيات التماسك المنطقي الظاهر، لذلك رشقهم أهل الحكمة الفلسفية بتهمة الاتجار بالمعرفة وتشويه الحقائق وادعاء العلم.
الفلسفة بين تخزين المعرفة وفن التفكير
بناءً على ذلك، يمكننا أن نميز في شخصية الفيلسوف صفتين اثنتين: حب المعرفة والعلم والحكمة، والرغبة في تهذيب ملكات الفكر واكتساب مهارة التناول العقلاني والتحليل الموضوعي. وقد تناسب الصفة الثانية فرادة الإنسان الفيلسوف، إذ إن إتقان فن التفكير أعلى مقاماً من تخزين المعارف وتكديس المعلومات ومراكمة الاختصاصات العلمية. كان الفيلسوف الألماني كانط (1724-1804) شديد الحذر من عمليات التضلع والتبحر والتوسع. فاكتساب المعرفة ليس فلسفة، إذ إن الفيلسوف ليس بالضرورة بحراً للعلوم ومحيطاً للمعارف وحافظاً للأفكار ومستوعباً للتصورات، بل صاحب الفكر المنفتح والنظر الصائب والحكم السديد. لا يقتصر حب الحكمة على دراسة النظريات الفلسفية، بل يتجاوز هذا المستوى من الاستقصاء ليغوص على معاني الوجود، مستنداً إلى ما اكتنزته اختبارات الحكماء والقدماء.
بين المثقف الإعلامي والفيلسوف الملتزم
web-marwan-rashed-ima.jpg
إبن رشد (موسوعة الفلسفة العربية)
لا ريب في أن الفلسفة فن التفكير النقدي في حقائق الوجود. كل فيلسوف لا يرضى أن يعيد النظر في جميع البناءات والعمارات والأنظومات والأنساق والهياكل لا يستحق الانتساب إلى محفل محبي الحكمة. ومن ثم، فإن الفيلسوف الحق إنسان مستنير جريء اكتسب مهارة التفكير النقدي الموضوعي البناء. فأخذ يتدبر المبادئ والأصول والأسس والخلفيات والمستندات والفرضيات التي تنعقد في تصورات الناس والمجتمعات والأمم والحضارات، فضلاً عن ذلك، يتميز الفيلسوف باعتصامه الصادق بمقاصد الرفعة الأخلاقية، إذ إن الفلسفة أيضاً فن الحياة الشريفة. نادراً ما يتساكن الفكر الفلسفي والفساد المسلكي أو قل الفجور السياسي في المدينة الإنسانية الواحدة، لذلك يستحيل على الفيلسوف أن يخالط أهل الفساد والضلال والانحراف الأخلاقي. بما أن الفلسفة فن الحياة الراقية، فإن الفيلسوف ما برح يجتهد في انتهاج سبيل الحكمة من أجل بلوغ السعادة الحق. من جراء هذا التساكن بين الفلسفة والصلاح، كان الأقدمون ينعتون الفيلسوف بالإله المائت الذي يطوي أيامه بين الناس حاملاً مصباح الاستنارة.
أما الميزة الأبرز في مسلك الفيلسوف، فالتناغم الجوهري بين الفكر والقول والفعل، ذلك بأن حبيب الحكمة يجرؤ جرأة عظيمة حين يصور للآخرين مثال الإنسان التائق إلى الكمال، فلا يكتفي بصوغ المبادئ ونحت الحقائق وسن الأحكام، بل يجهد في أن يحيا حياة توافق اقتناعاته الفلسفية. لا تقتصر رسالة الفيلسوف على الكشف عن الأفكار السامية، بل تنطوي أيضاً على مهمة حياتية جليلة تستوجب التزام المبادئ، وتجسيد القيم، والنضال في سبيل أنسنة الإنسان. ومن ثم، ينكشف لنا الاختلاف الخطر بين الفيلسوف الذي يحيا وفقاً لمقتضيات الحكمة، والمثقف الذي يفصح عن آرائه في الأحداث من غير أن يلتزم التزاماً كيانياً وجودياً. قد يكون المثقف المعاصر الذي يمتطي المعرفة مهنة إعلامية أقرب إلى شخصية السوفسطائي الإغريقي القديم.
معايير تصنيف الفلاسفة
لا يخفى على أحد أن لقب الفيلسوف لا يحمله عندنا كثير من علماء الفكر، إذ إنه ينطوي على معاني التألق والإبداع والإنجاز الأصيل. في غالب الأحيان يخلط الناس بين مراتب شتى من التفلسف، لذلك لا بد من تمييز مراتب الفلسفة حتى تستقيم التسمية في أذهاننا. قبل ذلك، أود أن أذكر بالممارسات المختلفة التي نصادفها في بيئاتنا الجامعية والأكادمية والثقافية. أعتقد أن المجتمعات العربية تحتار في أمر التسمية، إذ تكتفي بعبارات ضبابية لا تفصح عن ماهية الوظيفة الاستثنائية التي يؤديها الفيلسوف. أما التنازع الأشد فأعاينه في الأوساط الجامعية العربية التي لا تستحسن إطلاق لقب الفيلسوف إلا بعد مكابدة وعناء وجدل منهك. السائد أن يدعى الفلاسفة بالمتفلسفة، ولكن من غير ازدراء أو تسخيف، أو بأهل الفكر الفلسفي، أو بأساتذة الفلسفة، وذلك كله تخفيفاً لوطأة الرسالة الفلسفية على وعي الفلاسفة أنفسهم ووعي الناس على حد سواء. أعتقد أن الإحجام عن منح لقب الفيلسوف في الأوساط الثقافية العربية يرتبط بأمرين متناقضين: الحقيقة المثالية التي تفرض على وعينا أن يكون الفيلسوف من أهل الإبداع الفريد، والحقيقة المخجلة التي تجعل كل أساتذة الفلسفة، من أكسلهم إلى أنشطهم، يرغبون في أن يدعوهم الناس بالفيلسوف الألمعي.
من الإنصاف أن يميز المرء أربع فئات: أبداً بأهل المعرفة العامة الذين يكتسبون من جراء مطالعاتهم وقراءاتهم ثقافة فلسفية رصينة تؤهلهم للمشاركة في مطارحات المجتمع الفكرية الناشطة في مسائل شتى من حياة الناس، ثم انتقل إلى أساتذة الفلسفة الذين يدرسون الفلسفة في المدارس والثانويات والمعاهد والجامعات، بفضل الخلاصات التعليمية الثمينة التي أنضجوها في مداركهم، يتسنى لهم أن يكتسبوا معرفة فلسفية موثوقة تؤهلهم لمواكبة تطور الفكر الفلسفي المحلي والعالمي. أمضي بعد ذلك إلى الفلاسفة الباحثين والمؤرخين الذين ينظرون في تاريخ الأفكار الفلسفية ويحللونها، ويستجلون مضامينها، ويستصفون جواهرها، ويتأولون حدوسها، ويستثمرون فتوحاتها، هؤلاء الفلاسفة الباحثون يمتلكون من الفهم الفلسفي ما يؤهلهم لصوغ أحكام المقارنة والتقويم، وتدبر مسار الفكر الفلسفي واستطلاع آفاقه. أما الفئة الأخيرة فينتسب إليها أصحاب الأنظومات الفلسفية الجديدة، أو التصورات الفلسفية المبتكرة، أو الآراء الفلسفية الفذة، أو الحدوسات الفلسفية الأصيلة. أعتقد أن الفئة الأخيرة هذه، على ندرتها، تحتكر في مجتمعاتنا العربية لقب الفيلسوف الحق، في حين أن المجتمعات الغربية لا تستنكف من منح الفئات المذكورة، ما عدا الأولى، لقب الفيلسوف، ويقينها أن كل من تعاطى مهنة التفكير الفلسفي، مهما تنوعت مقادير إبداعاته، يستحق هذا اللقب.
raphael-sanzio-ecole-athenes-vatican-rome-04.jpg
مدرسة أثينا الفلسفية بريشة رافاييل (متحف الفاتيكان)
في سياق المشروع التأريخي الفلسفي الذي أشرف عليه من أجل ترصد البناءات الفلسفية المعاصرة في الأوطان العربية، وضعت بضعة من المعايير الاستنسابية التي تجعلني أصنف نتاج الفلاسفة العرب المعاصرين. أغتنم الفرصة لأذكر بما سقته في مقدمة كتاب "الفكر الفلسفي المعاصر في لبنان" (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2017): "من البديهي القول إن الفلسفة صناعة وجودية تنغل في تعابير الذات الأصيلة المبتكرة. فكل ذات لبنانية أصيلة مبتكرة خليقة، والحال هذه، بأن تأتي بإسهام فلسفي. إلا أن البحث اقتصر، في تخير الفلاسفة اللبنانيين المعاصرين هؤلاء، على الذين اكتملت لديهم أربعة من الشروط الأساسية: دراسة الفلسفة دراسة أكاديمية وإنجاز أطروحة الدكتوراه في حقل من حقول الفلسفة، وتعليم الفلسفة في الجامعات والمعاهد الأكاديمية العليا، والتفكير والبحث والنشر في حقول الاختصاص الفلسفي المحض، والإتيان بأنظومة فلسفية متسقة جديدة، أو بتصور فلسفي أصيل، أو بحدس فلسفي مبتكر، أو حتى بتناول فلسفي فتاح، لذلك أعرض الكتاب عمداً عن فئتين: أساتذة في الفلسفة من النجباء اللامعين في الجامعات والمعاهد اللبنانية، ومتمرسين بالفكر من أهل الحكمة والتبصر المتقدين الذين لمعوا في أفق التفكر الإنساني في سياق الاجتماع اللبناني المعاصر. والفئتان هاتان قد تنطوي أعمالهما على أبعاد فلسفية جليلة. وقد يخرج من بيننا من يعنى بترصد هذه الأبعاد ودراستها. غير أن انعقاد الشروط الأربعة المذكورة حصر اللائحة بأسماء الفلاسفة اللبنانيين المعاصرين هؤلاء".
الفيلسوف في المجتمعات العربية
من الواضح، والحال هذه، أن الفيلسوف ما برح يجسد مثال الإنسان الذي يملك القدرة على التفكير الذاتي النقدي البناء، من غير أن يخضع للثقافة السائدة، أو للأنظومة المهيمنة، أو للمذهب الرائج، أو للتيار الشائع، بيد أن هم الفيلسوف يملي عليه أولاً أن ينهج سبيل الاستقامة الفكرية والمسلكية حتى يستطيع أهل المجتمع الذي ينتمي إليه أن يستدلوا على الصراط القويم. ليس على الفيلسوف سوى الإشارة. أما الالتزام فينهض إليه الناس، وقد استناروا بما استخرجه لهم من نضيج الآراء وسليم التصورات وسديد التوجهات، لا سيما في ما يتعلق بأصول الحياة الصالحة، المستقيمة، العادلة، السعيدة.
أعلم علم اليقين أن الفيلسوف يختبر غربة الوجود، ويحيا في عزلة التأمل، ويعاني لا مبالاة المجتمع، مما يجعله يقنع بمصيره التوحدي، بيد أن هناك فئة من الفلاسفة يرغبون في معاركة الدهر، ومقاومة الظلم، واستصلاح الاجتماع الإنساني بالفكر والقول والفعل. فإذا بهم يعتلون المنابر ويخطبون في الساحات العامة، ويلتئمون في الحركات الاجتماعية والسياسية الإصلاحية، محذرين من انحراف الأيديولوجيات، وبطش السلطان، وجشع الشركات الإنتاجية العالمية، واحتكارية القرار العلمي الكوني.
أما في المجتمعات العربية المعاصرة، فالفيلسوف ما فتئ يحيا في البحث عن مقام يليق به، ووظيفة تناسب دعوته، ودور يلائم رسالته التنويرية. في أغلب الأحيان، ألاحظ قدرة فائقة على المسايرة الحكيمة، إذ إن الفيلسوف العربي المعاصر يتكيف ويتأقلم ويلاين ويساوم حين يدرك بحدسه العملاني وفطنته المتوارثة أن التاريخ يتقدم ببطء، لذلك يؤثر التروي والتصبر، عوضاً عن المجابهة التي قد تفتك به فتكاً ذريعاً. من الفلاسفة من يرفض المسايرة، فتدوسه عجلات التاريخ بلا شفقة، ومنهم من يساير حتى المساومة والتزلف، ومنهم من يراقب بحكمة مسار الأحداث حتى يتبين له أن الوقت قد حان من أجل الدعوة إلى تحول جديد، أو تغيير ضروري، أو استنهاض خلاصي.
الفيلسوف الذي يصنع الحدث
جون ليمن.jpg
الفيلسوف العربي كما رسمه جون ليمن (موسوعة المستشرقين)
من الإنصاف القول إن بعض الفلاسفة العرب المعاصرين يرومون أن يصنعوا الحدث، فيشاركون مشاركة كثيفة في مسار التاريخ، وينخرطون في حركة الزمان، ولكن بما أن المجتمعات العربية شديدة التقلب، نرى هؤلاء الفلاسفة يخطئون الهدف، فيوالون أنظومة بائدة أو سلطاناً جائراً، من غير أن يحسبوا أن عجلة الأحداث قد تدور دوراناً يخالف الوجهة الفكرية التي رسموها لها. بمعزل عن خيبات الأمل السياسية التي يبتلى بها هؤلاء الفلاسفة الراغبون في صناعة الحدث، لا بد من الاستفسار عن شروط صناعة الحدث الفلسفية. هل يستطيع الفيلسوف، وقد انعقدت هويته على التفكير النظري المثالي، أن يجترح الحدث التاريخي أو يفتعله أو يستثيره أو يلهمه، أو حتى إن يشارك في نشأته وانبساطه؟ في هذا المقام، ينبغي أن ننظر في معنى الحدث التاريخي الذي أضحى مكتنفاً بضبابية العولمة الكاسحة، لذلك لا بد لنا من التصدي الصبور للسؤال الفلسفي الخطر: من أو ما الذي يصنع الحدث التاريخي في الأزمنة المعولمة المعاصرة؟ أهل السلطان السياسي؟ أصحاب النفوذ الاقتصادي؟ النخبة العلمية الناشطة في مختبرات الأبحاث؟ معتنقو الأيديولوجيات الشمولية التي تسحر ألباب العامة فتجيش الناس من أجل نصرة القضية الأسمى؟
الفيلسوف الذي يصنعه الحدث
Rembrandt_-_The_Philosopher_in_Meditation.jpg
الفيلسوف بريشة رامبرنت (متحف رامبرنت)
لست أرى للفيلسوف العربي المعاصر حتى اليوم موقعاً واضح المعالم مؤثراً نافذاً في معترك التنافس الكوني على الاستئثار بالقرار التاريخي الخليق بصنع الحدث. جل ما أعاينه، لا سيما في المجتمعات العربية، فلاسفة يصنعهم الحدث، إذ يضطرون إلى التفكير بعد وقوع الواقعة، لا قبلها. معنى ذلك أن الفلاسفة العرب المعاصرين يعجزون عن استيلاد الفعل التاريخي من مجرد التنظير الفكري. ليس العجز مقترناً بسوء النية أو بقلة الزاد المعرفي أو بضآلة الحدس الفلسفي الفتاح، على قدر ما أعاينه مرتبطاً بجسامة الحراك الكوني المتعولم، ذلك بأن المسكونة الخاضعة لمنطق الفلاح التقني أمست عاجزة عن الاضطلاع بمسؤولية الإنقاذ الشامل. فالبيئة مهددة بالتلوث المبيد والجوائح الآتية المهلكة، والعلاقات الدولية مضطربة اضطراباً ينذر بأوخم العواقب الاحترابية النووية، والعقل العلمي تسيره ضرورات منعفية محض، والاقتصاد مرتهن لمنافع الأنانيات الجماعية التي تهمل عمداً واجب تغذية مليارات الكائنات البشرية الجائعة، في حين يكاد ثمن هذه المليارات يحيا حياة كريمة فيحصل على الطعام السليم والماء النقي والهواء العليل.
Subscribe to:
Posts (Atom)