Friday, January 03, 2025

التأريخ من السرد إلى الفلسفة :

التاريخ: من السرد إلى الفلسفة مدخل إكمالاً للدراسات والمقالات السابقة التي تناولنا فيها حركة التاريخ وفلسفته وسننه، نطرح في هذه الدراسة مفهوم التاريخ وموضوعه، وتدوينه ودراسته وتحليله وتفسيره، وحركته وفلسفته وسننه، وأهم مناهج المؤرخين وعلماء التاريخ. وسنستخدم أحيانًا المنهج المقارن في تعريف التاريخ، سواءً بين مدارسه القديمة والوسيطة وبين مفاهيمه الحديثة، أو بين رواد تدوينه وعلمائه في غرب آسيا وشرقها وبين أوروبا، وكذلك بين حقائق الماضي وحوادثه الثابتة وبين الرواية الدينية والأساطير والمثيولوجيا، وأيضًا بين التاريخ كصور ماضوية وبين التأريخ كعمل لتدوين هذه الصور ونقل وقائعها، ثم بين حركة التاريخ وفلسفته وسننه. والهدف من هذه الدراسة هو تقديم مادة شاملة ومختصرة عن علم التاريخ والمفاهيم والمناهج ذات العلاقة به، يستعيض بها المثقف وصاحب الاهتمام عن الكتب التخصصية الكبيرة، بالإضافة إلى توضيح مساحات الاشتراك والافتراق بين المصطلحات والمفاهيم ذات العلاقة بالتاريخ، لتجنب الخلط في هذا المجال؛ فهناك التاريخ الذي هو الماضي، وهناك تدوين التاريخ، وهو تسجيل أحداث الماضي، وعملية التأريخ (الهمزة على الألف)، وهناك علم التاريخ، وهو ضوابط وقواعد ومناهج تدوين التاريخ ومصادره ودراسته وتحليله، وهناك حركة التاريخ التي تعبر عن مساراته ودوراته وسننه، وكذلك فلسفة التاريخ التي هي منهج دراسة حركة التاريخ وسننها واكتشاف أسرارها وعللها ومآلاتها. ماهية التاريخ قد يبدو تعريف التاريخ ومفهومه وموضوعه سهلاً للوهلة الأولى، بوصفه سجل البشرية في ماضيها، لكنه ــ في الحقيقة ـ يعدّ مجالًا معقدًا وعميقًا ومتشعبًا. وقد تطورت معانيه وتعريفاته عبر العصور، وكان لكل حقبة تاريخية أو مدرسة تاريخية فهمها وتعريفاتها، التي تعددت من كونه سجلًا زمنيًا متسلسلًا من الأحداث والوقائع التي حدثت في الزمن الماضي، وشكّلت المسارات التي سارت فيها البشرية تنازليًا، وشكلت تجاربها وثقافاتها التراكمية. ويشمل التاريخ جميع جوانب الحياة، بما في ذلك السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية والحضارية، إضافة إلى الأحداث اليومية العادية، إلى كونه الذاكرة الجماعية للبشرية، وإلى كونه حركة دورانية سننية وفلسفية. تختلف المعاني والمفاهيم ذات العلاقة بالتاريخ باختلاف نظرة المؤرخين وعلماء التاريخ ومدارسهم، وأهداف كل منهم في عملية تدوين التاريخ ودراسته؛ فقد بدأ تسجيل التاريخ وسرده كعملية تدوين مجردة لمساراته الزمنية وأحداثها، وفق تسلسلها أو بشكل موضوعي، وهو التأريخ (بالهمزة فوق الألف) أو عملية تسجيل هذه الأحداث الواقعة في الماضي، ويمكن أن يكون موضوعيًا أو ذاتيًا، حيث يروي المؤرخون قصص الأفراد والجماعات والأمم. وهذا التسجيل أو السرد أو التوثيق يمثل وصف التاريخ باعتباره حكايات الماضين، لكنه انطوى بمرور الزمن على أهداف عميقة تتجاوز عملية التدوين والسرد والرواية المجردة، تتمثل في دراسة أحداث التاريخ المدوّنة دراسةً منهجيةً، وتحليلها واكتشاف معادلاتها ودوراتها وعلاقاتها ببعض وتأثيراتها على المجتمعات البشرية في حاضرها ومستقبلها، وأسباب نشوء المدنيات والحضارات وانهيارها. كما تتباين تعريفات التاريخ بين الثقافات المختلفة، حيث يعكس كل تعريف السياق الثقافي والفكري للمجتمع الذي نشأ فيه. ومن خلال ذلك تظهر الفروق بين تعريفات المؤرخين القدماء من العراقيين والمصريين والفرس والصينيين والهنود واليونانيين والرومان والأوروبيين، فضلاً عن أتباع الديانات كالهندوس والبوذيين والزرادشتيين واليهود والمسيحيين والمسلمين؛ إذ يعمل كل مؤرخ على أن يعكس ثقافة وتاريخ بيئته الإنسانية أو القومية أو الدينية الخاصة وتجربتها، ويضيف إليها نوعًا من الفرادة والعظمة. ولعل فهم هذه الاختلافات يساعد في إدراك التنوع في التجارب البشرية وكيفية تشكيلها لمفاهيمنا عن الماضي. موضوع التاريخ يتنوع موضوع التاريخ بتنوع اهتماماته وأغراضه، وهو – بشكل عام – يتناول الأحداث والتغيرات الزمنية التي شكلت مسار البشرية. وهو ينطوي على مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك التاريخ التسلسلي التراكمي المتمثل بنشأة البشرية وتاريخ مدنياتها وحضاراتها، والتاريخ القديم والتاريخ الحديث، وكذلك التاريخ الموضوعي المتمثل بالتاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والعسكري وتاريخ العلوم والحروب والثورات. كما يربط التاريخ بين الأحداث والمتغيرات وآثارها على المجتمعات وتطورها وتقدمها أو تراجعها وأفول فاعليتها. كما يتناول التاريخ الأسباب والعوامل التي أدت إلى الأحداث وعلل نشوئها ونتائجها. ويمكن تقسيم هذا التنوع إلى ثماني مجالات: التاريخ السياسي والعسكري: ويشمل الأحداث والوقائع والتحولات السياسية، وخاصة الدولة والحكم والسلطة والحروب والثورات، والاتفاقيات الداخلية والخارجية. تاريخ الشخصيات: ويشمل الحكام والقادة السياسيين والعسكريين والمصلحين والثوار والمفكرين المؤثرين في مجريات الأحداث. تاريخ الحضارات والثقافات والمدنيات: كالحضارة الإسلامية والحضارة المصرية والحضارة العراقية والحضارة الفارسية والحضارة اليونانية والحضارة الرومانية والحضارة الصينية والحضارة الهندية والحضارة اليابانية وحضارة المايا، ونشوئها وأفولها، وكيفية تفاعلها وتأثيراتها المتبادلة. التاريخ الاجتماعي: ويشمل تاريخ المجتمع ومكوناته والعناصر المؤثرة في حركته. تاريخ العلم: ويختص بتاريخ العلوم بمختلف عناوينها، وما أنتجته من اختراعات واكتشافات وابتكارات وتأثيرات في تاريخ البشرية وأساليب حياتها. التاريخ الاقتصادي: ويرتبط بالتحولات الاقتصادية بكل عناوينها وأشكالها، وتأثيراتها في حياة الأفراد والمجتمعات والدول والحضارات عبر التاريخ. تاريخ الأفكار والمعتقدات والأديان: ويختص بسرد نشوء الأديان والمعتقدات الإلهية والأرضية والأيديولوجيات والأفكار والفلسفات والمذاهب الفكرية، وتطورها، وصعودها وأفولها، وتأثيراتها في رسم مسارات البشرية وشكل حياتها. إعادة السرد والبحث والدراسة: وهو مجال معقد يقوم المؤرخون من خلاله بإعادة كتابة الأحداث بناءً على الأدلة والمعطيات الجديدة التي تظهر بمرور الزمن، والتي ربما تغير النظرة السائدة إلى الأحداث والشخصيات والأفكار، وقد تقود إلى اكتشافات ونتائج مغايرة، لا تقتصر على وجود أخطاء في الكتابة والتوثيق، وإنما تشمل أحداثًا لم تحدث (مزيفة) وشخصيات لم توجد (مختلَقة). أهمية كتابة التاريخ ودراسته سواء نظرنا إلى التاريخ بوصفه ذاكرةً جماعية أو أدباً أو علماً أو فناً، فإن دوره في تشكيل الوعي الإنساني لا يمكن إنكاره. تنطوي كتابة التاريخ ودراسته على أهمية كبرى، ليس فقط على مستوى حفظ تاريخ الشعوب والمجتمعات والدول وصيانة ذاكرتها الجماعية وهويتها الجامعة، وفهم أسباب ما حدث، وإنما أيضاً على مستوى فهم الحاضر والمستقبل، واتجاهاتهما وعناصر بنائهما. صحيح أن التاريخ يُعتبر ذاكرة جماعية للأمم والشعوب، ويحفظ حكاياتها وتجاربها عبر الأجيال، ويساعد في تعزيز فهم الذات الجماعية وهوية الفرد والجماعة وانتمائهما، ويُراكم المعرفة عبر نقلها من جيل إلى آخر؛ فهو كذلك يؤدي إلى استنتاجات مختلفة بناءً على وجهات النظر المتعددة في كيفية تقديم الأحداث، والتي تكشف عن حياد المؤرخ أو انحيازه أو انتقائيته أو تدليسه أو موضوعيته. كما يساعد في فهم تطور المجتمعات عبر الزمن وتأثير الأحداث المحلية والعالمية على بعضها البعض، وفهم الديناميكيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تؤثر في حياة البشر، وتقديم تفسيرات موضوعية لها، كما يعزز التفكير النقدي ويساعد على تطوير مهارات البحث والتحليل. أما على مستوى بناء الحاضر والمستقبل، فإن التاريخ يُعتبر أداة أساسية لفهم الماضي وتأثيره على الحاضر والمستقبل، والاعتبار بأحداث الماضي لوعي الأخطاء والنجاحات، لتجنب الأخطاء والاستلهام من النجاحات، وتعزيز القدرة العميقة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل بوعي وإدراك أعمق. ومن خلال معرفة الجذور التاريخية والتراكمية لقضايا الحاضر ومشاكله وإشكالياته الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكيفية تأثير هذه الجذور في أوضاع الحاضر، ثم انتقالها إلى المستقبل. ومن خلال فهم كل هذه التحولات، يمكن وعي اتجاهات الحاضر بعمق، من أجل استشراف المستقبل وتشوّف خياراته واحتمالاته ومشاهده وسيناريوهاته، وصولاً إلى التخطيط للمستقبل القصير والمتوسط والبعيد. اهتمام الشعوب بكتابة تاريخها ظل مفهوم التاريخ في العصور القديمة يتلخص بشكل أساسي في سرد الأحداث المهمة وروايتها وتوثيقها، إلى جانب التركيز على الشخصيات البارزة والأبطال، والأعمال الكبرى التي قاموا بها، وإعطاء بعد أسطوري غالب إلى هذه الأعمال، لذلك، تداخلت الأساطير مع الحقائق التاريخية في السرد التاريخي القديم. ومن أهم الشعوب التي شكّل التاريخ وكتابته جزءاً أساساً من ثقافتها وحضارتها: 1- السومريون (العراقيون القدماء): لعل العراقيين القدماء، أي أصحاب حضارة وادي الرافدين، هم أول من سجّلوا تاريخهم وأساطيرهم ووثقوا أعمالهم، إذ اخترع السومريون الكتابة المسمارية في حوالي 3500 ق.م، وكانت تُستخدم لتدوين الأحداث والمعاملات التجارية والنصوص الأدبية. تُعتبر الألواح الطينية من أهم المصادر التي توثق ذلك. وكانت سجلات الملكية التي تُكتب على الألواح الطينية تُستخدم لتوثيق إنجازات الملوك والمعارك والانتصارات، مثل السجلات المتعلقة بالملك “سرگون الأكدي” (2300-2048 ق.م)، فضلاً عن السجلات الإدارية والدينية والقانونية. ويُعد المؤرخ العراقي “شموشيد” رائد هذه السجلات؛ إذ كتب عن تاريخ العراق القديم بأسلوب سردي ومن منظور الملوك الذين عاشوا تحت رعايتهم. بينما تُعدّ «ملحمة گلگامش» (حوالي 2100 ق. م) السومرية نموذجاً للسرد الأدبي الذي يجمع بين الأسطورة والمنظور الديني والحضور التاريخي شبه الحقيقي. 2- المصريون: بدأ المصريون القدماء الكتابة والنقوش التاريخية بالهيروغليفية على المعابد والأهرامات لتوثيق الأحداث المهمة، وهو شكل مبكر من التوثيق التاريخي. كان من أقدم مؤرخيهم البارزين الكاهن “مانيتون” (القرن الثالث ق.م)، الذي كتب «تاريخ مصر» باللغة اليونانية، وهو من أقدم الكتابات التاريخية؛ إذ قسّم فيه التاريخ المصري إلى أسر وملوك وأحداث سياسية وعسكرية. لذلك، ساعدت الاكتشافات الأثرية بشكل أساسي في معرفة تاريخ مصر القديم والحياة اليومية والدينية والسياسية للمصريين القدماء ودراستها. 3- الفرس: اهتم الفرس اهتماماً كبيراً بتسجيل تاريخهم ووثوقه ودراسته بطرق متنوعة؛ إذ تعود كتاباتهم الأولى إلى ما يقرب من (1500) سنة قبل الميلاد، وتُعد النصوص الدينية أيضاً من الكتابات القديمة للتاريخ الفارسي، وأهمها “أفستا” الذي كتبه زرداشت (حوالي 1000 ق. م)، وهو الكتاب المقدس للزرادشتيين (المجوس). ونشطت الكتابات في عصر الإمبراطور “كوروش” (600-530 ق. م)، مؤسس الدولة الفارسية الأخمينية. كما ظهر خلال العصر الإسلامي مؤرخون فرس كبار، أبرزهم محمد بن جرير الطبري (838-923 م)، الذين وثقوا التاريخ الفارسي باللغة العربية ضمن سياق التاريخ الإسلامي. كما برز أبو القاسم فردوسى (932-1020 م) صاحب «ملحمة الشاهنامه»، الذي دون تاريخ الفرس والقوميات المحيطة بهم باللغة الفارسية المتجددة، وجمع فيها بين الأسطورة والحقائق التاريخية. 4- الإغريق (اليونانيون): يُعد المؤرخ والحكيم اليوناني “هيرودوتس” (484-425 ق. م) مؤسس فن كتابة التاريخ، ويُعرف بـ “أب التاريخ” عند الإغريق، حيث قدم في كتابه «التاريخ» سرداً للأحداث والمعارك التي وقعت بين الإغريق والفرس، وقام بأسطرة كثير من أعمال ملوك الإغريق وشخصياتهم. جاء بعده “ثيوسيديدس” (460-400 ق. م)، الذي كان أكثر دقة في مقارباته، حيث اعتبر في كتابه «تاريخ الحرب البيلوبونيسية» أن التاريخ يجب أن يعتمد على الحقائق والشهادات والنقد، ولذلك كان كتابه خالياً من الأساطير تقريباً. كما كتب “كسنوفون” (430-354 ق. م) كتابين «أناباسيس» و«تاريخ هيرميادس»، ثم “ديودور الصقلي” (القرن الأول ق.م) الذي كتب «المكتبة التاريخية»، حيث جمع معلومات عن التاريخ اليوناني والعالمي من مصادر متنوعة، مما جعله مصدراً تاريخياً مهماً. 5- الرومان (الإيطاليون): بدأت الكتابة التاريخية في روما في القرن الثالث قبل الميلاد، مع تركيزها على الأحداث السياسية والعسكرية، بهدف فهم الاستراتيجيات العسكرية والسياسية التي شكلت الإمبراطورية الرومانية. اعتبر المؤرخون الرومانيون الحروب والمعارك أحداثاً محورية في تشكيل التاريخ الروماني، وكان أبرزهم “بوليبيوس” (200-118 ق.م) في كتابه «التاريخ العام»، الذي تناول فيه صعود الإمبراطورية الرومانية وتأثيرها على العالم المتوسطي بأسلوب نقدي وتحليلي، مع التركيز على الأسباب والنتائج. وكانت الكتابات التاريخية تُستخدم أيضاً كوسيلة لتعليم القيم والمبادئ الرومانية. تطور المنهج النقدي في كتابة التاريخ بشكل ملحوظ في ظل الدولة الرومانية، حيث بدأ المؤرخون في تحليل المصادر وتقييم موثوقيتها. كان “تيتوس ليفيوس” (59 ق.م – 17م) أحد أبرز المؤرخين الرومان؛ إذ وثق «تاريخ روما» بأسلوب أدبي رفيع. استخدم “سويتونيوس” (69-140 م) و”كاسيوس ديو” (163-229 م) أسلوباً نقدياً لتوثيق الأحداث، مما ساعد في تقديم رؤية موضوعية للتاريخ الروماني. 6- الصينيون: ظل التاريخ في الصين جزءاً أساساً من الثقافة والفلسفة، وخاصة ما يرتبط بتاريخ الإمبراطوريات الصينية وأُسر حكامها. يُطلق الصينيون على مؤرخهم “سيما تشيان” (145-86 ق.م) لقب (أب التاريخ الصيني)، وهو صاحب كتاب «سجلات المؤرخ الكبير»، الذي يُعدّ أول كتابة تاريخية شاملة لتاريخ الصين منذ العصور القديمة حتى عصره. وقد قرن فيه بين الأخلاق والسياسة؛ إذ ينظر الصينيون إلى التاريخ كوسيلة لتعلم الدروس الأخلاقية، وفق عقيدة الحكيم “كونفوشيوس” (551-479 ق.م)، كجزء من دورة اجتماعية وأخلاقية. 7- اليهود: يُعدّ كتاب «التناخ» باللغة العبرية، الذي كتبه كهنة اليهود طيلة أكثر من (800) عام، أي منذ العام 750 ق.م حتى منتصف القرن الأول الميلادي، هو النص الأساس المقدس لدى اليهود، والذي يسرد تاريخهم وعلاقتهم بإلههم، كما يوثق لحياة النبي موسى. ويضم «التوراة» ونصوصاً أخرى، ويعتمد عليه مؤرخي اليهود كمصدر صحيح ونهائي لخلق العالم ولتاريخهم وتاريخ علاقتهم بالله. وقد ظهرت دراسات آثارية نقدية حديثة في أوروبا تتعارض مع ما جاء في «التناخ»، وهي دراسات تستند إلى الأدلة المادية مثل الآثار والكتابات القديمة، بعيداً عن الروايات الدينية اليهودية التي قد تتضمن عناصر أسطورية أو مبالغ فيها. وقد ظهر مؤرخون يهود، أهمهم “يوسفيوس” (37-100 م)، الذي كتب «تاريخ اليهود»، ووثق الأحداث منذ بداية التاريخ اليهودي حتى فترة حكم الرومان، وعزّز فيه الروايات الدينية اليهودية. كما برز في العصر الإسلامي مؤرخون يهود كثر، أهمهم مناحيم بن سليمان ويعقوب بن يوسف، الذين تناولوا تاريخ اليهود في ظل الحكم الإسلامي والمسيحي، وكانت كتاباتهم تركز على التفاعل بين اليهود والمجتمعات الأخرى. 8- المسيحيون: تتضمن الكتابات المسيحية الأولى مجموعة من النصوص الدينية التاريخية التي جمعت في «الإنجيل» أو «العهد الجديد»، وصولاً إلى الكتابات التاريخية اللاحقة. تُعتبر الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) من أبرز النصوص التي توثق حياة النبي عيسى بن مريم وتعاليمه. تُعد كتابات الرهبان المسيحيين الذين ظهروا في أوروبا، مثل “أوغسطينوس” (354-430 م) في كتابه «مدينة الله»، الذي يتناول التاريخ من منظور لاهوتي، مصادر مهمة لفهم تطور الفكر المسيحي، حيث اعتبروا أن الأحداث التاريخية هي تجسيد لمشيئة الله. أما الراهب الإنجليزي بيدا (672-735 م) فيُعتبر من أبرز المؤرخين المسيحيين في العصور الوسطى الأوروبية، حيث كتب «تاريخ الشعب الإنجليزي»، ووثق لوجود المسيحية في إنجلترا. وفضلاً عن المؤرخين، فإن المجامع الكنيسية العالمية المركزية تعدّ جزءاً مهماً من تاريخ المسيحية، وخاصةً مجمع نيقية (325 م) ومجمع أفسس (431 م). 9- العرب والمسلمون: شهد العصر الإسلامي، خاصةً خلال الحكم العباسي، قفزةً كميةً ونوعيةً في النظرة إلى التاريخ والاهتمام به ودراسته، وتوسع مفهومه ليشمل الجوانب الدينية والأخلاقية والفلسفية. وقد اعتبر المؤرخون المسلمون، كغيرهم من أتباع الأديان الإلهية، أن التاريخ هو مخطط إلهي وجزء من شبكة الأحداث الكونية المتلازمة. وكانت كتابة التاريخ عند المؤرخين المسلمين تعتمد ابتداءً على منهج التسلسل الزمني، ثم تطورت إلى الكتابات التاريخية وفق الموضوعات، كالأنساب والتراجم والأحداث. وقد تعززت خبرة المسلمين في كتابة التاريخ بعد نشوء حركة الترجمة في بغداد وتطورها. وبدأت كتابة التاريخ عند المسلمين بتدوين سيرة النبي محمد، وكانت تجمع بين الرواية وسرد السيرة النبوية. وكان أبرز روادها محمد بن إسحاق المدني (704-767 م)، الذي نقلها عنه عبد الملك بن هشام (ت 833 م) في كتابه «السيرة النبوية». أما على مستوى كتابة التاريخ الإسلامي، فلعل أبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي (728-787 م) هو أقدم المؤرخين العرب والمسلمين، وقد ألّف عدداً من الكتب، أهمها: «أخبار الردة» و«الجمل» و«صفين». وكان محمد بن عمر الواقدي (747-823 م) معاصراً لأبي مخنف، وينافسه في الشهرة، ومن أهم كتبه «التاريخ والمغازي». ويعد هؤلاء الثلاثة أقدم المؤرخين المسلمين، وأهمهم في القرن الثامن الميلادي. وشهد القرن التاسع الميلادي ظهور عدد من المؤرخين المسلمين، أبرزهم أحمد الماروزي الملقب بابن طيفور (819-893 م)، وهو أول من ألّف في «تاريخ بغداد». وقد شهد هذا القرن ظهور أهم مؤرخين موسوعيين، هما أحمد بن إسحاق اليعقوبي (ت 897 م)، صاحب كتاب «تاريخ ابن واضح» أو «تاريخ اليعقوبي»، الذي يؤرخ لتاريخ الشعوب ما قبل الإسلام وتاريخ الإسلام حتى العام 872 م، ومحمد بن جرير الطبري (838-923 م)، صاحب كتاب «تاريخ الأمم والملوك»، الذي يُعتبر من أهم المصادر التاريخية الإسلامية. وكان علي بن الحسين المسعودي (896-957 م) أهم مؤرخ مسلم ظهر في القرن العاشر الميلادي، والذي يصفه بعض الباحثين بـ “هيرودوت العرب”، بالنظر لأهميته. و”هيرودوت” ـ كما ذكرنا سابقاً ـ يعد “أب التاريخ” عند الإغريق ومؤسس فن كتابة التاريخ. ومن أشهر كتب المسعودي «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، وهو موسوعة تاريخية جغرافية اجتماعية وسيرة ذاتية. وقد تأثر به كثير من المؤرخين والمفكرين الاجتماعيين المسلمين وغير المسلمين، أهمهم عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406 م)، الذي أدخل فهماً علمياً فكرياً اجتماعياً جديداً للتاريخ، وخاصة في كتابه «المقدمة»، وهو الجزء الأول من موسوعته التاريخية؛ إذ قدّم فيه تحليلاً اجتماعياً وتاريخياً للأمم والدول، ودرس العلل والأسباب التي تؤدي إلى صعود وانهيار الحضارات. 10- الأوروبيون: مع بداية العصر الحديث، شهد مفهوم التاريخ تحولاً كبيراً نحو المنهج العلمي والتحليل النقدي، وأصبح يُفهم كعلم اجتماعي أكاديمي، وبات المؤرخون يركزون على استخدام الأدلة والبحث المنهجي، من أجل فهم الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية. كما بات يتشدد في تمحيص المصادر ودراستها وفهم سياقاتها المختلفة. وخلالها، تحوّل التاريخ إلى أحد أهم العلوم الاجتماعية، كما أظهر هذا التحول تنوعاً في مناهج التاريخ وكتابته وتحليله وتفسيره، تبعاً للموضوع التاريخي أو تبعاً لأهداف الدراسة التاريخية. ويعد الأوروبيون مؤسسي علم التاريخ الحديث وفكره ومناهجه؛ وأبرز من ساهم في عملية التأسيس هذه المفكر الأسكتلندي “ديفيد هيوم” (1711-1776) في كتابه «تاريخ إنجلترا»، والمؤرخ الإنجليزي “إدوارد غيبون” (1737-1794) في كتابه «اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»، والمؤرخ الفرنسي “لوسيان فيفر” (1878-1956)، الذي كان له تأثير كبير في تطوير التاريخ الاجتماعي، حيث اعتبر أن التاريخ يجب أن يستند إلى دراسة المجتمعات وتفاعلاتها، ومن أشهر أعماله في هذا المجال «معارك من أجل التاريخ»، والمؤرخ الفرنسي “فرنان بروديل” (1902-1985)، وهو من أبرز زملاء “فيفر” في مدرسة مجلة الحوليات الفرنسية. ولعل المؤرخ البريطاني “إريك هوبسباوم” (1917-2012) يعد آخر علماء التاريخ المعاصر في أوروبا، وقد تناول في مؤلفاته موضوع التاريخ من منظور اقتصادي واجتماعي، ومن أشهر مؤلفاته «عصر الثورة» و«عصر رأس المال» و«عصر الإمبراطورية». علم التاريخ علم التاريخ هو أحد العلوم الإنسانية التي تهتم بشكل أساسي بالماضي وأحداثه وشخصياته وعوامل صناعة الوقائع وتطورها. أي أنه الأداة المنهجية أو العملية الأكاديمية التي تهدف إلى فهم أحداث الماضي ووقائعه وشخصياته بدقة وعناية، ودراستها وتحليلها وتفسيرها بمنهجية علمية تنطوي على قواعد ومعايير ثابتة؛ لتحقيق رؤية شاملة للتاريخ البشري، وتحديد الجذور التاريخية لهوية الإنسان والمجتمعات والأقوام، الدينية والثقافية والاجتماعية والقومية والسياسية والاقتصادية وتطورها. كما يدرس تأثير أحداث الماضي على حاضر المجتمعات البشرية ومستقبلها، ويربطها ببعضها زمنياً. وعلى مستوى المصادر والأدلة، فإن علم التاريخ يسعى إلى الوصول إلى استنتاجات موضوعية قائمة على المعلومات والأدلة والمصادر والبراهين، كالروايات والوثائق والبيانات والشهادات الشفوية والمدونات والكتب والبحوث، دون انحياز. ويعمل على وضع معايير لتقويم هذه الأدلة والمصادر وتدقيقها وتحليلها، وهو ما يتطلب استخدام تقنيات وأساليب بحثية علمية دقيقة لضمان دقة المعلومات والأدلة وموثوقيتها وموضوعيتها. لأن كثيراً من الروايات والشهادات قد تكون غير دقيقة أو متعارضة. وكذلك فهم كيفية تعامل المؤرخين مع هذه المصادر ومستويات مصداقيتها وتعارضاتها، والمقارنة بينها وتحليلها ونقدها، وكيفية تشكيل تفسيراتهم للأحداث والخروج بالاستنتاجات حيالها، وتأثير انتماءاتهم وهوياتهم وميولهم على تعاملهم مع الأحداث ورواياتها، وهو ما يعرف بمناهج المؤرخين في التدوين والتوثيق والتحليل والتفسير. وبناءً على ذلك، من الطبيعي أن تكون هناك تصويرات مختلفة ومتنوعة للواقعة الواحدة ولشخصية واحدة، وقد تكون هذه الروايات متحيزة أو غير دقيقة، مما يجعل التاريخ عرضة للتفسيرات المختلفة. وهناك من يرى في التأريخ فناً إلى جانب كونه علماً، أو أكثر من كونه علماً؛ لأنه يحتاج من المؤرخ أن يتمتع بموهبة ذاتية ومهارة تراكمية في اختيار الأحداث وفهم عناصرها وعوامل تشكيلها ووعي حقيقة أدلتها، وربطها ضمن سياق منطقي. وهناك من يرى التأريخ قريباً من الأدب في بعض الأحيان؛ لأنه يعتمد أسلوب السرد والوصف. والحقيقة أن التأريخ بدأ فناً في مهاراته العقلية وأدواته التنفيذية، من خلال تسجيل الأحداث كرسوم ونقوش ورموز وحروف بدائية على الألواح الطينية والرخام والصخور. ثم دخل ميدان الأدب، بعد أن أصبح الأدباء والشعراء يصيغون روايتهم للتاريخ في قصائدهم ونصوصهم النثرية. ثم دخل ميدان الحكمة والفلسفة، حتى بات علماً كبيراً معقداً ومتشعباً. وبالتالي، يمكن القول إن التاريخ يجمع بين مواصفات العلم والفن والأدب والحكمة؛ لأن نكهة هذه المجالات الأربعة لا تزال راسخة في الأعمال التاريخية الناجحة. ويشير هذا العرض إلى مفهوم علم التاريخ إلى الفرق اللغوي والاصطلاحي الواضح بين (التاريخ) و(التأريخ)؛ فالتاريخ يشير إلى مجموعة الأحداث والوقائع التي حدثت في الماضي، بينما يُعنى الثاني بالتعبير عن عملية حيوية لتدوين هذه الأحداث وتوثيقها وتحليلها، والطرق أو المناهج التي تتم بها هذه العملية، وكيفية حفظها ونقلها إلى الأجيال التي لم تعش هذه الأحداث؛ ليتمكنوا من تصورها. وكلما كان المؤرخ بارعاً وماهراً وعالماً، كلما نجح بشكل أكبر في تصوير الأحداث وتحليلها تصويراً يجعل من لم يعشها كأنه يعيشها وهو يقرأ نص المؤرخ، وهذا دليل آخر على أن جزءاً من التأريخ هو فن وأدب. مناهج كتابة التاريخ الأدوات والأساليب والطرق والقواعد، مصطلحات تكاد تكون متقاربة في معانيها ومفاهيمها، وهي ترادف بمجموعها معنى مناهج كتابة التاريخ، وهي التي يعتمدها المؤرخ في كتابة التاريخ وتحليله وتفسيره، وفي التعامل مع مصادره ورواياته. وقد وُضعت هذه المناهج في وقت متأخر زمنياً عن البدء بالاهتمام بالتاريخ وتسجيله وتدوينه، وقد استنتجها علماء التاريخ غالباً من خلال دراستهم للأعمال التاريخية للمؤرخين؛ فبات لكل مؤرخ أو لكل مدرسة تاريخية منهجها وفق ما استنتجه هؤلاء العلماء، وهي التي تعبر عن تجربة كل مؤرخ أو تجربة مدرسته التاريخية ورؤيتهما للتاريخ. وهناك مناهج أيضاً وضعها المؤرخون وعلماء التاريخ ليعبروا من خلالها عن رؤيتهم لعملية كتابة التاريخ وما ينبغي أن تلتزم به من أدوات وقواعد وأساليب. وتعتبر مناهج تدوين التاريخ وتحليله وفهمه من العناصر الأساسية التي تساهم في بناء المعرفة التاريخية، وهي تساعد المؤرخين والباحثين في استكشاف الأحداث والوقائع وشخوصها، وتنظيم المعلومات ذات العلاقة بها، وتقديمها بشكل علمي وموثوق، من خلال استخدام الأدوات والأساليب والطرق والقوالب الواضحة. ولا يمكن للباحث التاريخي أو المؤرخ أن يقوم بعمله العلمي والمهني على الوجه الصحيح والدقيق، دون معرفة هذه المناهج واتباعها وفق المدرسة التي ينتمي إليها. وتتعدد المناهج التي استخدمها المؤرخون عبر العصور، ومن أبرزها: 1- المنهج الحولي: لعله أقدم المناهج المستخدمة في كتابة التاريخ، حيث يتم فيه عرض الأحداث وفق تسلسل زمني سنوي، لتسهيل تتبع تسلسل الأحداث عبر الزمن. 2- منهج الطبقات: يُستخدم بشكل خاص في كتب تراجم الشخصيات التاريخية وسيرها، وهو يعتمد على تقسيم الشخصيات والأحداث إلى طبقات حسب القرن الذي عاشت فيه أو حسب أهميتها أو اختصاصها. 3- المنهج الموضوعي :يقتطع موضوعات معينة من مشاهد التاريخ، كدول أو حروب معينة، ويقوم بكتابة تاريخها. 4- المنهج الشامل: يتناول التاريخ من منظور واسع يشمل جميع جوانب الحياة الإنسانية، بما في ذلك الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بهدف تقديم صورة متكاملة عن حياة الحضارات أو المجتمعات أو الدول وتطورها. 5- المنهج السردي أو الوصفي: يعتمد سرد الأحداث والوقائع ووصفها كما هي، بشكل متسلسل، دون أن تكون لشخصية المؤرخ حضور في النص. وتعد الكتابات وفق هذا المنهج مادةً أولية (خام) أساسية وجاهزة يستخدمها الباحثون والمحللون التاريخيون. 6- المنهج التوثيقي :يشبه المنهج السردي في عرضه للأحداث، لكنه يدقق في المصادر ورواياتها ومعلوماتها، ويحلل هذه المصادر ويقومها وينتقدها، للوصول إلى معلومات تاريخية نقية وصافية. 7- المنهج التحليلي: يعرض الأحداث ويدرس الأسباب والنتائج التي تقف وراءها، ويحللها بهدف فهم العوامل التي أدت إليها. 8- المنهج المقارن: يُستخدم هذا المنهج للمقارنة بين أحداث أو فترات زمنية أو شخصيات، لفهم الاختلافات والتشابهات، لتقديم معرفة أفضل للحدث والشخصية، بناءً على قاعدة الأشياء تعرف بأضدادها أو شبيهاتها. 9- المنهج الكمي: يعتمد على البيانات الكمية والإحصائيات لدراسة الأحداث التاريخية، ويُستخدم غالباً في الدراسات الاجتماعية والاقتصادية. حركة التاريخ حركة التاريخ هي المسار العام للأحداث والتغيرات الاجتماعية المستمرة المتسلسلة عبر الزمن، والتي تقع نتيجة عوامل متداخلة ومتفاعلة ومعقدة، كالدين والاقتصاد والسياسة والحروب والثقافة، والتي تؤثر على مسار المجتمعات والشعوب. تستوعب حركة التاريخ الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، وهي أزمنة مشدودة ببعضها، ليس على مستوى تسلسل الأحداث وتراتبيتها واستمرارها، وإنما على مستوى العوامل المتفاعلة التي تصنعها. فحركة التاريخ ممتدة عبر الأزمنة الثلاثة، وكل منها يؤثر في الآخر ويتفاعل معه ويتكئ عليه. ومهما اختلفت الرؤى بشأن التاريخ؛ فإنه كائن حي يؤثر ويتأثر، وحياته تشتمل على أجزائه الثلاثة. وإذا كان الماضي والحاضر هما جزآن منظوران محسوسان من خلال النقل أو المعايشة، فإنّ المستقبل هو الجزء غير المرئي، ولكنه موجود وحيّ بكل المعايير. التقدير الإلهي هو الإطار الذي يستوعب في داخله كل حركة التاريخ بأدق تفاصيلها. وإن كان مجالها المستقبلي مغيباً عن عين الإنسان، لكنه يستطيع أن يتحسسها ويستشعر آثارها. من خلال هذا التحسس والاستشعار يتدخل الإنسان بإرادته للتأثير في حركة المستقبل، بالمقدار المتروك له من الحرية، والتي تتسع لكل قابليات الإنسان وقدراته، وتدور حول التقدير والوعود والسنن الإلهية. من هنا، فإنّ المستقبل يُصنع أيضاً ويُحرَّك، والإنسان محور هذه الحركة، كما هو محور كل حركة التاريخ. بيد أنّ الإنسان ليس الفاعل الأول والوحيد في حركة التاريخ، أي أنه ليس العلة التامة فيها، فهناك عناصر أخرى – أرضية – تشارك في تحريك التاريخ وصناعته. وهناك العديد من المدارس الدينية والفكرية والفلسفية التي أجابت عن سؤال: من يصنع التاريخ ويحركه ويتحكم به ويبنيه؟ وفق مبادئها وأصولها النظرية وتجربتها التاريخية. دخلت هذه الأجوبة ضمن حقول معرفية متنوعة، أبرزها: المسألة الحضارية، وقضايا النهضة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس الاجتماعي، وفلسفة التاريخ والسنن الإلهية، والفكر السياسي والدراسات المستقبلية. شغل هذا الموضوع – طويلاً – علماء الحضارة والاجتماع وفلاسفة التاريخ وعلماء الدين والمؤرخين والباحثين المستقبليين والمفكرين السياسيين، ولا يزال يشغلهم. وفي تطور آخر، اختلفت معايير تقسيم هذه المدارس، بالنظر لتشعبها وتداخلها، ولاختلاف زوايا النظر إليها. هناك مدارس ترى أن الفرد (البطل) هو الذي يحرك التاريخ، من خلال نماذج الأنبياء والأوصياء والقادة والمبدعين، بينما تذهب مدارس أخرى إلى أنّ النخب المتميزة سياسياً أو نسبياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً هي المحرك للتاريخ. وهناك ثالثة تعتقد أن المجتمع بكل عناصره هو المسؤول، ورابعة تعتقد أن القوانين الاجتماعية التاريخية هي المسؤولة، وخامسة تعتقد أن الأفكار هي المحرك. تكشف هذه المدارس والمناهج المعنية بالإطار النظري عن وجود تعارضات أو مشتركات، ولا شك أنّ لكل اتجاه ومنهج زاويته الخاصة في النظر لحركة التاريخ، ومدخله العلمي الخاص في دراسة عناصر تحريك التاريخ. تكشف النتائج التي يفرزها الواقع عن تقاطع آخر بين هذه الاتجاهات وبين الواقع، مما يشير إلى وجود ثغرات في الأساس الفكري أو المنحى الآيديولوجي أو المنهج البحثي أو أساليب الاستدلال. وأرى أن المدرسة التكاملية يمكنها الإجابة عن كل التساؤلات وتجاوز كل الثغرات، وهي المدرسة التي تفرزها معطيات العقيدة الإسلامية، واستوعبت النصوص الإسلامية في مجال تفسير التاريخ وأزمنته، كما استوعبت دروس التاريخ ومعادلاته، فضلاً عن المناهج التي بحثت في حركته وفي عناصره الفاعلة، والمناهج النظرية الحديثة التي تعالج موضوع المستقبل وإمكانيات التحكم بحركته. ولا شك في أن البطل وحده لا يستطيع دائماً أن يصنع التاريخ، وكذا النخبة، والمجتمع، والفكر، والقوانين الاجتماعية التاريخية. كما أن التاريخ ليس صيرورة حتمية تتفاعل ذاتياً لتنتج نتائج قسرية وجبرية. تعطي (المدرسة التكاملية) لهذه العناصر وغيرها حجمها الطبيعي، وتتجنب الأحادية المتمثلة في المثل الأعلى الأرضي أو الأخروي أو السماوي. أي أن البطل (القائد) والنخبة (الصفوة) والمجتمع (الأمة) والفكرة (العقيدة) والقوانين التاريخية الاجتماعية (السنن الإلهية) والحتميات التاريخية (الوعود الإلهية) كلها عناصر فاعلة تكمل بعضها بعضاً، وتساهم معاً بنسب معينة في تحريك التاريخ، وهذه العناصر هي في الواقع مصاديق للسنن الإلهية على مختلف أنواعها. وتنظر المدرسة التكاملية (الإسلامية) إلى موضوع القيادة التاريخية الحضارية، من زاوية دور استخلاف الإنسان في الأرض ومتطلبات هذا الدور، وتمثيل القائد لإرادة المثل الأعلى السماوي، وتحوله إلى مثل أعلى أرضي (نسبي)، في إطار امتدادات الاستخلاف على الأرض، ومواصفات الإنسان المستخلف، وعلاقاته مع الآخر (إنساناً أو طبيعة)، ونوعية النظم التي تحكم هذه العلاقات، وأهداف الاستخلاف وغاياته الدنيوية والأخروية. ظل دور القائد (البطل) مرتبطاً في الإسلام بأداء التكليف والوظيفة الشرعية. وإذا استثنينا سيرة النبي محمد وأوصيائه، فإن التاريخ الإسلامي كان يركز على البعد الحضاري في مسيرته أو إنجاز الأمة الحضاري أكثر من تأكيده على دور القائد الفرد. أما الصفوة فهم الرواد والمبدعون في شتى حقول العمل والمعرفة، وتفرزها الكفاءة والإنجاز ونوعية أداء التكليف، وليس العرق أو النسب أو الولاءات البشرية. وجود هذه الصفوة (كماً ونوعاً) هو الذي يميز إنجازات الأمة الحضارية عن غيرها من الأمم. بينما تعد الأمة ميداناً لتطبيق الأهداف الحضارية لحركة التاريخ، وهي الرحم الذي أنجب القادة والصفوة، عدا الأنبياء والأوصياء الذين تنتمي الأمة إليهم، لا العكس. يأتي الدين والأفكار التي تستند إليه ليكونا منطلق حركة التاريخ وقاعدتها ووقودها. والدين، فضلاً عن كونه تشريعاً إلهياً، فهو سنة من سنن التاريخ وقانون يدخل في صميم فطرة الإنسان كما يقول السيد محمد باقر الصدر. وقد اعتمد السيد محمد باقر الصدر تقسيمين للسنن التاريخية: الأول: تقسيمها إلى مشروطة ومنجزة. الثاني: تقسيمها إلى سنن تقبل التحدي وسنن لا تقبل التحدي. والسنن المشروطة هي التي تربط الجزاء بشرط الفعل، والمنجزة هي السنن الحتمية، كحدوث مرحلة العدل ووراثة المستضعفين الأرض في المستقبل الإنساني. وهي المرحلة التي تمثل السقف الزماني والمكاني للمساحة التي يتحرك فيها الإنسان بحريته وإرادته للتمهيد لعصر العدل. وبالتالي، ترى المدرسة التكاملية أن عملية استنهاض الأمة هي جزء من حركة التاريخ؛ إذ إن حركة التاريخ هي حركة غائية لا سببية فقط، وليست مشدودة إلى سببها وإلى ماضيها، بل إلى الغاية، لأنها حركة هادفة لها علة غائية متطلعة إلى المستقبل. فالمستقبل هو المحرك لأي نشاط من النشاطات التاريخية، وإن كان عدماً في الزمن الحاضر، إلا أنه يحرك من خلال الوجود الذهني الذي يجسد جانباً فكرياً يضم تصورات الهدف، وجانباً عملياً يمثل الطاقة أو الإرادة التي تحفز الإنسان نحو الهدف. وبالامتزاج بين الفكر والإرادة تتحقق فاعلية المستقبل ومحركيته للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية. وبناءً على هذه المعادلة، فإن هدف حركة التاريخ هو إعمار الأرض وتحقيق مسؤولية الاستخلاف، وغايتها الله (تبارك وتعالى)، والدين قاعدتها وشرعتها، والأمة ميدانها، والإنسان محورها، والقيادة الشرعية في الإسلام هي التي تمسك بمقودها. فلسفة التاريخ هي مجال بحثي يجمع بين التاريخ والفلسفة، لكنه يصنّف علمياً كأحد فروع الفلسفة وموضوعاتها. تهتم فلسفة التاريخ بدراسة الأسس النظرية للتاريخ وتفسير وقائعه من منظور فلسفي، بهدف فهم حقيقة حركة التاريخ ودلالاتها. من خلال ذلك، تستنتج القوانين الاجتماعية التي تحرك التاريخ، والتي اكتشفها فلاسفة التاريخ من خلال استقراء الأحداث التي مرت بها البشرية، ومن خلال التوقف عند الدروس التي تركتها، حتى أمكنهم من خلال تلك القوانين التعرف على أسباب تشكل الحضارات والمجتمعات المنظمة وصعودها أو توقفها عن التقدم أو أفولها وسقوطها. هذه القوانين ليست جامدة كما هي عليه قوانين المادية التاريخية، بل إنّها تتمتع بالمرونة التي تجعلها خاضعة لإرادة الإنسان (الفرد أو المجتمع) وحريته في التحكم بمسيرة حياتهم، لا سيما تلك القوانين المشروطة التي ترتبط فيها النتائج بطبيعة فعل الإنسان. وقد أشارت النصوص الإسلامية المقدسة (القرآن والسنة) إلى هذه القوانين وأطلقت عليها صفة (السنن)، أي أن التفسير السنني للتاريخ يدخل ضمن منهجية فلسفة التاريخ، ولكنه يختلف عنها باستخدامه النصوص القرآنية ونصوص السنة الشريفة في اكتشاف طبيعة حركة التاريخ وقوانينها. ولعل جماعة (إخوان الصفا)، التي عاشت في العصر العباسي، هي أول من بلور هذا الاتجاه في معادلات وقواعد تفصيلية بالاعتماد على النصوص الإسلامية والرؤى الفلسفية اليونانية والرؤى الخاصة بالجماعة، ثم استفاد منهم ابن خلدون في مقدمته، وصولاً إلى العصر الحديث، حيث نظّر بعض المفكرين والعلماء المسلمين المعاصرين إلى التفسير الإسلامي للتاريخ، وأبرزهم مالك بن نبي والسيد محمد باقر الصدر وعماد الدين خليل والشيخ مرتضى مطهري وغيرهم. أما في الغرب، فقد تبلورت مدرسة فلسفة التاريخ على يد عدد من الفلاسفة وعلماء التاريخ خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الميلادي، لا سيما “أوزوالد شبنغلر” و”أرنولد توينبي”، حيث قرنوا فلسفة التاريخ بعلم اجتماع الحضارات. بينما يفرّق بعض المفكرين – كالشيخ محمد تقي مصباح اليزدي – بين فلسفة التاريخ وعلم اجتماع الحضارات، في حين يعدهما آخرون حقلاً واحداً يسمّونه التفسير الحضاري للتاريخ (Historismetry) الذي وضعه المؤرخ “فردريك وودز”، وإن اختلفت منهجية كل فيلسوف أو مفكر أو مؤرخ في الاكتشاف والاستدلال والاستنتاج. ويعدّ منهج القياس التاريخي قريباً من حقل فلسفة التاريخ ومنافساً له، ولكنه يختلف عنه في عدة أوجه. فمنهج القياس التاريخي يُخضع حقائق التاريخ للمعالجة الإحصائية وفقاً لبعض أساليب القياس الموضوعية، وبكلمة أخرى، فهو منهج يختص باختبار القوانين التاريخية أو السنن العامة التي تتعلق بالسلوك الإنساني، من خلال تطبيق التحليلات الكمية على معطيات مستخلصة من عينات تاريخية، كما يقول عالم النفس الأمريكي “دين كيث سايمنتن”. وبذلك يربط منهج القياس التاريخي بين فلسفة التاريخ وعلم النفس الاجتماعي، إذ إنه يكتشف القوانين السلوكية العامة التي تصنع الأحداث. وهناك أيضاً منهج آخر قريب من منهج فلسفة التاريخ والقياس التاريخي، هو منهج الإحصاءات التاريخية (clionometrics) الذي يهتم أيضاً بفهم حركة التاريخ، ولكنه يركز على الأرقام والإحصاءات الكمية، والمقارنة بينها، ودور زيادة أو نقصان هذه الأرقام في تحديد مسار التاريخ. وبعيداً عن المناهج التاريخية المحضة، فإنّ اتجاهاً مغايراً يرى أن الأفكار والمعتقدات هي التي توجه حركة التاريخ، ويمثله المفكر والفيلسوف الإنجليزي “جون ستيوارت ميل” وآخرون؛ إذ يقولون: إن الأفكار هي العامل الأساس في صنع الأحداث وفي تقدم وتراجع الحضارات والمجتمعات، وإن كل تقدم حضاري فعلي – كما يتبنى ذلك أيضاً الباحث المصري حسين مؤنس – لا بد أن يسير منذ البداية على خط فكري واضح ومدروس. وهناك باحثون ومؤرخون يرون أن المسار التاريخي للبشرية يجري في إطار مخططات خفية، ترسمها وتنفذها قوى سرية مركزية عليا تقود العالم وتحرك أحداثه، وأن هذه القوى هي التي تمتلك وحدها مستقبل العالم، وأن القادة والشعوب والأفكار ما هي إلا عناصر وبيادق تحركها هذه القوى، وهي موجودة دائماً وتتغير من حقبة زمنية إلى أخرى. وهذا الرأي هو خلاصة لنظرية المؤامرة في التحليل التاريخي. ولعل قراءة متأنية لما ورد في كتابي «أحجار على رقعة الشطرنج» للمؤرخ البريطاني “وليام غاي كار”، و«حكومة العالم الخفية» للباحث “سبيروفيش”، تكشف عن المفاصل الرئيسة لنظرية المؤامرة. يعتقد الأول أن النورانيين (الكنيس الشيطاني) هم القوة الخفية التي تحكم العالم، أما “سبيروفيش” فيعتقد أن اليهود والماسونيين هم الذين يقفون وراء حركة الأحداث في الماضي والحاضر والمستقبل. والحال، أن إعطاء هذا الدور لليهودية والماسونية فيه الكثير من الوهم والمبالغة، فمعظم أحداث العالم لا يمكن أن ترسمها سياسة أرضية موحدة، ولا يمكن أن تخضع لمخطط أرضي واحد، كما أن الماسونية أو اليهودية أو أصحاب الشركات الاحتكارية أو أصحاب رؤوس الأموال العالمية يظل دورهم محكوماً بالأحداث نفسها، ولا يمكن أن يكونوا قادرين على الإمساك بمؤامرة دولية تحدد حركة العالم برمتها. حتم التاريخ تقوم فلسفة الحتمية التاريخية على قاعدة وجود قوانين تاريخية اجتماعية صارمة تحرك المجتمع في إطار معادلاتها ونتائجها الحتمية. وقد أسس لها في التاريخ الحديث بعض الفلاسفة الألمان الذين قالوا بوجود معادلات تاريخية تحرك المجتمع، إلا أنهم، من “هيجل” في مثاليته التاريخية و”فيورباخ” في تفسيره الأنثروبولوجي والنفسي وحتى “سانت سيمون”، لم يعطوا هذه المعادلات درجة الحتمية ولم يصفوها بالصرامة. وقد تبلور هذا الاتجاه فيما بعد فيما عُرف بـ (فلسفة التاريخ). ثم بلور “كارل ماركس” و”فردريك أنجلز” و”بليخانوف” هذه المدرسة، وحولوها إلى نظرية اجتماعية أسموها (المادية التاريخية)، وهي خاضعة أيضاً لقانون الديالكتيك والعامل الاقتصادي. ثم نظر لهذه المدرسة فيما بعد “لينين” و”كوفالسون” و”ستالين” وغيرهم. وقد حاول “ماركس” إضفاء الطابع العلمي على نظريته الفلسفية، أي أنه عدّ قوانينه التاريخية قوانين علمية ثابتة. وحدد من خلالها خمس مراحل مرت بها البشرية أو لا بد أن تمر بها، وتبدأ بالمرحلة المشاعية البدائية، ثم الإقطاع والرأسمالية والاشتراكية، وأخيراً الشيوعية النهائية. وحين تقف البشرية عند مرحلة الرأسمالية، فإن الصراع الطبقي الحتمي في المجتمع الرأسمالي سينتهي بانتصار الطبقة العاملة التي تقوم بإنشاء مجتمع اشتراكي لا طبقي ـ أولاً ـ تمهيداً لقيام المجتمع الشيوعي الذي تنهار فيه كل القيم والأعراف والتمايزات الاجتماعية والنوازع الشخصية، وهو خيار البشرية النهائي. وفضلاً عن الإشكالات النظرية على فلسفة المادية التاريخية ومراحلها، فإن الواقع الموضوعي أثبت عدم صحتها أيضاً، وأن قوانينها ليست علمية، بل هي مجرد رؤى فلسفية؛ إذ إن التاريخ الإنساني مليء بالأحداث التي صنعتها إرادة المجتمع ولم يتحكم فيها قانون قسري معلوم النتائج، أو صنعتها إرادة فرد بذاته أو تفاعل مجموعة من العناصر. ولعل البيئتين الألمانية والروسية هما أفضل نموذجين أثبتا خطأ نظرية “ماركس” التاريخية، فالمجتمع الألماني ـ وفقاً لهذه النظرية ـ كان هو المرشح للصراع الطبقي، لوجود طبقة عاملة كبيرة فيه في ذلك الوقت، وكونه مجتمعاً صناعياً، وقد بلغت الرأسمالية في ألمانيا بعد عصر النهضة ذروة مجدها، ولكن هذا الصراع لم يحدث ولم تتحقق الشيوعية النهائية. بينما كان المجتمع الروسي إقطاعياً، وحدثت فيه الثورة الشيوعية. كما أن الثورة الشيوعية نفسها في روسيا لم تكن نتيجة لحتمية تاريخية، بل كانت عبارة عن تفاعل عدة عوامل، أبرزها: القائد (لينين)، والنخبة (البلشفيك)، والطبقة (العمال والفلاحون)، والشعب (الروسي)، والفكر (الماركسي). وكانت الثورة سياسية أكثر منها عقائدية أو آيديولوجية. وهكذا، فلا يمكن أن يكون خيار البشرية المستقبلي هو المشاعية النهائية؛ لأن التاريخ يسير منذ عصر “ماركس” وحتى الآن باتجاه آخر تماماً. التأريخ بين النص الديني والأسطورة ينزع علم التاريخ الحديث إلى المساواة في القيمة المصدرية بين النص الديني التاريخي والأسطورة من جهة، والتفريق بين النص الديني التاريخي والحقائق التاريخية من جهة أخرى؛ فهو لا يعد الروايات التاريخية في النص الديني مصدراً تاريخياً ولا حقيقة تاريخية، ويساوي بينها وبين الأساطير. ويذهب إلى أن دراسة التاريخ تتطلب تمييزًا دقيقًا بين الواقع والخيال، أو بين الحقائق التاريخية، والروايات الدينية والأساطير؛ لأن الحقائق التاريخية تعمل على تقديم سرد موضوعي للأحداث التي وقعت في الماضي، بينما تتناول الروايات الدينية والأساطير موضوعات ذات طابع روحي وأخلاقي وتثقيفي. وإذا كانت الحقائق التاريخية تستند إلى الوثائق والشهادات والأدلة الأثرية والمحسوسة، فإن الروايات الدينية تستند إلى نصوص غيبية، تعبر عنها الأديان بـ (الوحي)، وهدفها تقديم تفسير غيبي للوقائع، دون دليل محسوس أو شاهد. وبالتالي، فإن الروايات الدينية التاريخية عبارة عن قصص غير ثابتة تاريخياً، وغالباً ما تكون غير قابلة للتحقق. وهذه الإشكالية الكبيرة التي يطرحها علم التاريخ الحديث تكشف عن خلط أساس بين التاريخ الذي تسرده الرواية الدينية والأسطورة؛ لأن النص الديني مصدره الله، بينما الأسطورة مصدرها بشري. وهذا الخلط هو من نتاجات ما عُرف بعصر النهضة الأوروبية ثم عصر التنوير في الغرب، وهما عصران كرّسا النزعة العلمانية العميقة التي تفصل بين العلم والدين، وتعبر عن الأول بالحقيقة والعقل والحس والتجربة، وعن الثاني بالغيب والمثال والخيال والأسطورة. حتى أن أغلب مؤرخي عصر التنوير يعدون الأسطورة والرواية الدينية مفهوماً واحداً؛ فالروايات الدينية التاريخية هي قصص أسطورية أيضاً؛ فكلاهما لا يمثلان حقائق تاريخية. ويعبر هذا الرأي عن تجربة المؤرخين وعلماء التاريخ الأوروبيين مع بيئتهم الدينية التي شكّلتها النصوص الدينية اليهودية والمسيحية، أي أنها تجربة محلية لا يمكن تعميمها على البيئات الأخرى. وإذا كانت نتاج هذه التجربة ينطبق على أجزاء مهمة من النصوص المسيحية واليهودية، فإنها لا تنسجم مع النص الإسلامي؛ لأن النصوص اليهودية والمسيحية هي نصوص بشرية غالباً، في حين أن النص القرآني هو نص إلهي. وهذا لا يعني التسليم بجميع الروايات التاريخية التي تستند إلى الحديث النبوي أو أحاديث الأئمة؛ إذ إن كثيراً منها يعاني من مشاكل في السند أو المتن، وأنه يتعارض أحياناً حتى مع المفاهيم القرآنية. ولكن وجود الحديث الضعيف أو غير الصحيح أو المدسوس، ليس مسوغاً علمياً لإلغاء الأحداث والشخصيات التاريخية التي ذكرها النص القرآني والصحيح من الحديث برمتها. المصدر الديني للتاريخ يستند المؤرخ في تدوين الوقائع وتحليلها والتثبت منها على مشاهداته أو مسموعاته الموثقة أو الحفريات والمدونات الآثارية والتاريخية، بل يتسامح بعض مدارس التاريخ على الانتقاء من الأساطير والمثيولوجيا. وفي الوقت نفسه، تستبعد غالبية المدارس الأكاديمية النص الديني كمصدر تاريخي، وتذهب إلى أن النص التوراتي والإنجيلي والقرآني وغيرها لا تنطبق عليه معايير المصدرية المادية. والحال أن هناك وقائع تاريخية كثيرة مدونة في الكتب السماوية أو المنسوبة إلى السماء، تتعلق بسير الأنبياء والصالحين والملوك والطغاة وماضي الأمم ومسارات كثير من الأحداث، لكن المؤرخين لا يستندون إليها بوصفها مصادر مادية، ويسوغون ذلك بأن النصوص الدينية هي نصوص هداية وليست تاريخاً، وأنها ناظرة إلى العِبر والتذكير والتوعية والتعبئة والوعيد في هذه النصوص، وليس من الضروري أن يكون المراد منها توثيق الوقائع التاريخية، ولذلك، لا يمكن اعتمادها. وظهر بعض الباحثين التاريخيين العرب والمسلمين خلال العقود الأخيرة، الذين يشككون حيناً ويجزمون حيناً آخر، بأن وجود كثير من الأمم والأقوام والجماعات والأنبياء والصالحين والطغاة الذين وردت أسماؤهم في الكتب الدينية السماوية، ليس ثابتاً من الناحية التاريخية، بمن فيهم إبراهيم وموسى وأهل الكهف ـ مثالاً ـ بسبب عدم وجود أي أثر تاريخي يدل على وجودهم وأدوارهم في المدونات والحفريات والآثار، وخاصة الهيروغليفية (المصرية) والمسمارية (العراقية) واليونانية، وأنهم ذُكروا فقط في النص التوراتي الديني، ثم أكّد القرآن وجودهم. ونرى بعض المؤرخين والأركولوجيين يؤكدون وجود رمسيس الثاني ـ مثلاً ـ وهو الفرعون المعاصر للنبي موسى كما يرى بعض المؤرخين، لأنه مذكور في النص الهيروغليفي الفرعوني، لكنه يرى أن موسى ربما يكون شخصية أُسطورية، لأن النصوص الهيروغليفية الفرعونية لم تذكره ولم تؤرخ لوجوده، بل لم تؤرخ لوجود دور لهكذا شخصية في حياة الدولة الفرعونية في عهد رمسيس الثاني وولده. ويقول هؤلاء المؤرخون والآثاريون إن موسى ورد ذكره في التوراة فقط، وأيده القرآن، وهما نصان دينيان لا يمكن اعتمادهما مصدراً تأريخياً دالاً دلالة مادية على وجود الشخص ووقوع الحدث، بل يذهبون إلى أن النصوص التوراتية أخذت موضوعاتها التاريخية وسير الأنبياء والملوك، بما في ذلك الخلق والتكوين، من الأساطير السومرية والفرعونية، متجاهلين أن هذه الموضوعات والأسماء والوقائع ورد ذكرها في القرآن أيضاً، رغم أن أغلب أصحاب هذه الآراء هم من المسلمين. هذه الآراء تستند إلى معايير متهافتة، حتى في الجانب المادي؛ لأن الكتابات الفرعونية ـ مثالاً ـ من الطبيعي أن تمجد الحاكم وتدون سيرته وتبالغ في إنجازاته، وتنكّل بأعدائه وتمحو أثرهم، ومن الطبيعي ألا تذكر موسى. وبالتالي، ينبغي مراجعة مصدر آخر، وإن كان دينياً. فما الفرق؟ فإذا كان النص الديني التاريخي منحازاً لمصلحة النبي والمصلح والجماعة الدينية والأهداف الإيمانية، على حساب الحقائق التاريخية، فإن هذا الإشكال ينطبق أيضاً على النصوص الآثارية المسمارية أو التصويرية أو الحرفية، لأنها هي الأخرى منحازة إلى ولي نعمة الكاتب، وهو الحاكم وإنجازاته وانتصاراته. وبالتالي، إما أن يتم الاستناد إلى النصوص التاريخية الأرضية والنصوص التاريخية الدينية معاً، أو عدم اعتمادهما معاً، لأنهما يخضعان للمعايير نفسها، في حال كان المؤرخ يعتقد بأن النص الديني هو نص بشري أو نص للهداية وليس للأرخنة. هنا تظهر جملة مفارقات بشأن هذه المسوغات؛ فالنص الديني، سواء كان أفستائياً أو توراتياً أو إنجيلياً أو قرآنياً، هو ـ بكل الأحوال ـ نص ديني قديم بقدم وجود النبي المنسوب إليه النص، أي أن هناك من دوّنه ورواه منذ مئات أو آلاف السنين؛ فإذا كنا نعتقد أن هذه الكتب أو بعضها منزلة من الله وأنها نصوص مقدسة؛ فمن المستحيل أن يذكر الله أحداثاً وهمية وأشخاصاً وهميين أو سيرة مختلَقة لغرض الهداية. وحينها يكون من المؤكد أن كل ما ذكره النص الديني من أحداث وشخصيات ومسارات تاريخية، هي صحيحة، وقد وقعت بالفعل، ولم يذكرها الله كرموز للتسلية الهادفة والحكايا والقصص الهادية؛ لأن ذلك يتناقض كلياً مع غاية نزول النص وعصمته وقدسيته وفلسفة حضوره في حياة الإنسان، ولا يمكن أن تبرر غاية الهداية وسيلة الكذب عند الله. وبالتالي، لا مجال لعدم اعتماد النص الديني كمصدر تاريخي مادي محايد. هذا بالنسبة للمؤمن بإلهية بعض النصوص الدينية، أي الذي يؤمن بإلهية النص الديني؛ فيكون حجة عليه في القبول بمصدريتها التاريخية. أما إذا لم يكن المؤرخ مؤمناً بإلهية النص الديني وقدسيته؛ فلا يختلف الأمر كثيراً، وسيكون الاختلاف فقط في تمحيص النص الديني الخاص بالتاريخ والوقائع والسير، وتدقيقه ودراسته، حاله حال أي نص بشري؛ فهذا النص بالتالي كتبه شخص أو أشخاص قبل مئات وآلاف السنين، ودوّنوا ما شهدوه أو سمعوا به أو تناقلوه من أجيال سابقة، وهذه الشهادات والمدونات والروايات ربما تكون صادقة أو تكون موضوعة ومختلَقة أو مُبالغ بها، وهي بذلك لا تختلف عن أي نص تاريخي آثاري؛ فالألواح والكتابات الآثارية التاريخية كتبتها بشرٌ أيضاً، ولا سيما المقرّبون من الحكام، وبالتالي ربما تكون الوقائع والسير الموجودة فيها كاذبة أو ربما تكون صادقة أو مبالغ بها، ولا يمكن اعتمادها كمصدر لأحداث وقعت بالفعل، وهو ما تدل عليه الأساطير والتخريفات المليئة بالمدونات والآثار القديمة. وعليه؛ لا يوجد ما يمنع منهجياً من إخضاع النص الديني إلى معايير محاكمة الأثر التاريخي المدون نفسها، سواء كانت نصوصاً إلهية أو منسوبة للإله؛ لأن كلا النص الديني والأرضي، هما ـ كحد أدنى بالنسبة لغير المؤمن بإلهية النص الديني ـ صادران عن بشر يصيبون ويخطئون أو هم أصحاب أهداف خاصة، ويصبح لزاماً اعتماد النص الديني مصدراً للتأريخ، سواء كان المؤرخ مؤمناً بإلهية النص أو غير مؤمن. المصادر ابن خلدون، عبد الرحمن، «مقدمة ابن خلدون»، ط 4، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د.ت). ابن نبي، مالك، «شروط النهضة»، دار الفكر، دمشق، (د.ت). الجمل، د. شوقي، «علم التاريخ»، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998. خليل، د. عماد الدين، «التفسير الإسلامي للتاريخ»، دار العلم للملايين، بيروت، 1975. روزنتال، فرانز، «علم التأريخ عند المسلمين»، ترجمة: د. صالح أحمد العلي، دار المدار الإسلامي، القاهرة، 2017. سامعي، د. إسماعيل، «علم التاريخ: دراسة في المناهج والمصادر»، مركز الكتاب الأكاديمي، عمان، 2016. شراره، عبد اللطيف، «حكمة التاريخ»، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، 1990. الصدر، السيد محمد باقر، «المدرسة القرآنية»، ط 2، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1982. الطبري، محمد بن جرير، «تاريخ الأمم والملوك»، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د.ت). العسكري، مرتضى، «خمسون ومائة صحابي مختلف»، ط 4، دار الزهراء، بيروت، 1980. العروي، عبد الله، «مفهوم التاريخ»، الدار البيضاء- بيروت، المركز الثقافي العربي، 1997. كوثراني، د. وجيه، «تاريخ التأريخ: اتجاهات مدارس مناهج»، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2023. المؤمن، د. علي، «الفكر الإسلامي المستقبلي: مقاربات في المنهج»، دار روافد، بيروت، 2023. المؤمن، علي، «القرن العشرون: مائة عام من العنف»، دار روافد، بيروت، 2006. المطهري، الشيخ مرتضى، «المجتمع والتاريخ»، ترجمة: محمد علي آذرشب، مؤسسة البعثة، طهران (د.ت). متز، آدم، «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري»، تعريب: محمد عبد الهادي أبو ريدة، ط 5، دار الكتاب العربي، بيروت. النجار، د. جميل موسى، «علم التاريخ وفلسفته في فكر ابن خلدون»، منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2013. نوري، د. موفق سالم، «علم التاريخ: ماهيته منهجيته تدوينه مدارسه مصادره»، دار الفكر، بيروت، 2014.

Thursday, January 02, 2025

هذا ما شاهدته في إيران عام 1995م - القسم الأول :

هذا ما شاهدته في ايران عام 1995 (القسم الاول) هذا ما شاهدته في ايران عام 1995 (القسم الاول) بقلم د. رضا العطار حينما كنت مقيما في واشنطن عام 1995 وانا في حالة تقاعد، تلقيت من ادارة مستشفى العراقيين في ايران دعوة للقدوم الى طهران لأستلام عيادتها الخارجية لطبابة العيون. وعندما قدمت علمت بان داري سيكون في منطقة سعادت آباد، وهي من ارقى المناطق السكنية في مصايف الشمرانات الكائنة شمال العاصمة، المتميزة بهوائها العذب، والتي تفترش مساحة واسعة من سفوح جبال الأرز المكسوة قممها بالثلوج طيلة ايام السنة. كان لي جار يدعى مهدي سقطجي وكان في حينه رئيسا لغرفة تجارة السجاد في ايران، وسرعان ما ارتبطت به بصداقة، انه كان على جانب كبير من اللطف والمودة، مما رفع العلاقة معه الى مستوى الحميمية . كان من عادته ان ينهض من فراشه وقت السحر ايام الجمعة إسوة بألاف الرجال من سكنة طهران ليتجهوا صوب الجبال الكائنة شمال مدينتهم، كان هدفهم ممارسة رياضة التسلق، وقد اعجبني ان اشارك هوايتهم هذه كسبا للمعرفة. كانت الرياضة في ذلك الوقت المبكر من النهار تلهم اجسادهم نشاطا وارواحهم بهجة ونورا، كانت الوريقات الرقيقة لزهيرات الطريق في تلك اللحظات لا زالت ندية، تزين جمال الارض، وتنشر عطرها الفواح في الارجاء، كان الجو في ذلك النهار صافيا رائعا، فشعرنا بالسرور والمزاج الرائق، كانت نزهتنا مفعمة باحاديث مشوقة مطعمة بالنوادر والنكت، ناهيك انها كانت تتيح للمشاركين فيها فرصة المعاشرة الأجتماعية والتعرف على الاخرين. ومما خطف انتباهي ان صديقي مهدي كان اثناء سيره متحمسا في التقاط احطاب الطريق، وهي قطع خشبيه صغيرة تناثرت بفعل العواصف و الرياح . . . كان الطريق طويلا، فكنا نتوقف بين الفينة والاخرى لاخذ قسط من الراحة، كانت علامات الفرح والابتهاج مرتسمة على الوجوه، واصلنا السير حتى بلغنا الذروة، كان الجو في الاعالي رائقا و الهواء منعشا وطريا، فكانت غبطتنا عارمة، ولم يدر في خلد احدنا بان مهدي سوف يخرج من تحت الصخور ابريقا مسودا ثم يملئه بالماء ويشعل تحته النار. وعندما اصبح الشاي جاهزا، تناولنا فطورنا مع الاشعاعات الاولى لنور الصباح، وابتهجنا في رؤية شروق الشمس. كان منظر الطبيعة من ذلك الارتفاع الشاهق في غاية الجاذبية والروعة. وترائت لنا الدنيا من حولنا ضاحكة تنبض بالحياة والحركة واحسست وكأن الكائنات في حالة تسبًيح وتهليل، ورحت في تأملات، ووقفت ازاء عظمة الكوبن وجمال الخالق خاشعا، واستقبلت الحياة التي وسعت علي كل شيئ، حامدا شاكرا، ويقيني بانني عايش، واني جزء من هذا الوجود، يملئان قلبي فرحا، وان كياني يطفح حبا وحنانا للارض وما عليها من مخلوقات، فأنا اعشق جنس البشر، فآليت على نفسي ان اكون مع الانسان اكثر رقة وتعاطفا، ومع السائل اوفر عطاء، وبالحيوان اكثر رأفة، وبالنبات اسبغ رعاية. وتمنيت ان يعيش البشر ـ كل البشر ـ في سلام ووئام هذا في الوقت الذي لم اكن انظر بعين الرضا ان يكون جزءا كبيرا من الشعب الايراني بعد عمر الشباب يتعرضون الى حالة الحزن وما يعقبها من بكاء في اغلب الاحيان. ونحن نعلم جيدا ما تحمله كلمة الحزن من المشاعر النفسية الضارة كالآسى والياس والتشائم، فاذا ما تغلغلت هذه الظاهرة في ثنايا روح الحزين، اصبحت بمرور الزمن عادة اجتماعية مألوفة. فالحزن والبكاء حالتان سلبيتان تعكران صفو الحياة. والغريب حقا ان تقوم الجمهورية الاسلامية بدعم هذه الحالة النفسية، والاغرب من ذلك ان يوجه اية االله الخميني دعوته للمؤمنيين بأن يستفيدوا من (بركة) البكاء وما تستدر من ثواب فهو الوسيلة الوحيدة لأستجابة الدعاء. فالحزن المزمن في نظر الشخص المؤمن هو القدح المعلى، يكسبه المهابة والوقار. في اعقاب ثورة اية الله الخميني عام 1979 تبدلت اسماء معظم المستشفيات في ايران. فلو كان الاسم (مستشفى الشفاء) مثلا، تغير الى (مستشفى الشهيد . . . ) ومن المحقق ان نفسية المريض تتأثر سلبا او ايجابا بعنوان تلك المستشفى، فلو كان العنوان (الشفاء) تفائل خيرا، اما اذا كان الاسم (الشهيد)، سيطرت عليه الهواجس. في تسعينيات القرن الماضي سكن بقربي طبيب ايراني قدم الى امريكا للدخول في دورة تخصصية، وبعد ان تم التعارف بيننا طلب مني مساعدته في اعمال الترجمة، فأنجزت له ذلك. وعند الأنتهاء من مهمته، دعاني الى داره للعشاء، فقبلت دعوته شاكرا و ذهبت اليه، وتبين لي بان الرجل كان مسلما متدينا لحد التزمت. كان برفقة زوجته التي لم اراها قط، فلم تظهر وهي المحجبة لترحب، ولا دنت من مائدة الطعام لتشارك، انما مكثت قابعة في المطبخ، عازلة نفسها عزلة تامة، وتأخر موعد العشاء حتى اخذ الجوع مني مأخذا، لكن عندما حان وقت شرب الشاي، لم يكن يجول في خاطري ابدا بان الزوج سوف يقدم على فتح جهاز المسجل دون ان يأخذ برأي، فأسائني ذالك كثيرا وكنت على وشك ان اشيح عنه واغادر، لكنني بقيت على مضض، استمع الى الصوت العالي لأحداث شهر محرم الدامية وانا غير راغب ان اسمع، وعندما جاء على ذكر عاشوراء قام الرجل بأطفاء النور، وبعد صمت قليل، تعالى صوت البكاء من وراء الستار. إن الغلو في ممارسة الطقوس المذهبية عند المتديين الايرانيين يعد احدى تجلياتهم. سمتها الحزن و البكاء. اما عن الحالة النفسية لبقية افراد الشعب فعلمه عند الله. وفي هذا المجال يسرني ان يستعلم القارئ الكريم بان الحسين بن علي الملقب بسيد الشهداء يحظى لدى الايرانيين بأعلى درجات التقديس، فقلوبهم تخفق له حبا، فالحسين صهرهم وهو زوج شهربانو بنت الملك يزدجرد. وهو في الوقت نفسه ابن فاطمة الزهراء، بنت الرسول. استدراك : عندما غزا الخليفة عمر بن الخطاب بلاد فارس عام 43 للهجرة، وساق ابناء ملكها يزدجرد سبايا الى جزيرة العرب ايغالا في الاذلال وبيعه اياهم في سوق النخاسة كانت شهربانو ضمن قافلة السبايا. لم يغفر الفرس العرب على فعلتهم التاريخية هذه، فظهرت اولى بوادر الكراهية بينهما منذ ذلك الحين و استمرت الى يومنا هذا. .

هذا ما شاهدته في إيران - القسم الثاني :

هذا ما شاهدته في ايران عام 1995 (القسم الثاني) هذا ما شاهدته في ايران عام 1995 (القسم الثاني) بقلم د. رضا العطار حينما كنت مقيما في واشنطن عام 1995 وانا في سبعينيات العمر، تلقيت من ادارة مستشفى العراقيين في ايران دعوة للقدوم الى طهران لأستلام عيادتها الخارجية لطبابة العيون. وعندما وصلت علمت بان داري سيكون في منطقة سعادت آباد، ارقى المناطق السكنية في مصايف الشمرانات المعروفة بهوائها العذب، والتي تفترش مساحات شاسعة من سفوح جبال الأرز المكسوة قممها بالثلوج طيلة ايام السنة. بدأت بالعمل، فكنت بحكم مهنتي على تماس مع مختلف افراد المجتمع، عراقيين وايرانيين على حد سواء، وقد خطف انتباهي عن طريق الصدفة رجل كهل في سنه لكنه كان فاضلا في اخلاقه، استاذ جامعة متقاعد، رفيع القدر، فأعجبني شخصه واتخذته صديقا لي، وعندما لمست انه يرنو اليً بكثير من اللطف والمودة، رفعتُ العلاقة بيننا الى مستوى الحميمية. وفي احد الايام اخبرني باننا مدعوين الى حفل زفاف مكتظ بالمفاجآت، فسرني ذالك كثيرا . وفي مساء اليوم التالي والوقت المعلن اصطحبني بسيارته متجها الى احدى ضواحي العاصمة طهران، واستمر في سياقته الى ان دخلنا منطقة، ترائت لنا انها منطقة معزولة ان لم تكن مقفلة، فقد كانت الشوارع فيها تفتقد للأنارة، لكننا رغم ذالك واصلنا السير لدقائق عدة حتى لاح لنا شبح مسلحين يقفان على جانبي باب حديدي لبناية كبيرة يحرسانه. وعندما دلفنا داخلا بعد ان ابرزنا بطاقة الدعوة وجدنا انفسنا في عالم آخر، ان ما رأيناه كاد ان لا يصدق: فقد كان الاحتفال بحفل الزواج يجري على النمط الاوربي، كان المشهد يسطع بالانوار ويتألق بعشرات النساء السافرات وقد حفلن بأجمل الازياء وبآخر موضة، حتى ان بعضهن في ثيابهن كن اقرب الى الخلاعة منها الى الحشمة. وقد انتظمن مع ازواجهن في فعاليات فنية متعددة، كان الرقص الغربي اكثرها شيوعا، انهم كانو يمارسونه بمهارة و حذاقة. كانت انغام رقصة التانكو للفرقة الموسيقية قد استهوتهم لحد كبير، فأخذوا بجمالية الالحان حتى ذابوا بفيض عواطفها. اما عن حرية الانسان التي احسوا بروعتها، فكانت في كامل انطلاقها، هذه الحرية وهي اللحن الاصيل الذي يترنم به كل عاشق قد احتلت مداها الى اقصى حد. فكان فرحي لفرحهم عظيما اما المتسامرون الذين لم يشاركوا اخوانهم عروضهم الفنية فقد احتشدوا حول الموائد المستديرة للقاعة مبتهجين يتحدثون بما طاب لهم من حلو الحديث. كانت الاجواء تسطع بالافراح، واما المحتفلون فحانوا في جذل وحبور، يستمتعون بالحياة الحرة داخل نطاق قاعتهم على نحو قاطع لا تشبه تلك التي تمارس داخل المجتمع الايراني، انها كانت فرصة ذهبية اتاحت للمشاركين التحرر الكامل من عاداتهم المحافظة وتقاليدهم البالية ومن معتقداتهم الجامدة والتوجهات السياسية الصارمة التي لا تجعل من المجتمع الانساني مجتمعا خلابا. لم تكن الخمرة مسموح بها في العلن، لكن ان ما اعلمه علم اليقين بان معظم المتسامرين كان قد احتساها في السر. وقبل ان يصل الليل الى منتصفه، وبعد ان اشرفت الفعاليات الفنية على نهايتها دُعي الضيوف الى مائدة العشاء . . . كانت سفرة العشاء لتلك الليلة سفرة خرافية، كانت مائدة الطعام قد اخذت من القاعة الواسعة اقصى مداها. وتميزت باحتوائها على مشاعل تستعر فيها النيران، يتوسطها عدد من الخرفان المحشية، وفي فم كل واحد منها الحشيش الأخضر، شارة نوروز. لا يخفى على القارئ الكريم بان من عادة الأيرانيين ان يُتوًجوا مناسبات افراحهم سواء أكانت اعياد اوحفلات اعراس فخمة بمشاعل النار، تبقى مشتعلة طوال ساعات الليل، فللنار عندهم مكانة تاريخية موغلة في القدم، تدخل في صلب تقاليدهم الفارسية. تعتبر النار في العقيدة الزرادشتية مقدسة، بينما هي في الديانة المجوسية معبودة، وهي الرمز القومي للحضارة الساسانية منذ ايام ملكهم كسرا وفي ختام الاحتفال سألني صاحبي رأي بما شاهدت، فقلت : عجب العجاب واضفت : كيف يمكن ان يحدث كل هذا ونحن نرتمي في احضان الجمهورية الاسلامية ؟ فاوضح لي صاحبي قائلا : في ماضي الزمان كانت آلاف العوائل الايرانية تنقل مناسباتها الاجتماعية الى الدول الاوربية كل عام، بهدف الاستفادة من اجوائها الحرة، تكلفها مبالغ مالية جسيمة. وتلافيا لهذه الخسائر المادية، اقدمت الدولة على معالجة هذه الظاهرة عن طريق تهيئت الظروف المشابهة للحياة في الغرب من وسائل وادوات ترف داخل البلاد كي تمكن النخب من ممارسة فعالياتها الاجتماعية بحرية كاملة وحسبما تشاء مقابل مبلغ معلوم. فكانت حماية المحتفلين بالقوة العسكرية تحسبا من هجوم المتعصبين ضمن خدماتها.

بين عام إنتهى و عام جديد قد بدأ :

بين عام انتهى وعام جّديد قد بدأ.. بمناسبة حلول العام الجديد 2025، نبارك لأبناء وطننا الأعزاء ونأمل منهم السعي الحثيث لتحقيق ما يأملوه لبلدهم من التقدم والتطور والازدهار لكي يعم الأمن والسلام والخير والسعادة والاطمئنان وذلك بان يصطفوا خلف من يعرفوهم من المخلصين لبلدهم والصادقين معهم؛ ان أكثر من 80٪ من أبناء وطننا قد يأسوا ولم يشاركوا بالانتخابات، فإن لم يغير هؤلاء موقفهم ويسعوا سعياً حقيقياً لإنقاذ بلدهم فسيبقى الفساد وسيبقى التدهور والسقوط وهناك خشية حقيقية لجملة من المخاطر كتراجع استهلاك النفط في العالم وانخفاض أسعاره وعجز الحكومة عن توفير رواتب الملايين من الموظفين ، نأمل من كافة أبناء بلدنا ان لا ينخدعوا بالوعود الكاذبة من قبل الكثير من الفاسدين الذين لا هم لهم الا تحقيق مصالحهم الضيقة على حساب الوطن ليحق الحق ويعم العدل وينتهي الفساد . أنكم شعب عظيم يتحلى بالصبر والشجاعة والبطولة والنبل وقادرين على تغيير البوصلة. وكذلك ادعو الطبقة السياسية أن تعيد حساباتها رأفة ورفقاً بأبناء بلدهم الذين عانوا الكثير منذ أكثر من عقدين من الزمن بسبب سياسات الفاسدين منهم والعمل على رسم مستقبل طيب للأجيال القادمة لينعم أبناء بلدنا بالرخاء والخير والسعادة . فنكون مصداق قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾

سؤآل الفلاسفة اليوم ؟

سؤآل الفلاسفة اليوم؟ الفلسفة هي دراسة الوجود والمعرفة والقيم والعقل واللغة. بعبارة أخرى، إنها الاستكشاف الأكاديمي للأسئلة الكبرى في الحياة. إنها تخصص يمكن تطبيقه على أي مجال أو موضوع ويساعد في تطوير مهارات التفكير النقدي. الفلسفة هي واحدة من أقدم التخصصات في العالم، ويمكن تتبع تاريخها إلى اليونان القديمة. لا تزال أعمال أفلاطون وأرسطو، تُدرس وتُقرأ حتى اليوم. كان للفلسفة تأثير كبير على العديد من مجالات الحياة والمهن بما في ذلك الحقوق والفنون والعلوم والسياسة. ماهو متعارف عليه هو خوض الفلاسفة في مشاكل المعرفة بحثا عن الحقيقة واليقين ودراستهم للقيم ومعايير السلوك البشري ولكننا نراهم اليوم يعودون الى طرح قضايا تتعلق بمعنى الوجود في العالم ومستقبل الحياة على الكوكب وجعلوا من الطبيعة محور اهتمام متجدد في اتجاه مضاد للتصحر والتجمد ومن الصحة مجال للتنقيب الأركيولوجي والتشريح الطبي ومن الرقمي حقل استثمار ودعاية وترويج. لقد أصبحت مهمة الفلاسفة اليوم هي استكشاف الحياة الطيبة في ظل ما يعانيه الناس اليوم من شقاء الوعي وتعاسة الضمير وتراجيديا الفعل وآلام الجسد والشح المائي وندرة الغذاء والدواء وقلة الموارد الطبيعية. فما الذي يشكل حياة طيبة لسكان الارض على أية حال؟ و لماذا “يجب علينا أن نتخيل سيزيف سعيدًا” ؟ لقد كان ألبرت كامي يعتقد أن كل واحد من بني البشر يشبه سيزيف، حيث لا شيء مما يفعله أي منا له أهمية جوهرية، لأن الحياة ببساطة لا تحمل أي معنى جوهري. فنحن جميعًا نتدحرج وندحرج الصخور على تلالنا الخاصة. ومع ذلك، يمكننا اختيار إعطاء معنى لما نفعله. ففي نهاية المطاف، بالنسبة للوجوديين، نحن نقرر ما الذي نقدره، لذا عندما نلقي بأنفسنا في مهمة، تصبح مليئة بالمعنى -المعنى الذي نعطيه لها. كما تساعدنا الفلسفة على فهم الذات والعالم والغير وتعلمنا كيفية التشكيك في افتراضاتنا المسبقة. يعتبر الكثيرون بعض الأشياء أمرًا مسلمًا به دون التساؤل عن سبب إيماننا بها. من خلال استكشاف كيفية تشكيل الأفكار والمعتقدات وكيفية تطور هذا عبر التاريخ، يمكننا أن نبدأ في فهم إطار معتقداتنا الدينية وقناعاتنا المشتركة ونظرتنا المالوفة للعالم. قد تبدو الفلسفة نظريات مجردة، لكنها في الواقع ليست كذلك. ستساعد الناس على التساؤل وإيجاد إجابات وتوسيع الفكر والعالم. إن حالات العالم التي نعتبرها أمرًا مسلمًا به ليست واضحة عندما يتم التعمق فيها. بشكل عام، نعتقد أنها تساعدنا على التفكير خارج الصندوق وعدم جعلنا عالقًين في نفس الصور النمطية. كما يمكن للفلسفة أيضًا أن توفر إطارًا لاتخاذ القرارات الأخلاقية واستكشاف الأسئلة المهمة حول الحياة والموت والمعنى والغرض وتعمل على تطوير مهارات التفكير المنطقي والمجرد، والتي تعد ضرورية للنجاح في أي مجال. كما تساعد الفلسفة على معرفة كيف يجب أن تكون مواطنًا صالحا في هذا العالم المليء بالفساد وأن تعرف المسؤوليات وان تكون لديك العديد من الخيارات الأخلاقية وعلى اثراء الحياة الداخلية والعلاقات الاجتماعية. 3.ماهو الدور الذي تضطلع به التكنولوجيا في تغيير نمط حياة الإنسان واعادة تشكيل العالم؟ طلب روبرت نوزيك في كتابه “الفوضى والدولة واليوتوبيا” (1974) أن نتخيل أن العلماء طوروا الابتكار النهائي في الواقع الافتراضي، والمعروف باسم آلة التجربة. تسمح لك الآلة بالحصول على أي تجربة تريدها، طالما أردت – لمدة ساعة، أو يوم، أو عامين، أو حتى لبقية حياتك، ربما. سيرتاح جسدك بشكل مريح، تحت رعاية الممرضات، ويتغذى من خلال أنابيب التغذية. وفي الوقت نفسه، سيختبر عقلك أفضل ما يمكن أن يقدمه خيالك. يمكنك تحقيق الشهرة والثروة التي طالما أردتها، أو علاج السرطان، أو تسلق الجبال ببطولة – أيًا كان اختيارك. ولكن نوزيك يرتب الموقف بحيث تنسى أنك متصل بالآلة، وأن المحاكاة مكتملة إلى الحد الذي يجعلك تقتنع أثناء وجودك فيها بأن هذه التجارب تحدث بالفعل. وسوف تشعر بأن كل شيء حقيقي مثل التجارب التي تعيشها الآن، ولن يكون هناك أي وسيلة لمعرفة أنك في محاكاة. بعد ذلك يمنحك نوزيك خيارًا بين حياة كاملة داخل الآلة أو حياة خارجها. وقد رتب التجربة الفكرية بهذه الطريقة ليسأل عما إذا كانت المتعة هي الشيء الوحيد الذي نرغب فيه حقًا، لأنه أثناء وجود الشخص داخل الآلة يمكن أن يستمتع بقدر ما يتخيله من المتعة. ولكن نوزيك نفسه لم يكن مهتمًا بدخول الآلة مدى الحياة، وكان يعتقد أن معظمنا لن يهتم أيضًا، فقط لأن التجارب التي تمنحنا إياها لا تتوافق مع الواقع. لذا، على الرغم من أنك قد تشعر وكأنك تعيش علاقات ذات مغزى داخل الآلة، إلا أنك في العالم الحقيقي، مستلقٍ على سرير وتعيش تجارب محاكاة للوجود مع أشخاص غير موجودين. ولقد خلص نوزيك إلى أن الحقيقة هي أيضًا قيمة بالنسبة لنا لا يمكن استبدالها بالمتعة. إذا كان التأثير الفعلي على العالم الحقيقي مهمًا بالنسبة لك، فهذا شيء لن تتمكن آلة التجربة من منحه لك. إذا كنت من أتباع مبدأ اللذة – الشخص الذي يعتقد أن “الخير” يساوي “المتعة” – فإن مجرد الحصول على أي تجارب ممتعة ترغب فيها هو ما تريده أكثر من أي شيء آخر. في هذه الحالة، قد يكون من الصعب أن ترى سببًا لعدم دخولك إلى آلة التجربة. بعد كل شيء، ستسمح لك بتجربة أشياء لم يكن من الممكن أن تجربها أبدًا لولا ذلك. يجب التأكيد على الحاجة الملحة للأخلاقيات في صناعة التكنولوجيا ومع تزايد حضور التكنولوجيا في كل مجالات حياتنا وتجاوزها لحدود جديدة، فإنها تفرض العديد من المعضلات الأخلاقية الجديدة التي لا يمكننا حلها بدون الفلسفة. كما تتزايد المخاوف بشأن الحريات الشخصية والخصوصية والأخلاق والأسس التي تقوم عليها الاختراعات المستقبلية، وربما تكون الفلسفة هي التخصص الوحيد الذي يمكنه التعامل مع هذه المخاوف. في المشهد التكنولوجي الحالي، فإن الأسئلة الوحيدة التي تُطرح عند النظر في الابتكارات هي – هل هذا ممكن؟ وهل هو مربح؟ إن الأسئلة الأخلاقية غير موجودة، والقيود الوحيدة قانونية. وفي حين تفشل الأطر القانونية في معظم البلدان في مواكبة الابتكار التكنولوجي، فإن شركات التكنولوجيا تحتاج إلى القدرة على النظر إلى الداخل وتقييم المبررات – أو عدم وجودها – لمشاريعها. هذا هو السبب في أن المفكرين الرائدين يوصون شركات التكنولوجيا بتوظيف الفلاسفة لطرح الأسئلة الأخلاقية – وليس فقط الأسئلة التقنية والاقتصادية التي يستشيرون فيها الخبراء. ليس من المستبعد أن نعتقد أن شركات التكنولوجيا الكبرى قد ترغب في توظيف الفلاسفة في السنوات القادمة. لقد أصبحت أفضل الكليات على دراية بكيفية تغلغل التكنولوجيا في كل مجال في العالم المعاصر. وبناءً على ذلك، بدأت أفضل الكليات في دمج دورات التكنولوجيا لإعداد خريجيها للعالم الرقمي. في حين قد يعتقد الكثيرون في صناعة التكنولوجيا أن التكنولوجيا محايدة أو حتى حتمية، فإن الحقيقة هي أن علاقات القوة في المجتمع والسياق الثقافي تشكل التكنولوجيا، تمامًا المجتمع. وهذا يستلزم التفكير النقدي حول التكنولوجيا من جهة التشكل والتبعات. تؤكد النظرية النقدية للتكنولوجيا على إمكانية وجود تكوينات تكنولوجية أخرى تتوافق مع المبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من خلال النظر في الجوانب الاجتماعية والسياسية للتكنولوجيا. تمنح أفضل الكليات منظورًا شاملاً حول الترابطات بين السياسة والاقتصاد والتاريخ والثقافة وتأثيرها الجماعي على التكنولوجيا. 4.كيف يعد الفيلسوف باحثا عن القيمة والمعنى في الثقافة وحارسا للعقلانية والمشروعية؟ في الفلسفة، غالبًا ما تقودنا الأسئلة غير المحلولة إلى إعادة التفكير في فهمنا للمجهول. هل يمكن لهذه الأسئلة نفسها أن تثير شعورًا أعمق بالدهشة وهل هذه هي القيمة النهائية التي تجلبها؟ تركز أبحاث الفلاسفة على الاعتراف بالجهل وتوسع رغبة الفضول ودور التساؤل في الفكر العقلاني المشروع. إن الفلاسفة يحبون أن يروا أنفسهم مفكرين ناقدين محايدين. ولكنهم قد ينجرفون في أفكارهم إلى حد الهوس بفكرة فلسفية أو عمل فلسفي. إن الفلسفة تولد في الدهشة، ولكن النظريات الفلسفية يمكن أن تصبح هي نفسها مصدراً للدهشة. وهي تفعل ذلك من خلال مساعدتنا على رؤية العالم وما كنا نعتقد أننا نعرفه بعيون مختلفة. فهي تمنحنا شعوراً بالأولوية: أي رؤية المألوف على أنه عجيب أو غريب، وكأننا نواجهه لأول مرة. ونحصل على هذا الشعور بالأولوية في المواقف الدنيوية، مثل عندما تبدو كلمة شائعة فجأة غريبة، أو عندما يبدو مشهد عادي فجأة غريباً. ويزرع بعض الفلاسفة هذا الشعور بالأولوية من خلال تشجيعنا على التفكير في غرابة المواقف التي نادراً ما نتوقف فيها للتأمل. ورغم أن الأفكار التي تثير اهتمام الفلاسفة لا تحرم عامة الناس من النوم في كثير من الأحيان، فإن كل فرد، بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية أو التعليم، يمر بلحظات من التأمل الهادئ والتعجب. ويتساءل فلاسفة آخرون عن الأعراف الاجتماعية. ورغم أن أعرافنا ومؤسساتنا تبدو وكأنها ثابتة، فإنها في الواقع ليست كذلك، ولدينا القدرة على تغييرها. ونرى هذا بوضوح في الفلسفة المعاصرة للنوع والعرق، ولكن أيضا في الأعمال القديمة. تُعلِّم الفلسفة التفكير النقدي من خلال تشجيع العقول على التشكيك في كل ما يتم تعليمهم إياها. ويتم تشجيع الناس على تطوير معتقداتهم الخاصة والتفكير بأنفسهم. هذه مهارة قيمة، خاصة في عالم أصبح من الصعب فيه التمييز بين الحقيقة والخيال. كما تُعلِّم الفلسفة كيفية الجدال بفعالية. وهذا مهم، لأنها تسمح للبشر بالدفاع عن معتقداتهم ضد الحجج المعارضة ويساعدهم على فهم آراء الآخرين بشكل أفضل. كما تتضمن الفلسفة بعض المهارات ذات القيمة الأعلى التي يكتسبها الناس معهم، على غرار مهارات الكتابة وفهم القراءة والتحدث والتعلم النشط والتعليم والتفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة والفطنة الاجتماعية والحكمة الإيتيقية والتدبير الايكولوجي. 5.إلى أي حد يمكن اعتبار براغماتية الفلسفة الفردانية التملكية في مجتمعاتنا مشكلا حقيقيا؟ هناك انتشار لنزعة براغماتية فجة مبنية على ابيقورية حسية مضافا اليها نزعة حسية نفعية تفضي الى انتشار مشاعر انانية متمحورة حول الشخصية الفردانية ومنتشرة نرجسيا على الصعيد الواقع الاجتماعي. لكن الفلسفة مهمة للأعمال التقليدية والانشطة المتعلقة بالتمويل والإدارة وتعتبر وسيلة رائعة للنظر في المشاكل التي قد تؤثر على الشركات في المستقبل، مثل: القضايا الأخلاقية مثل المواطنة المؤسساتية أو ممارسات العمل غير العادلة. سوف تحتاج البشرية إلى رؤية سريعة للقضايا المعقدة، وتجميع الحجج المقنعة لصالح التملك الخاص أو ضد المقترحات المقدمة، وتصفية المعلومات ذات الصلة من غير ذات الصلة، والتحقق من اتساق وسلامة أوراق السياسات الاقتصادية، وتحديد المشاكل الحاسمة وتحديد القضايا التي لا تزال غير مفهومة بشكل جيد. كما أن الأسئلة المتعلقة بالتكنولوجيا، مثل ما إذا كان ينبغي السماح بالأتمتة لأنها يمكن أن تحل محل العمال البشريين بسهولة أكبر بكثير من ذي قبل. مع استمرار النمو في التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي، نشهد قلقًا متزايدًا بشأن دور وأخلاقيات استخدام التكنولوجيا. لذلك، من المتوقع أن تنمو مجالات مثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وقانون حقوق النشر والتمويل. في السنوات الأخيرة، كان هناك اتجاه متزايد لتطبيق التفكير الفلسفي في مجال الأعمال. فليس من النادر أن تدعو الشركات العالمية الفلاسفة، ويتم تقديم خدمات مبتكرة باستمرار في جميع أنحاء العالم من قبل الأفراد الذين درسوا الفلسفة. غالبًا ما يُنظر إلى الفلسفة على أنها مثال شائع لـ “التخصصات الأكاديمية غير العملية”، فلماذا تجتذب هذه الانشغالات الآن اهتمامًا كبيرًا في مجال المال وعالم الأعمال؟ إن الاستشارات الفلسفية هي محاولة لتطبيق المعرفة والفكر الفلسفي المتخصص في إدارة الأعمال والتنظيم، والتي اكتسبت بالفعل بعض الزخم في المجتمع الصناعي المتقدم. أثناء البحث في العديد من الشركات، تمت ملاحظة أن العديد منها عانت من قضايا مثل الافتقار إلى الوضوح في الأهداف المتوسطة إلى الطويلة الأجل وعدم اليقين بشأن كيفية تحسين المشاريع الحالية. إن المنهج النموذجي للتعامل مع هذه القضايا ينطوي بشكل عام على أنشطة مثل جمع الموظفين لتبادل الأفكار أو إجراء أبحاث تسويقية ونمذجة المنتجات بما يتماشى مع الاتجاهات. ولكن الاعتماد فقط على منهج عشوائي أو تكرار العصف الذهني والتجربة والخطأ العشوائي، يمكن أن يؤدي في النهاية إلى استنزاف الأموال والأفكار والمواهب. وعلاوة على ذلك، فإن الرضا عن الأفكار المؤقتة يعيق في كثير من الأحيان استكشاف القيمة الجوهرية، مما يجعل من الصعب خلق قيمة تدعم الأهداف المتوسطة إلى الطويلة الأجل. لنأخذ الأعمال التجارية كمثال. تخيل أن هناك بالفعل وفرة من المنتجات في العالم، وكل ما يحتاجه الناس متاح بسهولة. لم تعد الفكرة التقليدية القائلة بأن الأعمال التجارية تزدهر من خلال تلبية الطلب بالعرض قابلة للتطبيق. ومع ذلك، لا يزال يتعين علينا الاستمرار في بيع المنتجات من أجل العمل. في مثل هذه الحالة، ماذا ينبغي لنا أن نفعل؟ إذا كنت صاحب عمل، فقد تجيب بالقول إننا يجب أن نجري أبحاث تسويقية، ونحلل البيانات لفهم الاتجاهات، ونستثمر أكثر في العلاقات العامة. ومع ذلك، فإن العملاء لديهم بالفعل ما يريدون. وحتى لو تمكنا من الاستحواذ على حصة السوق من المنافسين، فهناك قيود على توسيع المبيعات. في مثل هذا السيناريو، ليس لدينا خيار سوى خلق وبيع قيمة جديدة. في الواقع، تدرك معظم الشركات بالفعل الحاجة إلى القيام بذلك. من المحتمل أن يكون الموظفون قد سمعوا مرارًا وتكرارًا من الإدارة أن التحدي الجديد للشركة هو خلق القيمة وأن الابتكار هو المطلوب. ومع ذلك، لماذا يكافحون لتحقيق هذا؟ قد يكون ذلك لأنهم لا يسعون حقًا إلى جوهر الأشياء. لهذا السبب أعتقد أن الانضباط الفلسفي يمكن أن يكون مهمًا. لذلك تساعد الفلسفة على الابتكار الاقتصادي وفي السنوات الأخيرة، كانت هناك جهود عديدة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، لربط الفلسفة بالأعمال التجارية. وعلى وجه الخصوص، لا يمكن تجاهل الرابط بين شركات تكنولوجيا المعلومات في العالم المتقدم والفلسفة. ومن المعروف أن المؤسس المشارك لإنستغرام مايك كريجر ورائد الأعمال ريد هوفمان، المعروف عن لينكد إن، درسا الفلسفة في المؤسسات الأكاديمية. لقد أكملا بشكل خاص برنامج الأنظمة الرمزية في جامعة ستانفورد. في هذا البرنامج، يتم تعيين الفلسفة كدورة أساسية إلى جانب علوم الكمبيوتر. لقد نجح رواد الأعمال في مجال تكنولوجيا المعلومات الذين لديهم خلفية في الفلسفة في إنشاء منصات تشرك مئات الملايين من المستخدمين عبر الدول والثقافات. لا يوجد عدد قليل من الشركات التي توظف الفلاسفة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك شركة أبل، التي وظفت الفيلسوف السياسي جوشوا كوهين كفيلسوف داخلي. لم يتم الكشف رسميًا عن الطبيعة المحددة لدور كوهين، لكن الشركة تسعى إلى مبادرات مبتكرة يمكن أن تقلب أسس المجتمع وتنطوي على تطوير منصات جديدة تدعم المجتمع ككل. إنني أتصور أنهم استأجروا كوهين، المعروف بمناقشاته حول الديمقراطية التداولية وصنع القرار العام، للتنبؤ بكيفية تحقيق هذه المبادرات داخل الأنظمة السياسية، وتأثيرها المحتمل، وعمق اختراقها للتسلسلات الهرمية المجتمعية. كما توفر الفلسفة رؤى حول منهجيات الإدارة التنظيمية. على سبيل المثال، كشف عالم الإدارة إيكوجيرو نوناكا، المعروف بأبي إدارة المعرفة، أن نموذجه الخاص لعملية خلق المعرفة التنظيمية استوحى إلهامًا كبيرًا من مفهوم “التفاعل بين الأشخاص” في الفينومينولوجيا الهوسرلية، والتي تركز على تجربة وإدراك أحاسيس الذات والآخرين، فضلاً عن مفهوم “المعرفة الضمنية” الذي حدده الفيلسوف العلمي مايكل بولاني. قال بولاني: “يمكننا أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول”. ومع ذلك، لا يمكن التعبير عن الكثير من هذه المعرفة بالكلمات. على سبيل المثال، عندما تعلم طفلاً كيفية ركوب الدراجة، فمن السهل أن تقول له لفظياً: “امسك بمقود الدراجة بقوة واضغط على الدواسة للحفاظ على التوازن”، ولكن الإحساس الفعلي بالتوازن أثناء الحركة لا يُفهَم إلا من خلال التجارب الداخلية غير اللفظية للطفل. وليس من السهل نقل هذه المعرفة الضمنية إلى الآخرين. ففي عالم الأعمال، يمكن اعتبار المعرفة الفردية غير المعبر عنها، مثل تقنيات المبيعات الفريدة التي يتقنها مندوبو المبيعات ذوو الأداء العالي وحالة الآلات في المصنع التي لا يستطيع سوى مدير الإنتاج في الموقع أن يدركها، معرفة ضمنية. ويكمن التحدي في كيفية تجميع وتحويل الخبرات الحسية والذاتية وغير اللفظية للفرد إلى معرفة مدونة داخل منظمة الشركة. وفي استكشاف وممارسة هذا التحدي، تثبت الفلسفة وعلم الإدارة بالتأكيد ترابطهما. لذا فان الفلسفة مجال متعدد التخصصات و يُعتقد أيضًا أن شركة بيونتيك ، وهي شركة ألمانية للتكنولوجيا الحيوية اكتسبت شهرة واسعة لتطوير لقاح كوفيد-19 ، تدمج الفلسفة في قراراتها التجارية. مؤسسا الشركة هما أوزليم توريجي وأوغور شاهين، زوجان عالمان في الطب. في حين أن إنجازات كارل بوبر واسعة النطاق، يبدو أن ما أثر على شاهين هو موقفه من العقلانية النقدية. باختصار، يشير هذا المنظور إلى أنه لا توجد نظرية مثالية، وأن العلم ينطوي على الاستماع إلى انتقادات مختلفة وإجراء تصحيحات للاقتراب من الحقيقة. لقد زعم بوبر أن الفرضيات أو التكهنات الصحيحة والخاطئة يمكن أن تقربنا من الحقيقة، خطوة بخطوة، من خلال عملية الإشارة إلى أخطائها. “لقد صرح قائلاً: “إن دحض نظرية ما – أي الحل المؤقت لمشكلتنا – هو دائمًا خطوة إلى الأمام تقربنا من الحقيقة. وهذه هي الطريقة التي يمكننا بها التعلم من أخطائنا”. في خضم الوباء العاجل في عام 2020، تواصل شاهين وآخرون مع شركة الأدوية العملاقة فايزر لبدء التعاون. لقد تبادلوا فرضيات جريئة مع الباحثين، واختبروا نظريات مختلفة، ونجحوا في تطوير لقاح جديد. في عالم اليوم، حيث تزداد الحاجة إلى التعاون بين الصناعات والمجالات بشكل متزايد، يبدو أن أهمية الموقف البوبري في ازدياد في مجال الأعمال. إن الفلسفة، في الأساس، تتعمق في جوهر موضوعاتها، سواء كانت أشياء أو نظريات، وتوضح الأسس التي تدعم مجالات مختلفة. لذلك، بطبيعتها، تمتد الفلسفة عبر مجالات متعددة.وبينما تم تكرار مصطلحات مثل “التعددية التخصصية” و”إعادة هيكلة التخصصات الأكاديمية”، فإن الفلسفة لا غنى عنها لربط ودمج مجالات الدراسة المختلفة، والواقع أن العديد من الدراسات متعددة التخصصات تنطوي على الفلاسفة. وهذا بارز بشكل خاص في أوروبا والولايات المتحدة، حيث يتخصص المشرف الأكاديمي في كل من الفيزياء الفلكية النظرية والفلسفة. وهناك العديد من الأفراد الذين تابعوا دراسات في مجالات متعددة التخصصات، بما في ذلك الفلسفة، لمعالجة القضايا المجتمعية المعقدة.ومن الأمثلة التي حظيت باهتمام دولي في السنوات الأخيرة ألينا بويكس، التي لعبت دورًا حاسمًا في الاستجابة لجائحة كوفيد-19 بصفتها رئيسة المجلس الألماني للأخلاقيات. وقبل تولي دور جلب المعرفة المتخصصة مثل نماذج العدوى والأخلاقيات الطبية لعامة الناس، حصلت في الأصل على درجة الدكتوراه في الطب ثم قدمت لاحقًا أطروحة تأهيل في الفلسفة. من خلال عبور مجالات متعددة، لا يتكيف الشخص مع تعقيد الأحداث فحسب، بل يكتشف أيضًا بشكل غير متوقع وجهات نظر جديدة. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي هذا المنهج إلى إعادة تقييم القضايا المعاصرة في سياق المعرفة البشرية المتراكمة على مدى أكثر من ألفي عام أو حتى التقدم البشري بأكمله. يمكن أن تكون القيمة الناتجة عن الفلسفة عالمية كونية، وتتجاوز المناطق والعصور الخاصة بها. لذلك، قد يكون من المفيد التخلص من المفهوم الخاطئ بأن الفلسفة غامضة وغير عملية، واستكشافها بدلاً من ذلك كتخصص أكاديمي يمكن تطبيقه لتحديد التحديات في مجال الأعمال. 6.كيف تكون فيلسوفا في العلم والتقنية وفي ذات الوقت تكون عالما وتقنيا في الفلسفة؟ يتناول الفيلسوف بالتحليل والنقد الحالة الحرجة التي تعيشها الفلسفة اليوم من خلال النظر في جانبين من جوانبها: الطريقة التي تمارس بها الفلسفة في الوقت الحاضر على نحو أكثر تقليدية (الاحترافية والتخصص المتزايدين) والتحديات الجديدة التي يتعين عليها مواجهتها لمواكبة السياق العلمي والثقافي والاجتماعي المتغير بشكل عام. ولكنه يسلط الضوء في ذات الوقت على بعض آفاق التقدم في ضوء ما يمكن اعتباره حتى الآن المهام المناسبة للبحث الفلسفي. ويتم تحديد مثل هذه المهام من خلال مسح تاريخي للشخصيات الأصلية للفلسفة وتقييم دوافعها النظرية. كما يتم التأكيد على أهمية تاريخ الفلسفة وضرورة تحقيق علاقة فاضلة بين التخصصات الفلسفية المختلفة لمقارنة مخاطر التخصص والاحتراف المفرطين. اذا تم طرح السؤال “ماذا يمكن للمرء أن يفعل بالفلسفة؟” فإن مارتن هيدجر أقر بأن “عدم جدوى” الفلسفة يشكل جزءاً حميماً من طبيعتها، وأن المساهمة الفريدة والقوية التي قدمتها الفلسفة للحياة البشرية تكمن على وجه التحديد في عدم جدواها. ومع وضع أفكار هيدجر حول الفلسفة في الاعتبار، فسوف نعود إلى سؤال استخدام الفلسفة في محاولة لإظهار السبب الذي يجعل المطالبة بإثبات فائدة كل شيء تنتهي إلى إفقار مؤسف للحياة. إن السؤال حول ما يمكن للمرء أن يفعله بالفلسفة يُفهَم عادة من حيث تطبيقات مهنية محددة. ويسعى السؤال إلى معرفة نوع العمل الذي يمكن أن تقود إليه الفلسفة. ومن غير المستغرب أن تميل الإجابات على هذا السؤال إلى التوافق مع نفس التوقعات، مع تحديد فرص العمل والمهن التي يستعد لها احباء الفلسفة. وهناك منهج آخر مرتبط بهذا السؤال يركز على المهارات الفكرية التي تتطور في دراسة الفلسفة، مثل القدرة على الكتابة، وتحليل المشاكل، وبناء وتنظيم الحجج. فالفلسفة تقود المرء إلى تقدير أهمية الأسئلة؛ وتشجعه على التفكير بنفسه؛ وتعزز القدرة على فهم المشاكل من وجهات نظر متنوعة وعلى عدد من المستويات المختلفة. ويزعم هذا المنهج أن المهارات المكتسبة من خلال دراسة الفلسفة قيمة وقابلة للنقل. وهناك وجهة نظر أخرى تزعم أن الفلسفة، سواء كانت “تصنع الكثير من الخبز” من حيث إعداد الوظائف أو الحياة المهنية، تستخدم في المساهمة التي تقدمها للطريقة التي يعيش بها الإنسان حياته. إن ما يستطيع الإنسان أن يفعله بالفلسفة هو أن يعيش حياة إنسانية أكثر إثارة للاهتمام. وتعترف هذه الاستجابة بأن سبل عيش الإنسان، بالرغم من أهميتها، ليست المقياس الأساسي لمدى فائدته. لقد كان الفلاسفة منذ أمد بعيد هدفاً للنكات، من أريستوفان إلى رورتي، حيث صوروا الفلاسفة باعتبارهم مروجين لما هو عديم الفائدة. والخلاصة التي توصلت إليها هي أن النكات أصابت هدفاً حقيقياً للغاية. ولكن ما تغفله الفكاهة هو التفكير المتعمق في الأسباب التي تجعل عدم جدوى الفلسفة جزءاً من طبيعتها، ولماذا يشكل عدم الفائدة أهمية كبيرة في حياة الإنسان. إن الفلسفة حركة من الدهشة، ورغم أن هذا لا ينتج نتائج ومنتجات ملموسة مباشرة، فإنه يبقي البشر أحياء باعتبارهم مخلوقات من الممكنات والتساؤلات. وربما لا يؤدي الدفاع عن “عدم الفائدة” إلى دفع كثيرين إلى التخصص في الفلسفة؛ ولكن أملي أن يشجع هذا قِلة من الآخرين على اغتنام الفرصة الفلسفية عندما يسمعون السؤال التالي: “ماذا يمكنك أن تفعل بالفلسفة على أي حال؟”. على هذا النحو لا تقف الفلسفة لتغيير العالم فحسب؛ بل قد تغير مسار حياة الذات ومعنى وجودها في العالم وعلاقاتها بالأغيار. إنها صناعة بشرية فكرية ذات قوة بقاء وإمكانيات غير عادية. بينما يُنسب إليها غالبًا تشكيل الحضارات العريقة ووضع أسس الثقافات العلمية، ولا يزال تأثيرها محسوسًا حتى اليوم، لكن لماذا تظل الفلسفة مهمة لنا جميعا في الأزمنة المستقبلية؟ 7.ماهي مكانة الصحة والحياة في الاهتمام الإيتيقي الراهن بالأزمات الحدية والتداعيات الكارثية؟ للوهلة الأولى، قد تبدو الفلسفة والصحة وكأنهما مجالان غير مرتبطين. فالفلسفة غالباً ما تدرس الأسئلة المجردة والنظرية والمنطقية، وتبني حججاً تبدو منفصلة عن الاهتمامات اليومية لمعظم الناس، في حين يتعامل مجال الصحة والاستشارة مع الذاتية، أي تفاصيل الحياة اليومية. وعلى وجه الخصوص، تهتم الاستشارة بتنفيذ العلاجات القائمة على الأدلة والتي تم تخصيصها لتلبية الاحتياجات الفعلية للفرد. وبهذه الطريقة، تكون الاستشارة عملية للغاية وواقعية. ومع ذلك، فإن العلاقة بين هذين المجالين متشابكة أكثر مما قد يتصور المرء في البداية. ما أقترحه هو أن الفلسفة يمكن أن تفيد الصحة وتعزز الرفاهية. إن عملية التأمل في تجارب المرء، وهي جانب أساسي من الفلسفة العملية، تشكل أهمية بالغة للصحة. وتمكن الممارسات التأملية الأفراد من اكتساب نظرة ثاقبة لأفكارهم ومشاعرهم وسلوكياتهم، مما يسهل النمو الشخصي والتنظيم العاطفي. وترتبط هذه القدرة التأملية بممارسات اليقظة الذهنية، التي ثبت أنها تقلل من أعراض القلق والاكتئاب. علاوة على ذلك، فإن العلاج السردي، الذي ينطوي على استكشاف وإعادة تأليف القصص الشخصية، يعتمد على الأفكار الفلسفية حول الهوية والمعنى. ومن خلال فحص السرديات التي يعيشون بها، يمكن للفاعلين إعادة تشكيل فهمهم لأنفسهم وظروفهم، مما يؤدي إلى تغييرات إيجابية في صحتهم. باختصار، فإن الفلسفة والصحة مترابطتان بشكل عميق. وتقدم الحكمة العملية المستمدة من التأمل الفلسفي رؤى خصبة وأدوات قيمة للتنقل بين تحديات الحياة. من خلال دمج المفاهيم الفلسفية في الاستشارة، يمكن للأفراد اكتساب فهم أعمق لأنفسهم وتجاربهم، مما يعزز من صحتهم. ومع استمرار البحث في استكشاف التقاطعات بين هذه المجالات، أصبحت فوائد الفلسفة للصحة واضحة بشكل متزايد. 8.كيف أدى الحرص على تحويل الطبيعة إلى مجموعة أدوات إلى الفقدان المستمر للغايات؟ إن العلم- التقنية يشكل أحد أهم العناصر في حياتنا اليوم. فنحن نعتمد عليه بشكل كبير لأسباب شخصية ومهنية. ولكن العلم لا يستطيع أن يخبرنا ما الذي يجعل شيئاً ما صحيحاً أو خاطئاً. وفي جوهره، فإن الفلسفة العلمية التقنية هي السعي إلى معرفة ما هو صحيح ومفيد، وما يعنيه أن نعيش حياة ذات معنى وذات قيمة. وهذا أمر محظور على العلم- التقنية، لأنه يستطيع أن يخبرنا كيف تسير الأمور تجريبياً، ولكنه لا يستطيع أن يصف لنا كيف ينبغي لنا أن نعيش بشكل أحسن. وباختصار: يساعدنا العلم- التقنية على العيش لفترة أطول، في حين تساعد الفلسفة العلمية التقنية غالبية الانسانية على العيش بشكل أفضل. إن ممارسة التأمل الفلسفي ليست مهمة فقط للتقدم في البحث العلمي، بل إنها ضرورية للتنقل بنجاح في عالم تجذبنا فيه المسؤوليات والمعلومات والقوى المتنافسة في اتجاهات مختلفة. وهذا بالضبط ما فهمه الرسام وصانع المطبوعات الإسباني فرانسيسكو غويا عندما أنتج نقشه الشهير “نوم العقل ينتج وحوشًا”،. في تحليله لنقش غويا، يلاحظ الفيلسوف المعاصر سيمون بلاكبيرن في كتابه “فكر” أن “هناك دائمًا أشخاصًا يخبروننا بما نريده، وكيف سيوفرونه لنا، وما يجب أن نؤمن به”، ويتابع بقوة: “إن المعتقدات معدية، ويمكن للناس أن يجعلوا الآخرين مقتنعين بأي شيء تقريبًا. نحن عادة على استعداد للاعتقاد بأن طرقنا ومعتقداتنا وأدياننا وسياساتنا أفضل من طرقهم ومعتقداتهم وأديانهم وسياساتنا، أو أن الحقوق التي منحنا إياها الله تتفوق على حقوقهم أو أن مصالحنا تتطلب ضربات دفاعية أو استباقية ضدهم. في النهاية، الأفكار هي التي يقتل الناس من أجلها بعضهم البعض”. إن الأفكار التي تدور حول ماهية الآخرين، أو من نحن، أو ما تتطلبه مصالحنا أو حقوقنا، هي التي تدفعنا إلى خوض الحروب، أو قمع الآخرين بضمير مرتاح، أو حتى الرضوخ في بعض الأحيان لقمع الآخرين لنا. ومع كل هذا الخطر، لابد من مواجهة هروب العقل لوقف الانتشار الخطير للمعلومات المضللة. إن التأمل الفكري يمكّننا من التراجع خطوة إلى الوراء، واليقظة تبلور رؤية وجهة نظرنا في أي موقف على أنها ربما تكون مشوهة أو عمياء، أو على الأقل لنرى ما إذا كان هناك حجة لتفضيل طرقنا، أو ما إذا كانت مجرد حجة ذاتية. ومن خلال نشر التفكير النقدي وصرامة الفلسفة، نصبح أقل عرضة للخداع أو الانجراف وراء أولئك الذين يشوهون تفكيرنا ـ عن قصد أو عن غير قصد. لذلك تتمتع الفلسفة بالقوة التحويلية التي تتمتع بها العلم التقنية. فإلى جانب توضيح المعرفة، فإن أعظم فلسفة ــ مثل أعظم العلوم ــ تتمتع بقوة تفسيرية هائلة قادرة على تحويل نظرتنا إلى العالم. فكما تطعن نظرية النسبية لألبرت أينشتاين في مفهومنا اليومي عن الزمن، فإن تشريح فريدريك نيتشه للأخلاق يتحدى مفاهيمنا اليومية عن “الخير” و”الشر”، كما يتحدى تحليل جون لوك للألوان فكرتنا ذاتها عما إذا كان الإدراك حقيقة أم لا، وتساعدنا تأملات لوكريتيوس الخالدة في الموت على التعامل مع فناءنا. إن العالم غير مؤكد، وتكمن قيمة الفلسفة على وجه التحديد في مواجهة هذا عدم اليقين ــ وفي إيجاد موطئ قدم للمعرفة والتقدم على الرغم منه. وكما يلخص برتراند راسل لأسباب أهمية الفلسفة: “إن الفلسفة يجب أن تُدرَس ليس من أجل أي إجابات محددة لأسئلتها، لأن أي إجابات محددة لا يمكن، كقاعدة عامة، أن تكون صحيحة، بل من أجل الأسئلة نفسها؛ لأن هذه الأسئلة توسع مفهومنا لما هو ممكن، وتثري خيالنا الفكري وتقلل من الثقة العقائدية التي تغلق العقل ضد التكهنات؛ ولكن قبل كل شيء لأن العقل، من خلال عظمة الكون التي تتأملها الفلسفة، يصبح عظيماً أيضاً، ويصبح قادراً على ذلك الاتحاد مع الكون الذي يشكل خيره الأسمى”. 9.اذا كانت الآلة يمكن أن تحل محل الدماغ البشري في التفكير فماهي الرهانات الانثربولوجية من اعتماد الذكاء الاصطناعي؟ ” الخيال المهجور بسبب العقل ينتج وحوشًا مستحيلة” غويا إن الكثير من المخاوف والشكوك التي نشعر بها في حياتنا، بدءاً من التساؤل عما إذا كانت وظائفنا تمنحنا المعنى الذي نحتاج إليه، إلى عدم القدرة على تقبل الموت، كلها مشاكل فلسفية في الأساس. ولقد واجه الفلاسفة هذه المشاكل وقدموا لها أفكاراً عميقة للغاية لآلاف السنين. إن الانخراط بشكل نقدي في الحكمة الدائمة للفلسفة هو وسيلة رائعة لتثقيف أنفسنا بشأن المشاكل المتأصلة في الحالة الإنسانية، وكذلك مواجهة تلك المشاكل وتهدئة مخاوفنا وقلقنا الوجودي. من خلال الانخراط في أفكار المفكرين العظماء عبر التاريخ، نصبح قادرين على التفكير بأنفسنا – سواء كان ذلك في مسائل المعنى والوجود، أو كيفية صنع عالم أفضل، أو ببساطة معرفة ما يستحق السعي إليه في الحياة. طالما إن الحياة غير المدروسة لا تستحق أن نعيشها. فان التأمل الفلسفي هو البندقية التي تنطلق بنا من خوض الحياة وكأننا نمر فقط بالحركات، أو نعيش وفقًا لتوقعات الآخرين، أو نعيش وفقًا للمعايير التي لم نفكر فيها حقًا، ناهيك عن تأييدها. كما تفتح الفلسفة أعيننا على الطرق العديدة التي يمكننا أن نقضي بها حياتنا، وتولد التسامح تجاه أولئك الذين تختلف ممارساتهم عن ممارساتنا، وتوقظ دهشة الطفل وتقديره للغموض الهائل والفرصة الكامنة في قلب الوجود. الآن، قد يعتقد البعض أن بعض الأسئلة التي تتطرق إليها الفلسفة، مثل الطبيعة الأساسية للكون، أو ظهور الوعي، قد حلت محلها موضوعات علمية أكثر تخصصا. على سبيل المثال، يقف علماء الفيزياء في طليعة التحقيق في الطبيعة الأساسية للواقع. وعلى نحو مماثل، يقود علماء الأعصاب الطريق في الكشف عن أسرار الدماغ. ولكن الفلسفة ليست هنا للتنافس مع هذه المشاريع البحثية الرائعة، بل لتكملتها وتوضيحها وحتى توحيدها. على سبيل المثال، عندما يشارك علماء الفيزياء أحدث نماذجهم الرياضية التي تتنبأ بسلوك المادة، يسأل الفلاسفة، “حسنًا، إذن ماذا يخبرنا هذا السلوك عن الطبيعة الجوهرية للمادة نفسها؟ ما هي المادة؟ هل هي النزعة المادية، هل هي مظهر من مظاهر الوعي؟ – ولماذا يوجد أي من هذه الأشياء في المقام الأول؟” وبالمثل، عندما يحرز علماء الأعصاب تقدمًا في رسم خريطة الدماغ، يكون الفلاسفة على استعداد لاستيعاب العواقب التي تخلفها أحدث الأبحاث على مفاهيمنا للوعي والإرادة الحرة. وعلى نفس القدر من الأهمية، بينما يواصل علماء الكمبيوتر تطوير الذكاء الاصطناعي، يناقش الفلاسفة الآثار المترتبة على ذكاء الآلة المتنامي على المجتمع، ويشرحون المخاوف الأخلاقية والمعنوية الملحة المصاحبة له. مع تركيزها على الحجة والوضوح، تتمتع الفلسفة بقدرة خاصة على استئصال الافتراضات والتناقضات التي تكمن في صميم التفكير السليم، وتشحذ رؤيتنا للحقيقة، وإضفاء الأمن على أسس المعرفة في جميع مجالات البحث – وخاصة العلوم، التي تعمل كما تفعل على حدود ما نعرفه حول التكنولوجيا. لقد أصبحت التكنولوجيا موضوع اهتمام متزايد من جانب الفلاسفة. إن التأمل الفلسفي في التكنولوجيا يعرض مجموعة واسعة ومحيرة في بعض الأحيان من الأساليب البحثية وأساليب التفكير. يتم تسليط الضوء على تطور ثلاث مدارس في فلسفة التكنولوجيا. بناءً على المقدمات الشاملة لفكر كارل ماركس ومارتن هيدجر وجون ديوي حول التكنولوجيا، يمكن تقديم تاريخ التقنية وسرد متعمق للطريقة التي استجاب بها المفكرون في المدارس النقدية والفينومينولوجية والبراجماتية للقضايا والتحديات التي أثارتها أعمال مؤسسي هذه المدارس. إن التكنولوجيا في أي جانب تقريبًا من جوانب الحياة البشرية هي موضوع محتمل للمعالجة الفلسفية. بالإضافة إلى الفلاسفة الذين يسعون إلى هيكلة قيمة لمجال لا يزال مزدهرًا، فإن المبحث مثير للاهتمام لأولئك الذين يعملون في الفلسفة التعليمية والتصميم الحسي للقيمة. 10.كيف يمكن أن نستشرف أحوال الحضارة الكونية والتداعيات الجارية في سنة 2025؟ ” ليس الأمر أننا لدينا وقت قصير لنعيشه، بل إننا نضيع الكثير منه. فالحياة طويلة بما فيه الكفاية، وقد أعطينا قدراً سخياً كافياً لتحقيق أعلى الإنجازات إذا استثمرناها بشكل جيد.” الرواقي سينيكا يتراوح عمل الفلسفة اليوم بين صرخات الإنذار وآفاق التقدم وبين الاقدام على المخاطرة والتسلح بالأمل. فلماذا يتم اعتبار الفلسفة مهمة اليوم، وكيف يمكنها تحسين الحياة الانسانية على الكوكب الفائض بسكانه؟ تضمن الفلسفة بشكل أساسي التفكير الجاد في أسئلة الحياة الكبرى، بما في ذلك – كما ناقشنا ماهية الفلسفة، وكيف تعمل، بالإضافة إلى فروعها الأساسية – لماذا نحن هنا، وكيف يمكننا معرفة أي شيء عن العالم، وما هي الغاية من حياتنا. نحن نؤمن أن ممارسة الفلسفة التطبيقية هي الترياق لعالم مشبع بالمعلومات المفيدة والمعارف النافعة، وكلما زاد انخراط الناس في التجارب الهادفة، كلما كانت حياتهم أكثر إشباعًا. إن الطبيعة الإدمانية للعالم الرقمي، كمثال، تصيب الكثيرين منا. فالسيل المستمر من المعلومات يملأ مدى انتباهنا. ولكن الحياة محدودة، والأشياء التي نوليها اهتمامنا تحدد حياتنا. ومن الأهمية بمكان أن نتحرر من التيار المضطرب ونخرج للتنفس. إن خدمات البث المباشر تجعلنا نتابع حلقة أخرى، وأولئك منا الذين لديهم هواتف ذكية يفحصونها دون تفكير؛ ولكن الإكراه على المشاهدة، والتسوق، وتحديث موجزات الأخبار الخاصة بنا ــ كل هذا يمكن كبح جماحه من خلال التأمل في العالم من حولنا، ومكاننا داخله. فكيف يمكننا أن نقضي حياتنا على الأرض بأفضل شكل؟ ما الذي يحقق لنا السعادة؟ أليس الهدف الذي نرسمه؟ كيف ستؤثر الفلسفة على التطور التكنولوجي؟ وما هو العمل الفلسفي الذي يجب عليك القيام به إذا كنت تريد التأثير على معدل التطور التكنولوجي؟ إن هذه الأسئلة مرتبطة بأسئلة أكثر جوهرية. مثل: أي نوع من العمل الفلسفي ينبغي القيام به على الإطلاق؟ إذا كنت تريد التأثير بشكل إيجابي على العالم، فما نوع العمل الفلسفي الذي ينبغي لك القيام به؟ فما هو برنامج البحث الذي سيؤثر بعمق على مسار الحضارة؟ هناك اهتمام في نهاية المطاف بأسئلة وجودية مصيرية. ولكن إحدى الطرق لإحراز تقدم في هذه الأسئلة هي طرح أسئلة وصفية، وترك الأسئلة المعيارية جانبًا. بطبيعة الحال، هناك عمل مهم من الواضح أن الفلاسفة يقومون به بخلاف التأثير على معدل التطور التكنولوجي وفرملة العلم والوعظ الاخلاقي والارشاد السياسي. يتعلق الامر بإعطاء أمثلة للفلسفة المؤثرة، ثم التكهن بنوع العمل الأكثر وعدًا. إنني أعني بالتأثير أنه لابد وأن تكون هناك علاقة سببية بين العمل الفلسفي نفسه والتغيير في التكنولوجيا. إن السلاسل السببية للتطور التكنولوجي معقدة وتخمينية، ولكن لكي يكون شيء ما مؤثراً، فلابد وأن نكون على ثقة معقولة من أنه لعب دوراً غير تافه في السلسلة. ولاحظ أنه لابد وأن تكون هناك رؤى مستمدة من العمل الفلسفي نفسه، وليس اعتبارات أخرى تلعب الدور السببي. أقصد بالفلسفة نوع الفلسفة التي تحل المشاكل الوصفية. ولا أتحدث عن هذه الأنواع من الفلسفة: الفلسفة الأدائية، حيث يكون الهدف من الفلسفة هو طرح الأسئلة أو التعبير عن بعض الجماليات والفلسفة التاريخية والفلسفة الأخلاقية. الفلسفة هي شريك كل تخصص فكري جاد. وتظهر عندما يكون هناك ما يكفي من المعرفة حول مجال ما لجعل التقدم الجديد ممكناً، حتى وإن ظل هذا التقدم غير محقق لأن هناك حاجة إلى أساليب جديدة. يقدم الفلاسفة مفاهيم جديدة وتفسيرات جديدة وأسئلة أعيد تصورها لتوسيع مساحات الحل. توفر الفلسفة الأسس المفاهيمية للمعرفة النظرية. يمكنك التأثير على معدل النمو في اتجاهين: أسرع أو أبطأ. أعني بالتكنولوجيا الأشياء التي تأخذنا من القطع الأثرية والعمليات، من أجهزة الكمبيوتر واللقاحات والمجاهر والقنابل والمزيد. أنا لا أتحدث عن “التقنيات الاجتماعية” أو “التقنيات الثقافية”، مثل التصميمات المؤسسية أو إجراءات اتخاذ القرار الجماعي مثل الشركات والديمقراطية. أعني بالتنمية التغيير التكنولوجي. لا يجب أن يكون التغيير للأفضل، على الرغم من أنه سيكون أفضل إذا كان كذلك! فماهي الفلسفة المؤثرة؟ لقد أثرت بعض برامج البحث الفلسفية على معدل التطور التكنولوجي. ومن غير الواضح مدى تأثيرها، ولكنني نحن على ثقة من أن بعض الأعمال الفلسفية كانت مهمة. وسنقدم ثلاثة أمثلة: الحوسبة، والاحتمالات، والفلسفة التنبؤية. الحوسبة لقد شارك العديد من الأشخاص في إنشاء أجهزة الكمبيوتر الحديثة. باباج، ولوفليس، وتورينج، وفون نيومان، والعديد غيرهم. والنص المؤسس لهندسة أجهزة الكمبيوتر الحديثة هو “المسودة الأولى ” الذي كتبها فون نيومان وفريق تصميمه. ومع ذلك، فقد تم التأكيد على أن فون نيومان “أكد أن المفهوم الأساسي كان لتورينج”. إن آلة تورينج التي ابتكرها آلان تورينج هي في الأساس تحليل مفاهيمي للحوسبة. ما هي الحوسبة؟ “تعتبر المشكلة الرياضية قابلة للحساب إذا كان من الممكن حلها من حيث المبدأ بواسطة جهاز حاسوبي”. إن ما فعله تورينج هو أنه قدم لنا تجريدًا مفيدًا لجهاز الحوسبة. وبالإضافة إلى كونه نجاحًا فلسفيًا، فقد لعب هذا دورًا غير تافه في تطوير أجهزة الكمبيوتر. من غير الواضح إلى أي مدى لعب هذا النوع من العمل دورًا. ربما كان ذلك بسبب تسريع تطوير أجهزة الكمبيوتر لبضعة أيام فقط. وربما لم يتأثر فون نيومان نفسه بعمل تورينج. ومع ذلك، لاحظ أن المياه الفكرية التي تنفسها تورينج وفون نيومان وغيرهما كانت تتكون من أعمال من تقليد فلسفي ثري يعود إلى باسكال، بما في ذلك فريجه وجودل وهيلبرت. ومن المرجح أن النتائج التراكمية لهذا التقليد الفكري سرّعت تطوير أجهزة الكمبيوتر لسنوات، وربما حتى قرون. ولكن الأمر ليس واضحًا. فبالنسبة للعديد من الاختراعات، مثل حساب التفاضل والتكامل، يبدو أن المخترعين ربما سرّعوا التطوير لبضعة أعوام فقط، وربما أقل. ولكن هناك العديد من القطع الأثرية التي استغرق اختراعها قدراً مذهلاً من الوقت ــ وهو ما يشير إلى أن الاختراع والاكتشاف الفكري عادة ما يكونان صعبين للغاية وأن البشرية قد تمر قرون دون اكتشاف شيء سوف يتم تدريسه في نهاية المطاف للأطفال في سن ما قبل المدرسة من الأجيال القادمة. وبالعودة إلى الحوسبة، قد يعارض شخص ما هذا العمل ويقترح أنه ليس فلسفة، بل منطق أو علم حاسوب. وهذا الاعتراض دلالي، ولكنه يستحق المعالجة. أولاً، إن عمل تورينج يتجسد في التعريف السابق للفلسفة. فقد أجرى تورينج تحليلاً مفاهيمياً للحوسبة. والتحليل المفاهيمي هو الأساس الذي يقوم عليه ما يقوم به الفلاسفة. وثانياً، إنه قريب إلى حد كبير مما يقوم به الكثير من الفلاسفة المتخصصين في المنطق. وبطبيعة الحال، قد يعترض المرء بأن ما يقومون به ليس فلسفة أيضاً، ولكن في هذه المرحلة يصبح هذا الاعتراض دلالياً للغاية. اما الاحتمالية لقد أثر مفهومنا للاحتمالية على العديد من البرامج الفكرية، والأسواق المالية، والنماذج العلمية، والذكاء الاصطناعي. لقد كانت مهمة لعدد من المجالات، سواء من حيث وضع المعايير المعرفية، أو من حيث إثبات فائدتها للعمل نفسه، كما هو الحال في الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب. في أوائل القرن التاسع عشر، طبق فرانك رامزي الاحتمالية على السؤال حول ما يلزم لكي تكون معتقدات الفاعل عقلانية وناجعة. لقد أثر تحليله على كيفية نمذجتنا للفاعلين في الاقتصاد وعلم النفس وعلوم الكمبيوتر حيث يقترب العمل على الحوسبة من المنطق، يقترب العمل الفلسفي في الاحتمالية من الرياضيات. اما الفلسفة التنبؤية ، فيمكن للمرء أن يؤثر على معدل التطور التكنولوجي من خلال الفلسفة التنبؤية. عمل حول الذكاء الفائق، هو نموذج لهذا. في عام 1997 كتب نيك بوستروم ورقة بحثية بعنوان “تنبؤات من الفلسفة؟ كيف يمكن للفلاسفة أن يجعلوا أنفسهم مفيدين؟”. في هذه الورقة، يزعم أن هناك دورًا للفيلسوف الموسوعي. أي شخص يمكنه الجمع بين أعمال من عدد من المجالات، مثل الفلسفة والاقتصاد والفيزياء وعلم النفس والرياضيات والمزيد. في هذا المقال، يسلط بوستروم الضوء على الأنثروبولوجيا، ومفارقة فيرمي، والذكاء الفائق، والتطور البشري، والتحميل، وعلم الكونيات كمجالات للبحث الفلسفي المحتمل – المجالات التي عمل فيها منذ كتابة تلك الورقة. قال ويلفريد سيلارز: إن هدف الفلسفة، إذا ما صيغ على نحو تجريدي، هو فهم كيفية ترابط الأشياء بالمعنى الأوسع الممكن للمصطلح. وبشكل تقريبي، فإن هدف الفلسفة التنبؤية هو فهم كيفية ترابط الأشياء بالمعنى الأضيق للمصطلح، ومن أجل التوصل إلى تنبؤات مفيدة. ويمكنك أيضاً أن تفكر في هذا النوع من الفلسفة باعتباره “فلسفة عامة” أو “فلسفة متعددة المعارف”، ولكنني أفضل مصطلح الفلسفة التنبؤية لأنه يقول المزيد عن المنهجية. ورغم أنه يقترب من الجانب المعياري للأشياء، فإن كتاب توبي أورد “الهاوية” هو مثال حديث ممتاز لهذا العمل. ويهتم أورد بالمخاطر الوجودية التي تهدد البشرية. وهنا سؤال: ما هو احتمال تدمير الحضارة الإنسانية بسبب خطر الانقراض الطبيعي؟ قد يبدو هذا للوهلة الأولى سؤالاً تجريبياً بحتاً، وليس شيئاً قد يكون الفلاسفة مؤهلين للإجابة عليه. إن هذا المنظور يتجاهل حقيقة مفادها أن هناك الكثير من عدم اليقين هنا والأسئلة غير التافهة حول كيفية تقييم الاحتمال. هل تنظر إلى معدل انقراض الأنواع مثلنا؟ هل تشمل فقط الانقراضات الجماعية أم أن انقراض أي نوع مثلنا يجب أن يساهم في المعدل؟ هل تستنتج المعدل من حقيقة أننا لم ننقرض بعد؟ بطريقة ما، أرى هذا العمل مشابهًا للعمل الفلسفي حول احتمال وجود الله. المدخلات التجريبية مهمة للغاية (الحقائق حول الضبط الدقيق للكون على سبيل المثال)، ولكن هناك الكثير من عدم اليقين لدرجة أن الكثير من هذه القضايا تعتمد كثيرًا على المناقشات حول كيفية تحديد المسبقات، والمنطق حول الأنثروبولوجيا، وطبيعة الاحتمال والتفسير. لكي أكون واضحًا، أنا أتحدث عن العمل الاحتمالي من قبل أشخاص مثل سوينبورن وأوبي، وليس الحجج الوجودية. ليس من قبيل المصادفة تمامًا أن جون ليزلي كان مهتمًا بكل من المخاطر الوجودية وعلم الكونيات والمناظرات الدينية التقليدية. ان الفلسفة الواعدة هذه هي أنواع العمل الفلسفي الذي ينبغي أن ترغب في القيام به إذا كنت تريد التأثير على مسار التطور التكنولوجي: الفلسفة الصورية والفلسفة التنبؤية أمثلة الحساب والاحتمالية هي أمثلة للفلسفة المهمة. الذكاء الفائق، والهاوية، ونهاية العالم هي أمثلة للفلسفة التنبؤية. سأقول المزيد عن المنهجية واختيار المجال لهذين النوعين من الفلسفة. الفلسفة الصورية مع الصياغات، يكون العمل فلسفيًا بشكل أكثر وضوحًا. على الرغم من أنه كان يميل، ومن المرجح أن يستمر، على حدود المنطقية والرياضية والمفاهيمية. عندما ينجح الفلاسفة في صياغة مفهوم ما، فإن هذه الصياغات تساهم أحيانًا بشكل مباشر في تطوير التكنولوجيا أو قد تساهم بشكل غير مباشر من خلال تحسين قدراتنا المعرفية . هناك شيئان أهتم بهما هنا: المنهجية واختيار المجال. تعتمد المنهجية على أمثلة الحساب والاحتمالات. غالبًا ما تبدو الفلسفة هنا أكثر شبهاً بالرياضيات والمنطق وعلوم الكمبيوتر مما قد اعتاد عليه بعض الفلاسفة. ومن غير المستغرب أن يكون مجال الفلسفة الذي يقترب بشكل وثيق من هذا النمط من الفلسفة في الوقت الحالي هو نظرية المعرفة الصورية. الأساليب الصورية ليست كافية، بل يحتاج المرء إلى اختيار المجالات الواعدة. ما تقوم بإضفاء الطابع الصوري عليه مهم. لن يؤثر جزء كبير من نظرية المعرفة الصورية على تطوير التكنولوجيا ، لأنها تهدف إلى الإجابة على أسئلة لن تحدث إجاباتها أي فرق في المجالات الأخرى. هناك بعض السمات التي تميز هذا النوع من الفلسفة ومجالاتها والتي تزيد من احتمالية نجاح العمل: الرياضي أو المنطقي. وتشير السجلات التاريخية إلى أن هذا العمل أكثر أهمية للتطور التكنولوجي. يجيب العمل على الأسئلة الأساسية في مجال تاريخي معين. ويمكننا أن نتخيل رسمًا بيانيًا للمفاهيم، ويريد الفلاسفة تحليل المفاهيم الأكثر حداثة. يركز العمل على المشكلة. فإذا عرفنا الإجابة على سؤال أو كانت لدينا فكرة دقيقة عن مفهوم معين، فسوف يكون ذلك مفيدًا لحل المشكلات غير الفلسفية. يتم طرح طريقة العالم، بدلاً من تزوير الأطروحات الفلسفية. وهناك بعض الأمثلة المضادة المحتملة لهذا، ولكن الفلسفة التي تهم هي تقديم رؤية إيجابية للعالم يمكننا أن نفعل شيئًا به، وليس إسقاط إطار قائم. المجال نفسه مضاربي وناشئ نسبيًا. وهناك الكثير من عدم اليقين. المجالات التي قد يكون فيها الصياغة الصورية مفيدة هي: الفاعلون النموذجيون ونظرية القرار قد يكون العمل على مشاكل شبيهة بـ “نيوكومب” مهمًا لتطوير الذكاء الاصطناعي. السببية معظم ما قاله الفلاسفة الأكاديميون هنا ليس مفيدًا. لقد قام علماء الكمبيوتر والإحصائيون بمعظم العمل المهم حتى الآن، ولكن لا يوجد سبب يمنع علماء الكمبيوتر ذوي التوجه الفلسفي أو الفلاسفة ذوي التوجه الإحصائي من تقديم مساهمات مهمة هنا. أما فلسفة الفيزياء فهي الأعمال التي تبدو وكأنها ميتافيزيقيا الفيزياء. في حين أن التطور الثقافي من غير المرجح أن يحدث هذا العمل فرقًا كبيرًا في التكنولوجيا، ولكنه جديد بما يكفي بحيث يمكن للفلاسفة الاستمرار في تقديم مساهمات مهمة هنا. هناك أسئلة اجتماعية هنا حول سبب عدم تأثير عمل الفلاسفة على التطور الثقافي بشكل أكبر. علم الأحياء التطوري من غير المرجح أن يحدث فرقًا كبيرًا في التكنولوجيا، ولكن الأمر يستحق الذكر لأنه مجال يجب على العلماء أن يولوا فيه المزيد من الاهتمام للفلاسفة. ومن المؤسف أن نفس الفلاسفة الذين قدموا مساهمات مهمة ينشغلون أيضًا بقضايا لا تحدث أي فرق في الممارسة العلمية. نظرية المعلومات قد لا يكون هناك الكثير من العمل للقيام به هنا بعد الآن. الوعي من المرجح أن العمل على المشكلة الصعبة للوعي لا يهم في تطوير التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن التفكير في كيفية إضفاء الطابع الصوري على الحالات الواعية، والمناقشات حول نظرية مساحة العمل العالمية ومنافسيها، أو المشكلة الفوقية قد يكون مهمًا. علم الأعصاب لقد قام كارل كارفر بعمل مثير للاهتمام هنا. أحد جوانب علم الأعصاب التي تجعله واعدًا للفلاسفة هو أنه لا أحد لديه أي فكرة عما يجري. بعض هذه المجالات واعدة أكثر بكثير من غيرها. إن احتمالية أن يؤدي أي برنامج بحثي فلسفي إلى مساهمات تؤثر على تطوير التكنولوجيا ضئيلة. هذا لا يعني بالطبع أن الجهد المبذول لا يستحق العناء. الفلسفة التنبؤية هناك بعض السمات لهذا النوع من الفلسفة ومجالاتها التي تزيد من احتمالية أن يكون العمل واعدًا للفلاسفة: يقترب العمل من المنطق والرياضيات والعلم. إنه نوع من الأشياء التي يمكنك تقريبًا أن تفلت بها خارج قسم الفلسفة. يأخذ المجال مدخلات من عدد من المجالات المختلفة. إن كونك موسوعيًا أو عامًا مطلوب لتقديم مساهمة. المجال مهمل نسبيًا. يركز العمل على المشكلة. إذا عرفنا إجابة سؤال أو كانت لدينا فكرة دقيقة عن مفهوم معين، فسيكون ذلك مفيدًا لحل المشكلات غير الفلسفية. هناك الكثير من عدم اليقين. قد يتم تحديد المواقف من خلال وجهات نظر دقيقة حول الاحتمالات والمنطق في ظل عدم اليقين. يحتوي العمل على أسئلة فلسفية وغير فلسفية في مركزه. كما يحلل العمل تاريخ التطور التكنولوجي والعلمي للحصول على دروس مفيدة في الحياة. هناك عدد من القضايا الواعدة هنا: المحاكاة والتحميل الرقمي تتمحور هذه القضايا حول أسئلة فلسفية وغير فلسفية، مما يجعل العمل واعدًا جدًا. علم الجينوم وتحرير الجينات إن عدم اليقين هنا يجعله واعدًا بشكل محتمل. اما المخاطر الوجودية فتتجسد في مطب الهاوية. يتضمن قسمًا للأبحاث المستقبلية المفيدة، والتي يجيب عليها المتخصصون العلميون بشكل أفضل، ولكن القليل منها يمكن للفلاسفة المساهمة فيه. الذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق والجهود ذات الصلة والتفكير في التفكير الجيد. لقد تناول الفلاسفة وغير الفلاسفة هذا الأمر، ولكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به. ان دراسات التقدم تركز دراسات التحضر بشكل صريح على التقدم الصناعي الاقتصادي والتكنولوجي. ويعتبر فلاسفة العلوم مؤهلين بشكل خاص للمساهمة هنا. فلسفة العلوم لن يؤثر الكثير من فلاسفة العلوم مثل ميتافيزيقيا العلوم أو التاريخ الوصفي على علم مسار التكنولوجيا. ولكن بعضها قد يكون مفيدًا بالفعل. ومن الأمور الواعدة للغاية استخراج الدروس القابلة للتطبيق، وتحليل التصاميم المؤسساتية، والتوصل إلى أنظمة جديدة تغير من تطور العلوم والتكنولوجيا. اما فلسفة التطور التكنولوجي فهي الميتا العلوم الفلسفة والتي تهم الكل. ما هي أنواع الفلسفة التي دفعت بذرة التكنولوجيا إلى الأمام أو إلى الخلف؟ ما نوع الفلسفة التي ينبغي لنا أن نتبعها إذا أردنا أن نترك أثرًا على التكنولوجيا؟ من الجدير أن أكرر أنني لا أقترح أي إبطاء أو تسريع في معدل التكنولوجيا هو ما ينبغي للفلاسفة أن يفعلوه هو اكثر من ذلك او اقل بقليل. الفكرة الرئيسية، وهي أن الفلسفة قادرة على التأثير على تطور التكنولوجيا، تبدو صحيحة. ويمكن للفلاسفة، باعتبارهم مهندسين مفاهيميين، أن يكونوا أكثر طموحًا. لكن لماذا تكون في الفلسفة المعاصرة بعض الأسئلة ذات قيمة حتى عندما لا نستطيع العثور على إجابات لها؟ نأمل ان يتقلص نفوذ الأشرار في هذا العالم وتتقلص مساحة الالم ويسود العدل وتتسع دوائر الحرية والسلام.

البيان الكوني للفلاسفة لعام 2025م :

آلبيان الكوني للفلاسفة لعام 2025م: بكلّ إطمئنان و ثقة و ببلاغة عاليّة وأدلّة تأريخيّة و فلسفيّة كونيّة نُعلن بأنّ شهادة جامعية لا تؤهل أن تكون رئيسا أو وزيراً بل لا بد و أن يكون المسؤول مثقفاً و يا ليته يكون مفكرأً و الأفضل أن يكون فيلسوفاً و إلاّ فهو الجهل الذي سبب كل البلاء : و[ألجّهل أصل كلّ شرّ] حسب قول ألعليّ آلأعلى, فما يجري في بلادنا و العالم سببه الجهل و قلّة الوعي لعزوف الناس عن القراءة بآلدّرجة الأولى, و لذلك يتزامن الجهل مع تسلط الأشرار و الطواغيب على البلاد و آلعباد فتتفاقم الأحداث و تتعقد الحياة و تنتشر الفوضى و الحروب و العنف و الشقاء ليواجه العالم أزمات حقيقيّة, تشير إلى إن 200 مليون هربوا من 135 دولة بحثاً عن الدواء و الغذاء و الأمن, مع وجود مليار من البشر يعيشون في خط الفقر, بينما خيرات الدّنيا تكفي لثلاثة أضعاف نفوس العالم, و العراق الذي هو أرض السواد لوفرة خيراته؛ أبرز مثال على ذلك, فبآلرّغم من أنّها أغنى دولة في العالم؛ لكن فيه آلآن 11 مليون يعيشون في خط الفقر و عامّة الشعب يعاني النقص في الدّواء و العلاج و التعليم و آلخدمات و فقدان الأمن و إنتشار العنف و الفساد و النهب الذي لم يعد له حدود و سيطرة دول العالم عليه عبر إتفاقيّات ستراتيجية! ألحلّ الجذري لهذه المعضلة القائمة و المستعصيّة منذ الأزل على الأرض, يكون : بنشر ألفكر و المعايير الفلسفيّة الكونيّة ضمن الأصول ألإبراهيمية العشرة لتحديد القوانين المطلوبة على أساسها لتُميّز المخلوقات الخير و الشّر؛ ألحُبّ و آلكراهيّة؛ ألعبوديّة و التّحرر؛ لقمة ألحلال عن آلحرام؛ ألتوحيد و آلشّرك؛ جوهر آلدِّين و ظاهره؛ و غيرها من المفاهيم عبر المراكز و آلمساجد الفاعلة و آلمُنتديات ألفكريّة و آلمناهج الجّامعيّة و الدّينية, لأنّ إستمرار الوضع بظلّ و إدارة الحكومات الفاسدة القائمة و مراكز التسلط كالأحلاف العالميّة التابعة للمنظمة الأقتصادية؛ فإنّ الشّعوب ليس فقط لا تُحقّق ألحدّ الأدنى من فلسفة وجودها؛ بل ستُواجه المردودات العكسيّة و ألوان الشقاء, و ممّا يزيد الطين بلّة هي المنابر التقليديّة و الأعلامية الحكوميّة, لخدمة أهدافها الخاصة المُغايرة لمعايير العدالة و حقوق الشعوب و آلأمم, و التي أدّت إلى تعميق الفوارق الطبقيّة الأجتماعية و تشويه ألقيم و الوعي لعموم الناس, و بآلتالي فقدان السّعادة و العدالة و المحبّة و الرّحمة حتى بين مُدّعيه الذين إتّجهوا نحو قوى الشرّ و النفاق لتحقيق منافع مادّية آنية لينتقل العالم من سيئ إلى الأسوء بدل الأحسن, خصوصاً بعد التطور العلمي و التكنولوجي و النانوي بفضل الذكاء الصناعي الذي حلّ محل البشر للإستغناء عنهم ! و الذي يحزّ في النفس في هذا الوضع المأساويّ, هو؛ بقاء (الجّماهير) على جَهلها لعدم البحث و القراءة لمعرفة حقيقة الحياة و الحقوق الطبيعيّة التي تعني بكلّ بساطة؛ أنّ آلحاكم و المسؤول و الرئيس هو خادم (للمواطن) و ليس آمر عليه ليسرق و يفسد و يتعالى عليه .. فليس للحاكم و الرئيس الحق في إستغلال منصبه لتعيين ذويه و مقرّبيّه, أو للثراء و القصور على حساب حقّ المواطن, ألذي حقّه لا يختلف عن حقّ أيّ مسؤول أو رئيس , و هذا هو النظام الذي يُريده الله تعالى للناس, وكما جاء بيانه من أصدق القائلين في آلقرآن, حيث قال في سورة الحشر/7: [مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ]. لكنّ آلمؤلم و ألمُحَيّر و العجيب عند المسلمين ألذين يُقاسون العذاب؛ هو أننا لو طرحنا قضيّة تأخر ظهور المنقذ لحاجته إلى المُمهدات لأنقاذهم, و منها وجود مناصرين بعدد بدر 313 مؤمن مخلص صادق - الذين بفقدهم حجبوه عن الظهور! نعم لو طلبناهم لَمَاَ وجدناهم يسمعون أو ينصرون, ليظهر و يُرينا معجزته العظيمة في التوراة/العهد القديم و في الأنجيل في سِفر إشعيا/الفصل 53 - القسم العاشر, و الذي بكشفه ينبهر العالم و يؤمن به الغرب قبل الشرق الذي كفر بآلدِّين و الولاية! فقد ورد في الكافي عن الكليني, عن أبي بصير, عن ألأمام الصادق (ع) في حديث متواتر , قال : [الناس طبقات ثلاث: طبقة منّا ونحن منهم؛ وطبقة يتزيّنون بنا؛ وطبقة يأكل بعضهم بعضاً بنا]. وذاك هو حال ألعالم, الذي يتعرّض ألآن للتغيير والتبدل و الفوضى والقتل وآلأنقلابات بعد إستسلام القادة في "حزب الله و أمل و الدّعوة و بدر والحشد و الفصائل و العصائب في العراق و الشام و في آلجيوش, الذين يدمرون و يسرقون الناس ثمّ يحلفون أمام الملأ زوراً؛ بأنّهم مفلسون و مَدينون وفقراء, ليدوم الظلم !؟ و هذا البيان يكشف النهج الأمثل للخلاص بآلوصول لمدينة السلام عبر الأسفار الكونيّة التي تتطلب أجواءاً آمنة و طيبة بظل الصالحين و المبادئ الإبراهيمة العشرة! حكمة كونيّة: [أحِبُّ آلكُتب لأنّ حياة واحدة لا تكفيني و كل كتاب يضيف على عمري زمناً آخر .. و مهما يأكل الانسان فإنهُ لن يأكل بأكثر من معدة واحدة، و مهما يلبس فإنه لن يلبس إلا على جسد واحد، و مهما يتنقل في البلاد فإنه لن يستطيع آلحلول في مكانين. ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع جمع آلحَيَوات في عمر واحد ومضاعفة فكره وشعوره وخياله بالحب، فآلصورة تتضاعف بين مرآتين ومَن يقرأ أكثر يرى أكثر]. هذا , إضافة إلى أنّ المحتوى المميز قادر على جعل حياة القارئ أكثر ثراءً و إشباعاً؛ لذلك نسعى لمساعدة المجتمع الأنساني على فهم العالم؛ ليكون أكثر إدراكاً، وذلك بإنتاج محتوى متنوع يغطي عدة فضاءات خبرية، وثقافية، و ترفيهية و كونية. كما إننا و من خلال مهمتنا التنويرية لفت انتباهنا حجم المحتوى الهائل على الإنترنت الذي يتعرض له القارئ من دون ترك أثر أو تحوّل؛ لذلك قمنا بهذه المبادرة كل عام؛ لنوصل للعالم ما خفي عليهم, و ما سيجري عليهم للأطلاع على التفاصيل عبر: تحميل كتاب بيان الفلاسفة لعام 2025 - إستقراء للماضي وآفاق المستقبل pdf تأليف عزيز حميد الخزرجي - فولة بوك تحميل كتاب البيان الكوني لسنة 2025م pdf - مكتبة نور

Sunday, December 29, 2024

“عام الرعب والطوارئ”.. انتهاكات “غير مسبوقة” بحق الصحفيين العراقيين خلال 2024 كشفت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة”PFAA”، في تقريرها السنوي لعام 2024، عن انتهاكات وصفتها بـ “غير المسبوقة” بحق الصحفيين العراقيين. وسجّل التقرير وقوع 457 انتهاكاً، توزّعت بين القتل، الاعتقال، الاحتجاز، التهديد، الاعتداء، إقصاء من العمل، الدعاوى القضائية، ومنع التغطيات. مبيناً أن بغداد احتلت صدارة المدن الأكثر انتهاكاً للإعلاميين بتسجيل 105 حالة، شكلت الدعاوى القضائية المسجلة من الجهات الحكومية الجزء الأكبر منها. وبحسب التقرير لم تخلُّ محافظة عراقية ولم يمر شهر دون وجود مضايقات ودعاوى قضائية. وأكد أنه كان للهيئات المستقلة والنقابات المهنية “دوراً ضليعاً في هذا النوع من الانتقام وإرهاب الصحفيين داخل البلاد”. كذلك أشار التقرير إلى وجود “محاولات فرض الوصاية على وسائل الإعلام بالإنذار، وحجب ظهور الأشخاص بحسب أهواء وأمزجة المتنفذين”. واعتبرت الجمعية أن نقابة الصحفيين التي من المفترض أن تكون الحامية لحقوق الصحفيين “كانت إحدى الجهات التي رفعت دعاوى قضائية ضد صحفيين وحجبت رخص العمل عن صحف”. وتوزّعت حالات الانتهاك وفق الآتي: ضحايا الصحفيين 5 قتلى وإصابة بالغة اعتقال 23 حالة احتجاز 11 حالة هجمات مسلّحة 7 حالات منع وعرقلة تغطيات 281 حالة اعتداء بالضرب 16 حالة رفع دعاوى قضائية ضد الصحفيين 68 حالة مخالفات هيئة الإعلام والاتصالات 17 حالة حظر وحجب 9 مواقع إخبارية وبرامج تلفزيونية وحسابات صحفيين مخالفات نقابة الصحفيين العراقيين 7 حالات تهديدات مباشرة للصحفيين 2 حالة انتهاكات أخرى 10 حالات —————————————————————- التوصيات: رفعت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة توصياتها لمجلس النواب العراقي والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وحرية التعبير والصحافة، وتضمنت: إعادة إحياء محكمة الإعلام والنشر التي تأسست بموجب توصيات UPR. إنشاء لجنة خبراء من مجلس القضاء الأعلى وعدم الاعتماد على نقابة الصحفيين في تقييم المنشورات، وإثبات كونها تشهيراً أو قذفاً إو إساءة أم لا. إطلاق سراح الصحفيين غير المشروط والفوري. إقرار قانون حق الوصول على المعلومة بالصيغة التي قدمتها منظمات المجتمع المدني والصحفيين، وتعديل مواد جرائم النشر ضمن قانون العقوبات العراقي بما ينسجم مع الدستور الكافل لحرية العمل الصحفي. التزام هيئة الإعلام والاتصالات باستقلاليتها الدستورية، وعدم الخروج عن سياقات مهامها وعدم الخضوع للأمزجة السياسية والكف عن فرض وصايات على وسائل الإعلام. تثقيف الأجهزة الأمنية بمضامين الدستور الخاص بحرية العمل الصحفي ومحاسبة القيادات الأمنية التي تصدر قرارات منع فردية. احترام مضامين الدستور الكافل لحرية العمل الصحفي والتعبير برفع الحجب عن وكالات أو مواقع إخبارية أو حسابات الصحفيين في العراق.

هل الحياة حلم أم حقيقة ؟

هل الحياة حلم أم حقيقة؟ ‏ “يمه نام وعسى النومة هنية. نوم الغزيل بالثنية” وتغفو في أرجوحة الأم بين رجليها، وصوت يشارف على البكاء، تحلم بالغزال النائم وكيف يخترق سهم الصياد خاصرته النحيفة فتقفز مذعورا، ويبدأ عقدك التاريخي مع الخوف والكوابيس التي لا تستطيع تذكر حدوثها أحيانا، إذا كان في الليل أم النهار، وسط تشابك الوحش البشري المستشري في عالمك الذي جئته في لحظة من مليارات الأخطاء التي ترتكب انسانويا في كل وقت بشكل متعمد. ‏ تمضي بك السنين، تستمع لأجمل الألحان والأغاني سمفونيات أنبياء الموسيقى، معزوفات الريح والمطر، وأصوات البحر وغناء الطبيعة وإنشاد الطيور، ولا صوت أعذب من صوت أمك وكأنه من ألحان هبطت من السماء، تختض روحك كلما تعيده ذاكرتك السمعية لتغسل روحك بذلك الحليب البعيد. ‏ نظام العاطفة أصابه العطب، وتراجعت قدرات الإنسان على النمو العاقل والطبيعي، صار مرهونا لضجيج وصراخ يمحو ما تبقى من أنغام الأم وتراتيل الأب وحكايات الطفولة، وتلك الضحكات الطافحة بالسرور والسعادة، أصوات إخوانك حين يغنون بنشاز يجمعهم مع الضحك والمرح. انطوى كل ذلك، غاب في تعرجات السنين. ‏ما زال الصراخ يملأ أذنيك وروحك وضجيج كأنه الصدأ يغلف كل شيء وسط الصمت الذي لا تقطعه سوى أقدام الحراس على الأرض الإسمنتية في ممرات سجن الشعبة الخامسة. ‏مواسم الضجيج تتكرر على بلادنا بعد كل هدوء وربيع جاف. تعقبه حربا تشتهيها أبالسة الأرض العراقية. ‏وما كنت تدري أنك ستبلغ الضجيج العظيم، وتسقط أبواب الشعبة الخامسة! تقف على عتباتها باكيا على انكسار كبرياء السجون الخادع والحكومة الجبانة والزعماء الفارين. ‏كنت وسط الانفجار كيف نجوت؟ ‏كانت فيروز معنا حين خرجنا من الكرادة وصديقي السائق السينمائي، وهو يصحبني كل يوم يحدثني عن مشاريعه في السينما، ثم يدعوني إلى تسلق تلك الربوة الساحرة، ومنها تهبط بسلالم الرحابنة نحو فيروز الزمن والشواطئ المهجورة. ‏ماذا كنت تسمع؟ ‏ صوت أمي وأنا مستلق على رجليها تهدهدني. يمه نام وعسى النومة هنية، نعم أمي أنام لقد أتعبني الحزن كثيرا.

دروس من قصة يوسف (ع):

دروسٌ من قصّة يُوسف(ع) هذا الدرس حول (العشق الحقيقيّ و فرقه عن العشق المجازيّ) لعاشق ملك إمبراطورية و جيشاً عرمراً .. و لم يلتقي بمعشوقه : طالعتُ قصّة يوسف ملياً و بنظرة عرفانيّة؛ أخرجتُ منها بحدود 25 درساً حرّيٌّ بكلّ عالمٍ و باحث و عاشق مراجعتها والوقوف عندها. إنّها حقا أحسن القصص و أجملها و أكثرها عمقاً و عبراً و معارف تؤدي إلى وصل الأنسان بآلله دون الدولار الذي يعبده الناس بل و يصبحوا عبيداً لم يتفضل عليهم بذلك ! دعوني أذكّركم بقصة واحدة تتعلّق بآلسيدة زليخا.. تلك المرأة الملكة زوجة العزيز التي أحبّت يوسف (ع) حباً مَلَكَ قلبها و وجودها بحيث ضحت بكل شيئ بآلمنصب و المكانة و السمعة وووو ....، حتى كان ذكره – ذكر يوسف - لا يفارقها، و صورته على الدوام لا تغيب عن مخيلتها. لكنها حين أدركتْ أنّ حُبّ يوسف كان حجاباً بينها و بين الله، قلبت ذلك الحُبّ إلى حبٍّ لله وحده, بعدما إتّخذت جانباً من قصرها تعبد الله تعالى تاركة كل شيئ في الحياة، حتى أصبحت تعبد الله بعشقٍ يفوق عشقها ليوسف و للمُلك و المال و المنصب. رُوِيَ أنّها لما بلغت من العمر عتيًّا، و كانت قد فقدت كلّ شيء و تركت ما كانت عليها من الفخامة و الحشم و الخدم, و رفضت حتى مقابلة يوسف يوم زارها في غرفتها المعزولة لأنها كانت مشغولة بعبادة الله فعظم الأمر في نفس يوسف و في النهاية رجع خائباً لقصره، و حدث أن رأتْ زليخا يوسف في موكبه الفخم و قد بات ملكاً لمصر و توابعها، فقابلته و هي في طريقها قائلة : .""الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدًا بمعصيتهم، و جعل العبيد ملوكاً بطاعتهم فسألها يُوسف: "كيف حالك يا زليخا؟ فأجابته بعيونٍ مطمئنة، و قلبٍ ممتلئ بحُب الله و عشقه: [يا يُوسف، لا تسلني عن حُبّ آلدّنيا و ما فيها، فقد نزع الله حتى حُبّك من قلبي، و ملأه بحُبهِ]. أيّها الإخوة.. هل أدركتم سرّ هذا التحوّل من العشق المجازي – المادي - الدّولاري المحدود, إلى العشق الحقيقيّ الذي وحده يُغنينا؟ اليوم و في زمننا هذا رأيتُ العجب العُجاب!؟ رأيت كيف ينافق المؤمن و يستغيب و يلوي عنقه لأجل منصب و مرتب و جاه!؟ رأيت كيف يذل المؤمن الرخيص نفسه أمام الطغاة لأجل الدّولار و المنصب والمال الحرام!؟ شهدتُ بنفسي كيف إنّ البعض مِمّن يدّعي الدِّين و الجّهاد و الصلاة و التأريخ و التعبد لله؛ رأيتهم كيف يحنون رؤوسهم و يذلون أنفسهم للحصول على منصب مسؤول أو مدير أو وزير ليجمع الأموال الحرام بكلّ ذلّة و خيانة لأهل الحقّ و على حساب الحقّ و قوت الفقراء!؟ رأيتُ و ياليتني لم أرَ الكثير مِمّن تصوّر أنه صار قائداً و وزيراً أو رئيساً فأصيب بآلخيلاء وثارت شهواته ليتكبّر ويفخر بأمواله الحرام!؟ زليخا التي كانتْ ترى يُوسف أجمل الخلق و كانت ملكة مصر و زوجة فرعونها، رأت في نهاية المطاف؛ أنّ حُبّ الله أجمل من كلّ جمالٍ تراه العين؛ لهُ لذّة خاصّة لا يتحسّسها حتى المؤمنون التقليديون .. إلا العاشق المُتيم. لقد علّمنا العرفاء عبر التأريخ؛ دروساً عظيمة كآلسّلطان بايزيد وشمس التبريزي والسّهروردي وإبن سينا وقبلهم الخضر(ع) و بعده أئمتنا والكثير ممّن عاصرناهم كباقر الصدر الذي نجهل حقيقته و تأريخه بسبب طُلاب الدّنيا الذين داسوا على قيمه و وقفوا ضد نهجه. فمتى يفهم الناس و العراقيون خصوصاً و منهم المسؤوليين؛ هذه الحقائق التي حدثت قبل مئات و آلاف السنين و للآن لم يقرؤوا و لم يفهموا ولم يعووا تلك الملاحم الكونية العظيمة لتطبيقها, فبدون نهجهم سيتحول الجميع إلى هارون و نبوخذنصر والحجاج وقارون!؟ كم من الزمان نحتاج لندرك أبعاد و أسرار تلك القصص العرفانية الربانيّة, لنعلم أبنائنا و أحفادنا على ذلك! وهل ما أحاط بنا من المآسي و المحن و الفوارق الطبقية و الحقوقية و آلأجتماعية؛ هو بسبب عزوفنا و الناس عن القراءة و التفكّر, و لهوثنا على جمع المال و لقمة الحرام بكل وسيلة ممكنة؛ و واسطة ؛ و نفاق ؛ و تملّق و كذب .. و فوق ذلك في النهاية يُواجهون الذل و الهوان و الهزائم تاركين كلّ شيئ ليرجعوا لله كما أتوا عراة و هم محمّلين بأعباء ما إقترفوا من الظلم !؟ فتوبوا لله أيها الناس توبة نصوحة لتفلحوا قبل الموت الذي سيُلاقيكم, فآلملك يومئذ لله يحكم بينهم فآلذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم. العارف الحكيم ألمُعاصر؛ عزيز حميد الخزرجي

Thursday, December 26, 2024

غزل شمارة 317 .. نيست بر لوح دِلم جز ألف قامت يار :

غزل شمارهٔ ۳۱۷ حافظ شيرازي نيست بر لوح دلم جز ألف قامت يار : فاش می‌گویم و از گفته خود دلشادم بنده عشقم و از هر دو جهان آزادم طایر گلشن قدسم چه دهم شرح فراق که در این دامگه حادثه چون افتادم من ملک بودم و فردوس برین جایم بود آدم آورد در این دیر خراب آبادم سایه طوبی و دلجویی حور و لب حوض به هوای سر کوی تو برفت از یادم نیست بر لوح دلم جز الف قامت دوست چه کنم حرف دگر یاد نداد استادم کوکب بخت مرا هیچ منجم نشناخت یا رب از مادر گیتی به چه طالع زادم تا شدم حلقه به گوش در میخانه عشق هر دم آید غمی از نو به مبارک بادم می خورد خون دلم مردمک دیده سزاست که چرا دل به جگرگوشه مردم دادم پاک کن چهره حافظ به سر زلف ز اشک ور نه این سیل دمادم ببرد بنیادم

Tuesday, December 24, 2024

رحلة في أبعاد الكينونة و المعنى :

رحلة في أبعاد الكينونة والمعنى: استكشاف الوجود والحرية بقلم: فؤاد الجشي - في: الأحد 1 ديسمبر 2024 - التصنيف: مقالات رأي رحلة في أبعاد الكينونة والمعنى: استكشاف الوجود والحرية في رحلة الإنسان عبر الحياة، تتشكل قناعاته من خلال التجارب التي يعيشها والبيئات التي تحيط به. تلك القناعات، التي تبدأ من وعي بسيط مستمد من البيئة المحلية، تتطور مع الزمن إلى مفاهيم أعمق تستند إلى التأمل والتجربة الشخصية. يمكن أن تكون نشأة الفرد في قرية هادئة مليئة بالطبيعة، أو مدينة صاخبة مليئة بالتحدّيات، عاملاً مؤثرًا في تشكيل وعيه. ولكنّ الأمر يتجاوز الجغرافيا، ليصل إلى الأخلاق والاختيارات الفردية؛ فمن الممكن أن يكون الفرد إنسانًا ذا مبادئ وأخلاق، أو شخصًا يغرق في ممارسات سلبية مثل السرقة أو التلاعب، وفقًا لقراراته وخياراته. هذه الجدلية بين الكينونة والمعنى هي محور كتاب "الكينونة والمعنى" الذي يقدّمه أوس حسن، حيث يضيء فيه على الأسئلة العميقة المتعلقة بوجود الإنسان، مستعينًا بأفكار الفلاسفة الوجوديين. ينطلق الكتاب من نقطة أساسية، وهي أنّ الكينونة ليست مجرّد وجود، بل هي الوعي بذلك الوجود. يستعرض أوس حسن آراء العديد من الفلاسفة الذين تطرقوا لهذه المفاهيم، مثل جان بول سارتر، ومارتن هايدغر، الذين يعتبرون أنّ الوجود ليس مجرّد حقيقة فيزيائية، بل هو حالة إدراك وتفاعل مع العالم. يميّز هايدغر، على سبيل المثال، بين "الموجود" و"الوجود". فالموجود يشير إلى الأشياء ذات الطبيعة الثابتة، مثل الجمادات والنباتات، بينما الوجود يُخصص للكائنات الواعية التي تمتلك القدرة على التفكير في ذاتها وإدراك وجودها في هذا العالم. من هذا المنطلق، يعتبر الوعي هو الركيزة التي تمنح الإنسان تفرّده عن باقي الكائنات. كيركيغورد، أحد الرواد الأوائل في الفلسفة الوجودية، يُعرّف الوجود على أنه القدرة على التفكير بحرية وتحمل مسؤولية ذلك التفكير. يشير الكاتب إلى أنّ كيركيغورد يرى في الفزع العميق حالة ضرورية لتحفيز الإنسان على استكشاف ذاته والوصول إلى قرارات حاسمة تحدّد مساره. هذا الفزع، وإن بدا سلبيًا، إلّا أنه يقود الفرد إلى حالة من الوضوح التي تمكّنه من التحرر من القيود الزائفة، ويجعله يتحمّل مسؤولية حياته بالكامل. دوستويفسكي، رغم الجدل حول كونه فيلسوفًا وجوديًا، يظهر في الكتاب كشخصية تستحقّ التأمل. يجادل المؤلف بأنّ دوستويفسكي قدّم تحليلات نفسية عميقة تتناول الهواجس والخوف والذنب، وهو ما ينسجم مع الطرح الوجودي. في رواياته، نجد الإنسان في صراع دائم مع نفسه ومع العالم، حيث يبحث عن الخلاص والهدف وسط اضطراباته الداخلية. هذا الصراع يتجلّى في أعماله، مثل "الجريمة والعقاب"، حيث يواجه البطل تداعيات قراراته وتأثيرها على معنوياته وهويته. أما فريدريك نيتشه، فهو شخصية محورية أخرى تناولها الكتاب. يقدّم نيتشه مفهوم "إرادة القوة" كإطار لفهم الوجود. يرى نيتشه أنّ الإنسان يجب أن يتجاوز قيود الأخلاق التقليدية وأن يسعى لإيجاد قيمه الخاصة. يُبرز الكاتب كيف أنّ نيتشه، رغم عدم انتمائه رسميًا للوجودية، ترك أثرًا عميقًا على فلاسفة مثل سارتر وكامو الذين استلهموا من أفكاره حول الحرية الفردية والتمرد على القيود المجتمعية. يُخصّص الكتاب مساحة كبيرة لمناقشة فلسفة سارتر، الذي يُعتبر أحد أعمدة الفكر الوجودي. يقول سارتر إن "وجود الإنسان يسبق ماهيته"، بمعنى أنّ الإنسان ليس لديه جوهر مُحدّد مسبقًا، بل يكتسب ماهيته من خلال أفعاله واختياراته. الحرية هي جوهر الفلسفة السارترية، لكنّها حرية مشوبة بالمسؤولية. يشير الكاتب إلى أنّ سارتر لا يرى في الوجودية دعوة للفوضى أو الإلحاد، بل يعتبرها طريقة لإعادة تأكيد الإنسان على دوره كصانع للقيم. سقوط فكرة الله في الفكر السارتري لا يعني انهيار الأخلاق، بل يدعو الإنسان إلى أن يكون هو المسؤول عن صياغة قيمه الخاصة في عالم يفتقد الثوابت. يتناول أوس حسن أيضًا فلسفة ألبير كامو التي تمثل نقطة التقاء بين العبث والتمرد. كامو يرى أنّ الحياة في جوهرها عبثية، وأنّ الإنسان يجد نفسه في مواجهة عالم غير منطقي لا يوفر أيّ إجابات واضحة. لكنه لا يدعو إلى الاستسلام لهذه العبثية، بل يدعو إلى التمرّد عليها من خلال خلق المعنى الشخصي. مقولة كامو الشهيرة "إذا استطاع المرء أن يقول مرة واحدة فقط: هذا واضح، فسيتم إنقاذ كلّ شيء" تعكس تفاؤله بأنّ الإنسان قادر على تجاوز العبث إذا ما تمكن من إيجاد معنى لحياته. يركز الكتاب أيضًا على نقد كولن ولسون للفلسفة الوجودية. يرى ولسون أنّ بعض الفلاسفة الوجوديين انغمسوا في التشاؤم والعدمية، مما أدى إلى انحراف الفلسفة عن هدفها الأصلي. يعتقد ولسون أنّ الفلسفة يجب أن تكون وسيلة لتحفيز الإنسان على تحسين حياته وتوسيع آفاقه بدلًا من الانغماس في اليأس. ينتقد ولسون النزعة التعقيدية لبعض الفلاسفة الذين جعلوا الفلسفة تبدو بعيدة عن الواقع، ويقترح العودة إلى منهج أبسط وأكثر ارتباطًا بالحياة اليومية. العلاج بالمعنى، الذي يُعدّ من أبرز جوانب الكتاب، يُبرز الجانب العملي للفلسفة الوجودية. يقتبس الكاتب من فيكتور فرانكل الذي يرى أنّ الإنسان، حتى في أقسى الظروف، يستطيع أن يجد معنى لحياته. العلاج بالمعنى يعتمد على تمكين الفرد من استكشاف قيمه وأهدافه الخاصة، مما يساعده على تجاوز القلق والألم. يشير الكاتب إلى أنّ إيجاد المعنى لا يتطلب ظروفًا مثالية، بل يمكن أن يكون نتيجة لتحدّيات وصراعات الفرد مع نفسه ومع العالم. الوجودية، كما يصورها الكتاب، ليست مجرد فلسفة نظرية تتحدث عن القلق والعدم، بل هي أداة لفهم الذات والعالم. الكينونة، بما تحمله من معانٍ تتعلّق بالوعي والحرية والمسؤولية، ليست حالة ثابتة بل عملية مستمرة من التحول والنمو. البحث عن المعنى هو ما يميّز الإنسان، وهو ما يدفعه إلى تجاوز حدود ذاته والتفاعل مع الآخرين ومع الكون بأسره. في نهاية المطاف، يبرز كتاب "الكينونة والمعنى" كرحلة فلسفية تأخذ القارئ في رحلة داخلية لاستكشاف ذاته وتحدّياته. يقدّم الكاتب أوس حسن رؤية متكاملة تجمع بين التحليل الفلسفي والواقع الإنساني، مما يجعل الكتاب مصدر إلهام لكلّ من يسعى لفهم أعمق لحياته ولمعنى وجوده. الفلسفة الوجودية، رغم كلّ جدليّاتها وانتقاداتها، تظلّ واحدة من أكثر المدارس الفكرية تأثيرًا على فهم الإنسان لنفسه وللعالم من حوله. هذا الكتاب، بمحتواه العميق وشموليته، ليس مجرد تأمل فلسفي، بل هو دعوة لإعادة التفكير في أسئلة الحياة الكبرى وتجديد العلاقة بين الكينونة والمعنى.

Monday, December 23, 2024

المقالب في الأعلام و أختلاف الثقافات :

المقالب في الاعلام واختلاف الثقافات المقالب في الاعلام واختلاف الثقافات Candid Camera Revisited ا.د عبودي جواد حسن ظهرت حديثا فكرة المقالب الترفهية في وسائل الاعلام المرئية-المسموعه حيث يوهم صاحب الفكرة التلفزية المشارك في المقلب انه وقع في مأزق غيرمتوقع ويكون رد فعل هذا المشارك قوي فيما المشاهد على علم بترتيبات المقلب حيث يكون على اطلاع مسبق بالورطة التي يقع فيها المشارك. والمقلب في الواقع ما هو الا متاجرة بوقت تعاسة وحيرة من يقع فيه ويؤدي الى ترفيه المشاهد-أي ان هذه البرامج تبيع الاضحاك الى المشاهد- أي بيع لحظة حيرة وتورط المشارك او لحظات تعاسته وشعوره بالمازق الذي أحيانا يتحول الى كابوس بالنسبة الى المشارك او المتورط. برامج المقالب ما هي الا انعكاس لثقافة وحضارة الشعوب وتبيان لطبيعة ودرجة ردة فعل المشارك حسب الظروف كاختلاق الاتهامات و الادعاءات والتبلي والانتماء المزيف والحجج غير الواقعية ويختلف المقلب باختلاف القوميات وثقافتها وتمدنها وحضاراتها وغيرها. وتختلف درجة ردة فعل المشارك من المقلب باختلاف ثقافات المشاركين. في عصرنا الحال لم تعد الحدود الجغرافية مانعا لمن يريدون تحسين ظروفهم الاقتصادية والعيش بامان وبسلام في بيئات افضل ابتعادا عن الفوضى والاضطرابات السياسية ولكنهم بطبيعة الحال ظلوا يتمسكون باعرافهم وتقاليدهم الثقافية والدينية فتخالطت الاقوام وتزاوجت ولكن يبقى الاختلاف الثقافي عادة بينها. ونتيجة لذلك ردات فعل المشاركين في المقلب تختلف في طبيعتها ودرجتها باختلاف الانتماء الثقافي الأصلي للمشاركين. فمنهم من يعتبر المازق الذي وقع فيه تحرشا واستفزازا وفي اقصى صوره تعديا ويتطلب ردا عنيفا حتى لو كان مهينا اوبدنيا. فمثلا مشاهد لفيديو في منصات التواصل الاجتماعي يظهر مقلبا لمهاجرة من افريقيا تعيش في مدريد مرت هي وزوجها من امام متجر كبير كانت في باب مدخله الرئيس نبتة زينة يختبىء داخلها بشكل متقن رجل أوروبي وكان يظهر فجاءة كمقلب فيخيف المارة وكان الناس يقابلون هذا الفعل بعد رعب وجيز بالضحك فيما قامت هذه السيدة بخلع نعلها واردت صفعه ولكن منعها زوجها كما يبدو. هذه السيدة الافريقية شعرت بالاهانه لانها ارتعبت فيما لم تدرك سريعا ان ما جرى هو مزحة للاضحاك والرجل الأوروبي لم يكن يقصد ارعابها هي بالذات. في بعض دول المنطقة العربية حيث تقل الفروقات الثقافية أصبحت برامج المقالب من المسائل الرائجة والشائعة في الاعلام المريء ولكن تجاوزت حدود الارعاب الوجيز ويتم اعدادها وصياغتها على أساس مخاطبة ثقافة مجتمعية واحدة في الغالب وبدا الاضحاك في زمن العولمة ياحذ طابع الاستفزاز الجارح المقصود والتمادي باطالة مدة المازق بالنسبة للمشارك وتشخيص المثالب والإساءة . الاضحاك ليس بتوسيع دائرة الاضحاك بشكل غير مقبول اوغير معقول او باثارة الاشتباكات بالايادي والرفس بالارجل او التشهير. الاضحاك هو سبق وادراك غير ظاهر- خفي ولحظوي على المشاهد يتوصل اليه المشاهد عن طريق اللغة الشفوية وغير الشفوية ( لغة الجسد او لغة الإشارة). والجدير بالذكر ان الاضحاك نوع من أنواع التسلية والاستمتاع بوقت جميل. وهناك شعوب تستمع في نهاية الاضحاك او خلاله بالعنف الجسدي وهو ما لايحبذ مشاهدته من طرف الأطفال في وقت المشاهدة الرئيسي ( قبل نومهم) خوفا من عدوى انتقاله اليهم ويصبح شائعا بينهم وبالتالي ما يجلبه من مصائب. ونتيجة لذلك انتبه الاعلام في دول أخرى خصوصا ذات تعددية ثقافية واجرى تحويرات على برامج المقالب. ما اردنا قوله ان المقلب هو بمثابة قرص دواء قبل تناوله يجب ان يراعي ويداوي ويخفف كل الالام ولكن بدرجات ولمدد زمنية معينة ولا يصلح إعطاءه الى الأطفال اذا كانت اثاره الجانبية ضارة او مدمرة, كما يجب دراسة ظروف تقبله من طرف المشاهد خصوصا في بيئات ذات تعددية ثقافية برفسور في الترجمة الإعلامية سابقا\ جامعة سالفورد\ جامعة محمد الخامس \جامعة عجمان

ما يخبئه الشام للعراق ؟

ما يخبِّئه الشام للعراق د. علي المؤمن مقدمة لا يختلف المراقبون والباحثون في نوعية الانقلاب الدراماتيكي في سوريا وغرابته، والذي ختم فصله الأخير في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وأنه ليس شأناً داخلياً، بأي نحو، ولا سقوطاً لنظام سياسي ومجيء نظام جديد، وأن له تأثيرات كبرى على منطقة غرب آسيا، وأنه سيكون نواة تغييرات استراتيجية في البلدان المجاورة، لمصلحة المشروع الأمريكي ــ الإسرائيلي من جهة والمشروع التركي المتحالف معه من جهة أخرى، ليس على حساب محور المقاومة أو المحور الشيعي وحسب، وإنما على حساب محور التطبيع الأردني المصري السعودي الإماراتي أيضاً، بالنظر للتخطيط له خارجياً، وتحديداً من قبل مثلت الولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل) وتركيا، ما يعني أن التغيير لم يكن شأناً داخلياً إطلاقاً، فضلاً عن الأدوات التي جرى التغيير على أيديها، وهي أدوات مسلحة متطرفة سلفية طائفية عابرة للحدود. وما يعنينا في هذه المقاربة، هي تأثيرات قيام حكم مليشياوي طائفي سوري على العراق، بما في ذلك تأثيراته على الدولة العراقية ووحدة أراضيها وسلطتها، وعلى العملية السياسية وأطرافها السنية (العربية والكردية) والشيعية، ثم على المكونين العراقيين الشيعي والسني بشكل خاص. إضافة إلى التهديدات والمخططات الأمريكية والإسرائيلية المتزامنة مع الانقلاب السوري. وستكون المقاربة واقعية استشرافية، أي أنها تستند إلى معايير الدراسات الاستشرافية المنهجية. فرضيات المقاربة تقوم المقاربة التي نحن بصددها، على تسع فرضيات أساسية: 1- إنّ سوريا الجديدة الطائفية، ستكون تهديداً مستداماً للدولة العراقية عموماً وشيعة العراق خصوصاً، بناءً على ما تفرزه معتقدات الجماعات المسلحة والسياسية الطائفية المسيطرة على مقاليد السلطة، وأهدافها وتحالفاتها العابرة للحدود، وهي جماعات تنتمي عقدياً وسلوكياً إلى تنظيمي (القاعدة) و(داعش)، وإن سبق أن أعلنت انفكاكها تنظيمياً عنهما، ثم تبادل البراءة بينها وبينهما لاحقاً. 2- إنّ الجماعات المسلحة الحاكمة في سوريا، تعمل بذكاء دعائي وسياسي على إخفاء خطابها وأهدافها الطائفية التكفيرية الحقيقية، وتمرير خطاب ظاهري سلمي وحقوقي ووطني إيجابي؛ لحين يستتب لها الوضع، وحينها ستعيد الكشف عن وجهها الحقيقي، وأن حسن الظن بها هو نوع من السذاجة السياسية. 3- إنّ سوريا الجديدة الطائفية، ستكون أرضاً مفتوحة لجميع الطائفيين العراقيين المعارضين للعراق الجديد ولما يسمى بحكم الشيعة، وسيتقاطرون على سوريا من كل الكرة الأرضية، بكل مشاربهم وعقائدهم، سواء كانوا تكفيريين أو إسلاميين أو قوميين عنصريين أو بعثيين أو علمانيين، وسيعملون ضد العراق انطلاقاً من الأراضي السورية. وإن هؤلاء الطائفيين سيعملون في إطار جماعات مسلحة وسياسية منظمة، وسينسقون نشاطاتهم العسكرية والسياسية والإعلامية في إطار مجلس واحد أو ائتلاف موحد. 4- إنّ سوريا ستشهد صراعات ومعارك وتصفيات بين الجماعات المسلحة الطائفية السورية المتحالفة أو المتنافرة، الحاكمة وغير الحاكمة، العربية والكردية، الإسلامية والعلمانية، التكفيرية الوهابية والدينية المعتدلة، المسلحة والسياسية، وهذا ما يجعل الجماعات الطائفية العراقية، المسلحة والسياسية، المتواجدة أو التي ستتواجد في سوريا، تنأى بنفسها نسبياً عن هذه الصراعات السورية الداخلية، وتتفرع للعمل ضد العراق وشيعته. 5- إنّ خطاب سنة العراق، سيتغير كثيراً باتجاه التصعيد الطائفي، بما فيه خطاب السياسيين السنة المتحالفين مع الشيعة في الحكم، لأنهم سيشعرون بالقوة من خلال الدعم المعنوي والسياسي الذي سيجدونه من سوريا الطائفية الجديدة، وستزداد مطاليب نخبهم على كل المستويات، كما ستتصاعد المطالبة بتشكيل الإقليم السني أو الأقاليم السنية المتحالفة مع سوريا الطائفية الجديدة. 6- إنّ بعض الشخصيات والجماعات الشيعية، الدينية والعلمانية، المناوئة للأحزاب الشيعية الحاكمة وجماعات المقاومة، ستشكل تحالفات مع الجماعات السنية المستقوية بسوريا الطائفية، وستكون هذه التحالفات عموماً، والجماعات الشيعية المنضوية فيها خصوصاً، الخطر الأمني المجتمعي الأكبر على شيعة العراق، وبشكل يفوق الخطر القادم من سوريا أو من غرب العراق. 7- إنّ تأثير سوريا الجديدة الطائفية في الواقع العراقي، لن يكون تأثيراً استراتيجيّاً، سواء على المستوى القصير أو المستوى البعيد، أي أن الجماعات العراقية الطائفية المنطلقة من سوريا ومن الداخل العراقي، سوف لن تتمكن، بأي حال، من إسقاط العراق الجديد وما يعرف بحكم الشيعة، وإن جاء ذلك بمساعدة تركية وأمريكية وإسرائيلية وسعودية، وإنما سيتمثل التأثير في مجموعة متراصة من التأثيرات التكتيكية المزمنة، التي تتسبب في أوجاع وصداع وتخريب لا نهاية له، أو إلى أن تقوم دولة وطنية غير طائفية في سوريا، تقضي على تأثير الجماعات الطائفية والتكفيرية، المسلحة والسياسية. 8- إنّ حجم الأضرار التي ستلحق بالواقع العراقي جراء نشاطات الجماعات العراقية الطائفية المنطلقة من سوريا والداخل العراقي، سيتناسب عكسياً مع الإعداد والوقاية والفعل الاستباقي للدولة العراقية والأحزاب الشيعية المشاركة في الحكم وفصائل المقاومة والحوزة العلمية النجفية؛ فكلما كانت الوقاية شاملة ومركّزة ونوعية وواسعة؛ ستكون الأضرار أقل. 9- إنّ الولايات المتحدة الأمريكية، ستقف في حقيقة الأمر، موقفاً إيجابياً من تحركات هذه الجماعات، بغض النظر عن موقفها المعارض المعلن، وستستخدمها لابتزاز الدولة العراقية ومصادرة قرارها وزعزعة استقرارها وتهديد وجود الأحزاب الإسلامية الشيعية وجماعات المقاومة، وسيكون في مقدمة موضوعات الابتزاز: أ‌- تفكيك جماعات المقاومة ومصادرة سلاحها ب‌- حل الحشد الشعبي ودمج عناصره المحايدة في القوات المسلحة العراقية ت‌- توسيع حجم مشاركة السنة العرب والأكراد في القرار السياسي للدولة ث‌- منع الحضور الإيراني في العراق ج‌- منع تنفيذ أي مشروع استراتيجي مع الصين ح‌- منع أية اتفاقيات تسليحية مع روسيا خ- منع أي تعرض عسكري لإسرائيل وأي خطاب كراهية ضدها. وبخلافه؛ ستقوم أمريكا بإطلاق يد الجماعات التكفيرية والطائفية في المحافظات الغربية، وإعادة التظاهرات في محافظات الوسط والجنوب، وقصف مقرات الحشد وفصائل المقاومة، وضرب الاقتصاد العراقي، كمقدمة لإسقاط الدولة العراقية وإعادة احتلالها. مناقشة الفرضيات لعل أول ما يواجهنا عند مناقشة الفرضيات التسع المذكورة، حقائق التفوق العراقي الحالي؛ فلا شك أن العراق أكبر مساحة من سوريا، وأن عدد سكان العراق أكثر من سكان سوريا، وأن العراق أكثر ثراء وإمكانات مادية، وأن الجيش العراقي والحشد الشعبي أكثر قوة وتجهيزاً مما تملكه الجماعات السورية والعراقية الطائفية المسلحة مجتمعة، وأن الدولة العراقية ليست ضعيفة، رغم معاناتها من السطوة الأمريكية، وأن الأحزاب الشيعية وجماعات المقاومة، باتت أكثر حنكة ويقظة، فضلاً عن الشارع الشيعي العراقي، الذي بات اكثر وعياً ومناعة، وإن كان ذلك نسبياً. ويعني ذلك صعوبة قيام الجماعات الطائفية الحاكمة في سوريا من تحقيق إنجاز على الأرض فيما لو حرّكت كل حلفائها الأجانب والعراقيين باتجاه العراق، كما حصل بعد العام 2013، خاصة وأن هذه الجماعات المسلحة السورية منشغلة في تثبيت قواعدها وعقيدتها في الدولة ومفاصلها وجيشها. وبالتالي؛ فإن فرضية عدم قدرة التغيير في سوريا على إحداث تحولات استراتيجية في الواقع العراقي هي فرضية واقعية، ويدل عليها التفوق العراقي في كل المجالات. ولكن هذا لا يلغي حجم الأذى والضرر والتخريب الميداني الذي سيلحق بالعراق، وخاصة شيعته، على يد الجماعات العراقية الطائفية المنخرطة في عمليات الجماعات السورية المسلحة الطائفية الحاكمة، فضلاً عن أمريكا وإسرائيل وتركيا والسعودية، وهو أمر طبيعي، بالنظر لكم الثغرات الكبير الذي تعاني منه الوحدة الوطنية العراقية، بسبب تعارض كثير من الغايات والأهداف والمطالب والمواقف بين المكونات العراقية، بل داخل المكون الواحد، فضلاً عن الثغرات الواقعية التي يمكن للخصوم الدخول منها، وخاصة في مجال الخدمات والنزاهة الإدارية والمالية والأخلاقية. الجماعات العراقية الطائفية المنطلقة من سوريا باتجاه العراق تتمثل خارطة الشخصيات والجماعات والتيارات العراقية الطائفية التي تعمل أو ستعمل ضد العراق، انطلاقاً من سوريا، في خمسة أطراف أساسية: 1- المجموعات العراقية الطائفية التكفيرية المنخرطة في جبهة النصرة وغيرها من تنظيمات هيئة تحرير الشام، والتي كان أغلبها منخرطاً في الجماعات الإرهابية التي عملت في بغداد والمحافظات الغربية وديالى بعد العام 2003، ثم انخرطت فيما بعد بتنظيم (القاعدة) ثم تنظيم (داعش)، وهي عشرات المجموعات. 2- المجموعات البعثية العراقية المنخرطة في جبهة النصرة غالباً، وهي تضم ضباط الجيش العراقي والمخابرات السابقين، وهي ذات توجهات دينية طائفية، وقد كان لها ولا يزال دور أساس في عمليات التخطيط والتنظيم والقيادة في جبهة النصرة. 3- تنظيمات البعث العراقي المستقلة المقيمة في سوريا والخليج وأوروبا، وهي ذات توجهات علمانية، والتي ستقوم بنقل عملها ومقراتها إلى سوريا، وستجد احتضاناً ميدانياً شاملاً من تنظيم البعث السوري التابع للقيادة القومية العراقية، وهو متحالف رسمياً مع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا منذ العام 1982، ثم امتدت تحالفاته إلى الجماعات الطائفية المدعوة من تركيا بعد العام 2011. 4- المجموعات العراقية التكفيرية العاملة في إطار تنظيمي (القاعدة) و(داعش)، أو المتعاونة معهما، وهي التي لم تنخرط في جبهة النصرة وغيرها من تنظيمات هيئة تحرير الشام. وبما أن التنظيمين متخاصمين مع الهيئة؛ فإنهما سيعملان ضد العراق انطلاقاً من الأراضي التي تخضع لسيطرتهما. 5- الجماعات الطائفية العراقية المستقرة في بعض دول الخليج والأردن وتركيا وأوروبا، فضلاً عن إقليم كردستان العراق، الدينية والعلمانية، مثل هيئة علماء السنة التي أسسها حارث الضاري وجماعة عبد الناصر الجنابي وغيرهما. وسيكون حراك هذه الأطراف الخمسة، سريعاً وكبيراً ونوعياً، لأسباب كثيرة، أهمها: أولاً: المعنويات العالية التي باتت تتمتع بها بعد سقوط نظام الأسد ثانياً: عودة سوريا إلى الحضن التركي العربي الطائفي، وما تعتبره هزيمة نوعية للشيعة ومحورها في فلسطين ولبنان وسوريا ثالثاً: ما تحمله من مخزون رهيب من مشاعر الحقد والانتقام والثأر ضد العراق الجديد، وخاصة الشيعة رابعاً: ما سيضعه الحكم المليشياوي الطائفي السوري تحت تصرفها من أراضي وإمكانيات لوجستية وإعلامية غير محدودة خامساً: الرعاية المالية والمخططاتية والمخابراتية واللوجستية والإعلامية التي ستحظى بها من تركيا وأمريكا و(إسرائيل) والسعودية والإمارات وقطر والأردن. معالم حراكات الأطراف التكفيرية والطائفية ستتلخص معالم حراكات الأطراف التكفيرية والطائفية الخمسة المذكورة، والمنطلقة من سوريا والمحافظات العراقية الغربية؛ بما يلي: 1- ستشكل إطاراً موحّداً يجمع أغلبها، وينسق عملها سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، بهدف إسقاط الدولة العراقية، وإعادتها إلى الحضن العربي السني الطائفي. وسيحمل الإطار اسماً وطنياً عاماً، وليس جهادياً أو طائفياً أو دينياً، وسيعلن عن غايات وأهداف وطنية براقة، لاستمالة جميع المعارضين، بمن فيهم بعض الشيعة. 2- سيكون لهذه الجماعات وإطارها الموحد، مكاتب ومقرات سياسية وإعلامية ومالية، وخاصة في دمشق، ومعسكرات تدريب في الأراضي السورية القريبة من الحدود العراقية السورية، وخاصة في دير الزور والميادين والجلاء والبو كمال. 3- ستحظى بدعم مالي ولوجستي ومخابراتي من حكومات أمريكا وتركيا و(إسرائيل) والسعودية والإمارات وقطر والأردن، وهو دعم هدفه المناورة من خلال زعزعة الأوضاع في العراق وإضعاف الشيعة، من أجل الحصول على مكاسب وتنازلات من الدولة العراقية والأحزاب الشيعية المشاركة في الحكم. 4- ستقوم بالتمدد إلى داخل العراق، عبر إعادة حضورها ضمن حواضنها الاجتماعية في محافظات الأنبار وصلاح الدين ونينوى، والتعاون مع الخلايا المسلحة النائمة، وخاصة خلايا حزب البعث وجيش الطريقة النقشبندية وكتائب ثورة العشرين و(ثوار العشائر)، وبقايا (القاعدة) و(داعش) وغيرها، وهو العمل الأهم والأخطر والأسهل في الوقت نفسه. 5- ستتوحد الجماعات البعثية العراقية في تنظيم واحد مقره دمشق، لأول مرة بعد العام 2003، وستعمل على إعادة أو توسعة تنظيماتها داخل المدن العراقية، بما في ذلك مدن الوسط والجنوب، كما ستجد نفسها لأول مرة تتحرك بحرية كاملة في جغرافيا متاخمة للعراق، ولصيقة بحواضنها الاجتماعية في المحافظات الغربية العراقية، وعلى حدود طولها مئات الكيلومترات، وهو ما لم تكن تحلم به يوماً. 6- ستقوم هذه الجماعات، ولا سيما البعثية، باستدعاء الشخصيات والجماعات البعثية والقومية العربية الإيرانية، أو ما يعرف بتنظيمات عرب الأهواز، والتي ستأتي من كل بلدان العالم، لتتجمع في سوريا، وستدعمها الجماعات السورية الحاكمة بقوة، فضلاً عن بعض الأنظمة العربية الطائفية، وسيكون خطابها وعملها موجهاً إلى شيعة العراق، قبل إيران، وستتوحد هذه الجماعات سياسياً وعسكرياً وإعلامياً في إطار موحّد مقره دمشق، لأول مرة في تاريخها. 7- سيتم إطلاق سراح أكثر من (100) ألف مسلح تكفيري وطائفي معتقل في مختلف السجون داخل الأراضي السورية، وخاصة سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وجبهة النصرة وأخواتها المنضويات تحت يافطة هيئة تحرير الشام، والجيش الحر، فضلاً عن سجون الجيش الأمريكي والجيش التركي في الأراضي السورية، وأغلبهم من عناصر تنظيمي (داعش) و(القاعدة)، وهم ينتمون إلى نحو (70) جنسية، بمن فيهم العراقيون والعرب والإيرانيون، وهم محاربون محترفون، وسيكون إطلاق سراحهم إما بالقوة من قبل تنظيمي (داعش) و(القاعدة) وغيرهما، أو من قبل هيئة تحرير الشام وحلفائها، كما حصل خلال الأيام الأولى التي أعقبت سقوط دمشق؛ إذ تم تبييض السجون وإطلاق سراح آلاف من المعتقلين التكفيريين أو المجرمين العاديين. وسيكون إطلاق سراحهم لعبة أخرى للقوات التركية والأمريكية؛ بهدف الابتزاز. ومن المتوقع أن يصل مجموع العناصر المسلحة لهذه الجماعات ومعها الخلايا النائمة في محافظات غرب العراق، إلى ما يقرب من (250) ألف عنصر مسلح، وسيتسللون بالتدريج إلى داخل العراق وأرياف مدن الغربية، ويتجمدون في مضافات جديدة، بانتظار ساعة الصفر. وليس من الضروري أن يكونوا هؤلاء المسلحين ضمن تحالف سياسي أو مليشياوي واحد، كالذي نتوقع تشكيله؛ لأن بعض الجماعات، كداعش والقاعدة وغيرهما، سوف لن ينخرطوا في تحالف واحد مع هيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات المسلحة، البعثية والقومية العربية والكردية. محاولات استقطاب بعض الشيعة لعل الخطر الأكبر والأهم الذي ينطوي عليه حراك الأطراف التكفيرية والطائفية العراقية الخمسة التي مرّ ذكرها، يكمن في عدم اقتصاره على السنة العرب في العراق، بل أنه سيعمل بجدية لاستقطاب بعض شيعة الوسط والجنوب، من خلال إنتاج خطاب قومي عنصري ووطني انعزالي خاص، بهدف دغدغة مشاعرهم القومية واستمالتهم. وسيتم الترويج لهذا الخطاب عبر قصف دعائي مركّز وحراك أمني دقيق، لفرض تحولات في التفكير والمواقف لدى الشيعة، وسيكون من شأن هذه التحولات تضخيم مساحات الخلاف التقليدية بين شيعة العراق وخلق بؤر جديدة للخلاف، بهدف تمزيقهم اجتماعياً وسياسياً ومرجعياً. وسيكون العمل ضد الحركات الإسلامية الشيعية الحاكمة وجماعات المقاومة والحشد الشعبي، وكراهية إيران، ومعارضة مراجع النجف من أصول غير عراقية، ورفض مشاريع التضامن مع شيعة البلدان الأخرى، ضمن أولويات هذا الخطاب. كما سيكون إنتاج هذا الخطاب وصناعة وسائل ترويجه، من اختصاص التنظيمات البعثية العراقية، بمساعدة التنظيمات البعثية والقومية العربية الإيرانية (الأهوازية). وسيجد هذا الخطاب صدىً إيجابياً لدى بعض الشخصيات والخطوط والجماعات الشيعية العراقية الخاصة، السياسية والدينية والعلمانية، بمن فيهم أصحاب الانتماءات البعثية القديمة وأبنائهم. ومن المتوقع أن يبلغ التفاعل مع هذا الخطاب مستوى ظهور تحالفات سياسية وإعلامية وميدانية قومية عربية، وبعناوين وطنية، تضم أربعة أطراف عراقية: 1- الشخصيات والجماعات السنية العراقية المستقوية بسوريا الطائفية الجديدة، سواء المتواجدة في سوريا أو بغداد والمحافظات الغربية. 2- الشخصيات والجماعات الشيعية المناوئة لإيران وللأحزاب الشيعية وجماعات المقاومة، بمن فيهم بعض المحسوبين على المتدينين والمعممين. 3- البعثيون العراقيون (الشيعة) في جنوب العراق، العاملون بأسماء تنظيمية جديدة، إضافة إلى البعثيين السابقين وأبنائهم. 4- الشخصيات والجماعات العلمانية والشيوعية. وستبادر هذه الأطراف الأربعة إلى تحريك جمهور المحافظات الشيعية في الوسط والجنوب، ودفعهم للقيام بتظاهرات مطلبية في ظاهرها، بما يشبه ما حدث سابقاً، وستكون ساعة الصفر للزحف نحو بغداد حينها مختلفة عما حدث في العامين 2013 و2014؛ لأنه سيكون زحفاً متزامناً متجهاً من الجنوب والوسط (المحافظات الشيعية) والشمال والغرب والشرق (المحافظات والمناطق ذات الأكثرية السنية) باتجاه بغداد، من أجل إسقاط الدولة. في حين ستبقى سلطة إقليم كردستان وحزبها الرئيس محفزين وداعمين إعلامياً وسياسياً لهذا الزحف؛ بانتظار حصد النتائج، لا سيما أن ما حصل في سوريا كان لمصلحتهما. ما لعمل؟ ما سبق يوضح بشكل إجمالي ما يتم التخطيط له منذ اللحظة الأُولى لسقوط دمشق، وبدأ العمل به على الأرض تدريجياً، وهي تمثل مخططات نظرية طموحة للجماعات الطائفية والدول التي تقف وراءها، وهي تمثل بمجموعها مسارب التأثير السلبي لسوريا الطائفية الجديدة على الواقع العراقي عموماً والشيعي خصوصاً، من النواحي الأمنية والسياسية والاجتماعية والإعلامية، ولكن ليس بالضرورة أن تتحقق، كلها أو بعضها؛ لأن ذلك سيكون رهناً بالإعداد والوقاية والفعل الاستباقي الشامل الذي ستبادر إليه الدولة العراقية والأحزاب الشيعية الحاكمة وجماعات المقاومة والحوزة العلمية النجفية. في حين أن الاكتفاء بمراقبة الأوضاع وتأمين الحدود العراقية السورية والتحشيد العسكري وتكرار شعارات اللحمة الوطنية، المصحوبة بالتنازل والترضيات والخوف والتقهقر؛ سيؤدي إلى انهيارات حقيقية هذه المرة، و((العارف بزمانه لا تهجم عليه اللوابس)) كما يقول الإمام علي. أما بشأن ما يمكن لأمريكا والجماعات الطائفية والتكفيرية أن تفعلانه وتحققانه من أهداف داخل العراق، والعمل الوقائي والاستباقي الشامل الذي يمكن للعراق ومؤسساته السياسية والعسكرية والدينية القيام به تجاه تهديد الجماعات التكفيرية والطائفية من جهة، والتهديد الأمريكي من جهة أخرى؛ فسنخصص له مقاربة أُخرى قادمة..

Sunday, December 22, 2024

البعث بدمشق و بغداد؛ غساسنة و مناذرة!

«البعث» بدِمشق وبَغْداد.. غساسنة ومناذرة بعد إزاحة «البعث» في 9 أبريل 2003 مِن سدة السُّلطة ببغداد؛ ظل جناحه السُّوريّ قائماً بدِمشق حتَّى 8 ديسمبر 2024، يحكمها على قلق، حتى انتهى بعد 61 عاماً. كان الأسد يعرف النتيجة، فقد شاهد مصائر الآخرين المريعة، فإذا كابر رأس النّظام العراقيّ، ولم يسمع لمَن نصحه بالانسحاب، فلربّما جنب بلاده الهوائل، حسبها الأسد- لكنه ترك البلاد بلا ترتيب- حساب المتنبيّ(اغتيل: 354هـ) مادحاً سيف الدَّولة(تـ: 356هـ): «الرَّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشُّجْعانِ..هُوَ أَوَّل وَهِيَ المَحَلُّ الثَّاني». قالها المتنبيّ لما انسحب الحمدانيّ مِن بلاد الرّوم، فالمواجهة ليست لمصلحته(اليازجيّ، العرف الطّيب في شرح ديوان أبي الطّيب). تسلم البعث السلطة بانقلابين عسكريين (1963)، ببغداد (8/2)، وبعد شهر بدمشق، وكان بالإمكان تطبيق شعارهما بالوحدة العربيّة، فكانت القاهرة بحاجة لإعادة الوحدة مع دمشق، لتستر هزيمتها؛ الوحدة التي فكت عراها (1961)، لكنه مؤتمر، وخياطة عَلم(1963) لا أكثر، ثم أجهضت ثانية؛ «واتصلت زوراً وقد أقسمت/ بالعروة الوثقى على الانفصامِ» (الجواهريّ، أمين لا تغضب 1963)، لأنهّ شعار «أماني لا مباني». عاد «البعث» إلى السلطة ببغداد في 17 يوليو 1968، وأعلنت بعده دمشق «الحركة التّصحيحية» في 16 نوفمبر 1970، فبدأ الخصام، ولم ينته. لا أدري، إذا صح الرّبط بالنزاعات الحادة بين الشّام والعراق، بما حصل بين الغساسنة والمناذرة(قبل الإسلام)، فالغساسنة العرب نصبهم القياصرة ملوكاً على الشَّام؛ والمناذرة العرب نصبهم الأكاسرة ملوكاً على العِراق، وكلاهما كان على المسيحية، فإذا كانت المسيحية ديانة تبشيرية، فالمجوسيّة ليست تبشيرية، لذا؛ سمح الأكاسرة بالمذهب النَّسطوري بالمدائن، المخالف لمذهب الرُّوم(البير أبونا، تاريخ الكنيسة الشَّرقيّة). احتل المناذرة، أو آل لخم، الشَّام مع الأكاسرة، وبالمقابل احتل الغساسنة العراق عند انكسار المناذرة، والمعروفون بملوك الحيرة، وكانوا على العراق قاطبة، فقيل: «فدوخت العِراق فكلُّ قصرٍ.. يُجلجل خندقٌ منه وحامٌ» (نولدكه/ أمراء غسان). يومها كان الفرس ببلاد الشّام «أنزلوا الرّعب في قلوب أهلها، وأحدثوا فيها مِن الخراب» (نفسه)، حتى استردها الرُّوم. كان البَلدان ساحة لنزاع الإمبراطوريات العظمى آنذاك(رومان وساسانيون). انتهت تلك المقابلة مع الفتوح الإسلاميَّة، لكنها عقودٌ ويتقابل الشام الأموي مع العراق العلويّ، والأشد كانت معركة صفين(37هـ)، حيث القائم اليوم غرب العِراق على الفرات(ابن مُزاحم، وقعة صفين)؛ بعدها ظل العراق مكان الثَّورات ضد الشَّام، وأخطرها كان خروج ابن الأشعث(قُتل: 85هـ)، وآخر وقعة له مع الأمويين بـ«ذات الجماجم»، حيث بابل(الطّبريّ، تاريخ الأمم والملوك). لا يتسع المقال ولا المقام للتبسط، بما حصل بين دمشق وبغداد، حتّى نصل إلى حكمهما مِن «البعث»، فالنّظريّة واحدة، لكن الأمر بينهما كان أخطر مما بين الغساسنة والمناذرة، فمؤسس الحزب نفسه كان أميناً ببغداد، ومنبوذاً بدمشق، وكيفما تكن دمشق، تكن بغداد ضدها، وبالعكس. انتهى حكم الحزب بدمشق وقبلها ببغداد، وما عاد الدّفاع عن الأضرحة، وشعار «زينب لا تُسبى مرتين» موجوداً، مع أنّ البناء بضواحي دمشق مقام وليس ضريحاً، فزينب وأسرتها غادرت دمشق إلى يثرب ولم تخرج منها. أتلاحظ كيف يتحفنا التّاريخ بالعجائب، علوي(المذهب) يحكم عاصمة الأمويين، ويُصلي في مسجدها، يواجه سُنياً يحكم بغداد، والأخير تُشجر له شجرة نسب أصلها علويّ، وما هي إلا لحظات مِن الدّهر، وبقدرة قادر، تصبح دمشق تحت حاكم سُنيّ، وبغداد يحكمها شيعيٌ، مع ثقتنا، أنَّ الطوائف غير مسؤولة عن مسالك الحاكمين. لذا؛ يكون الثأر من الطَّوائف كبائر الخطايا. أقول: سينتهي التّقابل بين دمشق وبغداد، المتعاقب مِن زمن الغساسنة والمناذرة؛ حتّى فرعي حزب «البعث»، وتزدهر العاصمتان؛ لكنْ لا يحصل هذا، إذا ظلت مصلحة الخارج والعقائد لدى المتنفذين في العاصمتين، مقدمة على مصلحة الوطن والشّعب؛ وهذا هو الفرق بين ممالك مستقرة جعلت الدَّاخل أولاً، وجمهوريات مضطربة سحقت الدَّاخل سحقاً، وبغداد ودِمشق نموذجان صارخان.

بيان الفلاسفة لعام 2025م :

بيان ألفلاسفة لعام 2025م : بكلّ إطمئنان وثقة وببلاغة عاليّة وأدلّة تأريخيّة و فلسفيّة كونيّة و واقعيّة كتبنا هذه ألخلاصة كمُقدّمة عن للبيان ألكونيّ ألذي سيُنشر مع بدء السنة الميلادية الجديدة 2025م, و يدور حول جُذور ألشّر و آلعُنف و آلفساد و آلفقر و القهر و سرقة الشعوب من قبل الحكومات و قادة الأحزاب ألجّهلاء و مرتزقتهم الفاقدين للقيم و المبادئ مع كيفية الخلاص من ذلك في عالم اليوم !؟؟ الحقيقة الكبرى و آلتي يُمكن إعتبارها عنواناً آخر و جوهر لهذا آلبيان, هي بإختصار بليغ : [ألجّهلُ أصل كلّ شرّ] حسب قول ألعليّ آلأعلى؛ لذا تحقّق أصل الخير مقابل ذلك يكون بآلقراءة و التقوى, لأن القراءة للعلم وحدهُ لا يُحقق الحلّ وآلغاية, و الدليل أنّ الشّيطان أعلم الخلق بعد الله تعالى, لكنه بآلعكس يُزيد الفساد و يُبلي العباد و في النهاية سيخسر, فما يجري في بلادنا و العالم سببه الجّهل و قلّة الوعي و التقوى و الرّكون للدّنيا, و من أهم أسباب عزوف الناس عن القراءة بآلدّرجة الأولى؛ هو فقدان آلسّر بيننا و بين الله, و كذا المحبّة و موت العشق في قلوب الناس بسبب المشقّة و المُعاناة التي تُسببها صُعوبة حصولنا على لقمة العيش الحلال, فتتولّد إفرازات خطيرة كآلجرائم و اللاأمن الذي يتزامن مع الجّهل الذي ينشره الأشرار و الطواغيب و الحُكّام في البلاد و آلعباد ليسهل قهرهم و سرقتهم للفقراء, لتستمر الأحداث و تتعقد الحياة و تصعب المعيشة و تنتشر الفوضى و الحروب و العنف والشّقاء فيواجه الناس أزمات حقيقيّة, حيث تُشير الأحصائيات إلى أنّ 200 مليون هربوا من 135 دولة بحثاً عن ألدّواء والغذاء والأمن, مع وجود مليار من البشر يعيشون في خط الفقر وعشرات الملايين منهم تحتَ خط آلفقر, بينما خيرات الدّنيا على وضعها تكفي لثلاثة أضعاف نفوس العالم, و آلعراق - الذي هو أغنى دولة وسُميّت بأرض السواد لوفرة خيراته؛ أبرز مثال, فبآلرّغم من أنّهُ أغنى دولة في آلعالم؛ لكنّ فيه آلآن 11 مليون يعيشون تحت خط الفقر و الشّعب يُعاني النقص في الدّواء و العلاج و التعليم و آلخدمات و فقدان الأمن و إنتشار العنف و الفساد و النهب الذي لم يعد له حُدود مع سيطرة ألدّول عليه عبر إتفاقيّات ستراتيجيّة أبرمتها الحكومة المُتحاصصة لقوت الناس مع القوى آلمُهيمنة! ألحلّ الجذري لهذه المعضلة القائمة و آلمُستعصيّة منذ الأزل على الأرض, يكون : بنشر ألفكر والفلسفيّة الكونيّة والأصول ألإبراهيميّة العشرة بتحديد القوانين ألعادلة لتُميّز المخلوقات ألخير و الشّر؛ ألحُبّ و آلكراهيّة؛ ألعبوديّة و التّحرر؛ لقمة ألحلال عن ألحرام؛ ألتوحيد عن آلشّرك؛ جوهر آلدِّين و ظاهره؛ العشق الحقيقي و المجازي, وغيرها من آلمعارف الكبرى و التي لا يعرفها حتى علماء المجتمع أو مراجعهم إلا عبر تأسيس المراكز و آلمساجد الفاعلة و آلمُنتديات ألفكريّة و آلمناهج الجّامعيّة و المؤتمرات الدّينية حسب منهج (الفلسفة الكونية العزيزية), وتأسيس مجلس للفلاسفة لإدارة العالم من قبل هيئة الأمم المتحدة, لأنّ إدارة الوضع بظلّ الحكومات القائمة ومراكز التسلط عبر الأحلاف العالميّة للمنظمة الأقتصادية؛ فإنّ الشّعوب ليس فقط لا تُحقّق ألحدّ الأدنى من فلسفة وجودها؛ بل وتُواجه ألوان الشّر و الشقاء و الظلم الذي يتعاظم, بوجود المنابر التقليديّة و الأعلاميّة, لخدمة أهداف السلاطين ألمُغايرة لمعايير العدالة وحقوق آلأمم, و التي أدّتْ لتعميق الفوارق الطبقيّة وتشويه وعي الناس, و بآلتالي فقدان السّعادة و العدالة و المحبّة بين المدّعين الذين توكّلوا على قوى الشرّ لتحقيق منافع مادّية لينتقل العالم من سيئ إلى الأسوء, خصوصاً بعد التطور التكنولوجي و النانويّ بفضل الذكاء الصناعي الذي حلّ محلّ البشر للإستغناء عنهم! و الذي يحزّ في النفس في هذا الوضع المأساويّ أكثر, هو؛ إصرار (الجّماهير) على جَهلها لعزوفهم عن القراءة لمعرفة حقيقة الحياة و فلسفة الوجود و سبب المساواة في الحقوق التي تعني ببساطة تحقيق العدالة؛ الذي يفرض أنّ يكون آلحاكم و المسؤول والرئيس هو خادم للشعب لا آمر و شيطان عليه, فليس للحاكم وآلرئيس ألحقّ في إستغلال موقعه لتعيين ذويه و للرّواتب والقصور على حساب المواطن الذي يجب أن يتساوى بآلحقوق معه و مع الجميع, و هذا هو النظام الذي يُريده الله تعالى للناس لا هذا النظام الفاسد الحاكم في العراق و في بلاد العالم حيث الرئيس أو من يحيط به من الوزراء و المدراء يسرقون الناس برواتب مليونية بعكس شرع الله و شرع المتحاصصين الذين قسموا الدرجات الوظيفية إلى 10 درجات أو عشرين أو أكثر , ذلك إن نظام (الدرجات العشرة) أو آلمائة, المرفوضة هي السبب في خلق الطبقيّة والفواصل الأجتماعية التي تسبب الظلم, وكما جاء بيانهُ من أصدق القائلين, في سورة الحشر/7: [مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ]. وآلذي طبّقه ألعليّ الأعلى في حكومته الكونيّة على نهج الرسول الكريم. إنّ آلمؤلم وآلمُحَيّر عند المسلمين والناس ألذين يُقاسون العذاب و الفقر؛ هو أننا حين نعرض أسباب تأخر ظهور المنقذ لفقدان المُمهدات أللازمة, ومنها عدم وجود مناصرين بعدد بدر 313 مؤمن صادق فقط؛ فأننا لا نلق آذاناً صاغية أو تجاوب , بل ويُرفض حتى وعيها! نعم لو طلبناهم لَمَاَ وجدناهم ينصرون أو حتى يسمعون, ليظهر و ينصرنا من حكومات العالم بعد ما يُرينا معجزته العظيمة في التوراة/العهد القديم و في الأنجيل في سِفر إشعيا/الفصل 53 - القسم العاشر, و الذي بكشفه فينبهر العالم به و الغرب قبل الشرق الذي كفرَ و نافق بآلدِّين و الولاية كما هو الحال الآن! فقد ورد في الكافي عن الكليني, عن أبي بصير, عن ألأمام الصادق (ع) في حديث متواتر , قال: [الناس طبقات ثلاث: طبقة منّا ونحن منهم؛ وطبقة يتزيّنون بنا؛ وطبقة يأكل بعضهم بعضاً بنا]. وذاك هو حال ألمسلمين و العالم, الذي يتعرّض ألآن للتغيير والتبدل و الفوضى والقتل وآلأنقلابات بعد إستسلام "حزب الله و أمل و الدّعوة و بدر والحشد و الفصائل و العصائب و المصاعب في بلادنا بسبب قادة آلجيوش, الذين يُدمّرون و يسرقون الناس ثمّ يحلفون زوراً؛ بأنّهم مُفلسون و مَدينون و فقراء, ليستمروا بالظلم !؟ و هذا البيان يعرض النهج الأمثل للخلاص بآلوصول إلى مدينة السلام عبر الأسفار الكونيّة التي تتطلب أجواءاً آمنة و طيبة مع المعرفة بظل الصالحين و المبادئ الإبراهيمة العشرة التي إتّفقت عليها الأديان جميعاً حتى الملحدين, و كما يتبيّن ذلك في فلسفة الشيوعية! حكمة كونيّة: [أحِبُّ آلكُتب لأنّ حياة واحدة لا تكفيني و كُلّ كتاب يُضيف على عمري زمناً آخر, و مهما يأكل الإنسان فإنهُ لن يأكل بأكثر من معدة واحدة، و مهما يلبس فإنّهُ لن يلبس إلّا على جسدٍ واحد محدود، ومهما يتنقل في البلاد فإنه لن يستطيع آلحلول بمكانين في آن. ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع جمع آلحَيَوات في عُمر واحد وتعظيم فكره وشعوره وخياله بالحب و السفر إلى أعماق الوجود، فآلصورة تتضاعف بين مرآتين و مَن يقرأ أكثر يرى أكثر] وكذلك: [ألأشجار تتّكأ على الأرض والماء لتنمو, وآلأنسان يتّكأ على آلمعرفة والمحبة لينمو وينتج]. إضافة إلى أنّ المحتوى آلمُميّز قادر على جعل حياة القارئ الهادف أكثر ثراءاً و إشباعاً؛ لذلك نسعى لمساعدة المجتمع الأنسانيّ على فهم العالم بشكل أفضل؛ ليكون أكثر إدراكاً، و ذلك بإنتاج محتوى متنوع يغطي عدّة فضاءات معرفيّة، وثقافية، و ترفيهية و كونية. خلال مهمتنا التنويرية لفت إنتباهنا حجم المحتوى الهائل؛ الهابط,على الإنترنت الذي تتعرض له كطالب ومتابع, آخرها قرأت لأستاذ جامعي إطلاق صفة (الثورة) على إنقلاب البعث عام1968م, لذلك قمنا بهذه المبادرة؛ حتى نوصل لك فقط ما يجب أن تهتم به من الحقائق التي تُنوّر طريقكم كمنهج كونيّ, كما كلّ عامّ نيابة عن فلاسفة و مُفكريّ العالم. للأطلاع على تفاصيل ألبيان على الرابطين التاليّين أدناه تحميل كتاب البيان الكوني لسنة 2025م: download book البيان الكوني لسنة 2025م pdf - Noor Library https://foulabook.com/ar/book/كتاب-بيان-الفلاسفة-لعام-2025-إستقراء-للماضي-وآفاق-المستقبل-pdf